رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي
ثانيا: القيادة، مواصفات وشروط
لعل السلفية الجهادية يمكن أن تنجح أو تفشل في تحشيد الأمة من حولها، لكن القول بأنه يمكن القضاء عليها عبر القضاء على رموزها قتلا أو اعتقالا فهي مسألة أبعد ما تكون عن الحقيقة. فالأمة مقبلة على نمط جديد من التفكير والعمل غير مسبوق ولا مألوف، والثابت أن السلفية تجاوزت مرحلة التصفية أو الإبادة، ولو كان لمثل هذا الأمر أن يجدي لنجحت الولايات المتحدة فيه منذ غزت أفغانستان وأعملت قتلا في قيادات السلفية وكوادرها وعناصرها من شتى أنحاء العالم سواء كانوا من القاعدة أو من طالبان أو من أية جماعة أخرى تواجدت على الساحة الأفغانية أو الباكستانية. ونكاد نجزم أنه لو تعرضت دولة أو جماعة أو حزب لما تعرضت له السلفية الجهادية في أفغانستان أو الشيشان على يد الروس وما تتعرض له في العراق لما بقي لها أثرا يذكر. وعلى العكس من ذلك أعادت طالبان بناء قوتها ولملمة شتاتها وها هي تخوض حربا ضروسا ضد قوات حلف الأطلسي في أفغانستان، أما القاعدة فقد
نجحت في فتح جبهات أخرى ودعمت قوى سلفية ضاربة في عدة بلدان إسلامية وظهرت دولة العراق الإسلامية ونشطت معها القوى السلفية الأخرى من أنصار السنة وجيش الراشدين وأبي بكر الصديق حتى عصائب العراق فضلا عن الكتائب السلفية الأخرى، واختفى رمز الجهاد العالمي ليزيد الطين بلة فاستقال مايكل شوير رئيس وحدة مطاردة بن لادن بعد أن فشل في القبض عليه أو تصفيته، وأقر أحدث التقارير الاستخبارية السرية للولايات المتحدة نقلا عن مجلة النيوزويك الأمريكية بأن القاعدة تضخمت وأنها غدت أقوى من أي وقت مضى منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، وأنه من المستحيل القضاء عليها دون تعاون الحلفاء[76]! ترى ما هو السر في قوة السلفية الجهادية وقياداتها؟
فضلا عن وضوح خطاباتها فما من تميز للسلفية بأقوى من قدرتها على صنع القيادات وإنتاجها. فهي عملية معقدة لا يبلغها إلا من بلغها بشروط لا يمكن تجاوزها أو التهاون بها. بمعنى أن القائد لا تصنعه التعليمات ولا سنوات الخدمة ولا الترقيات المألوفة، فمن يصنعها إذن؟
i.العلم الشرعي
لما يردد بن لادن القول: "لسنا جامدين ... سندور حيث تدور العقيدة"، فإننا نحملهذه العبارة على محمل الجد كونها "تعبر عن صميم عقل السلفية الجهادية وفلسفتها العقدية كمرجعية وحيدة ... ذلك أن التنظيم بنظر أتباعه عقيدة يدورون معها حيث تدور وليس بناء أيديولوجيا ولا أولوية ولا هدفا بحد ذاته ولا غاية مرجوة. فإذا ما قررت العقيدة، بنظر السلفية الجهادية، أن هذا خطأ أو صواب وذاك حلال أو حرام وهذا صديق وذاك عدو فلا مفر حينها من التسليم والدوران حيث تدور العقيدة وتقرر بعيدا عن أي تأثير تنظيمي أو تبعات سياسية"[77].
فالمعنى إذن يؤكد على أن سر السلفية الجهادية يكمن بالذات في الشريعة بوصفها المصدر الوحيد في: (1) الحكم على النوازل أو (2) توجيه السلوك العام والخاص أو (3) بيان الاحتياجات والمتطلبات أو (4) رسم السياسات و (5) وضع الخطط، و ... الخ وبمعنى من المعاني فالشريعة ومصادرها معطوفا عليها التجارب الإسلامية، بعرف السلفية الجهادية، ليست علوما للتلقين ولا ميدانا للفقه ولا مجرد أحكام مصفوفة ولا هي تخصصات علمية، وليست الغاية منها التمتع والوجاهة والتفاخر ولا وسيلة لتحصيل الوظيفة والمال والجاه والرفعة. بل هي مرجعية ومنهج حياة بديلا عن أية مصادر أو مرجعيات أخرى، وعليه فإن التحصن بالعلم الشرعي يغدو الشرط الأول والحاسم في العمل خاصة وأن "المجاهد هو أكثر من يحتاج إلى العلم من غيره وهو يخوض غمار الجهاد ٍالذي يستدعي منه أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم"[78] .
فالأمن[79] والسياسة الشرعية والخطط العسكرية وتحديد مراحل النكاية والتمكين والأولويات أو فقه الجهاد وأحكامه وفقه الواقع وفقه التحييد وفقه المرحلة وفقه التزكية وطرق قتال العدو والتنبؤ بسقوطه أو نجاحه وضبط مواضع الخلل والقوة والضعف واتخاذ المواقف كلها وغيرها من القضايا يجري الاستدلال عليها أو الاسترشاد بها من خلال الشريعة والسنة النبوية وسلوك الصحابة وفتاوى العلماء والفقهاء وقادة الجيوش الإسلامية والتراث الإسلامي الجهادي[80] قبل الاستعانة بأية مصادر أخرى. لذا فما من نازلة أو حدث أو سلوك إلا ويخضع للحكم الشرعي الذي له وحده الحق في إجازته أو رفضه، ولا عبرة لأية مبررات تاريخية ولا لأية قيم أو مجاملات أو اعتبارات للمصداقية وغيرها ممن تصنف تحت قافلة "الهوى"، فلو سرقت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم لقطع محمدٌ يدها، ولو نكص بن لادن على عقبيه لنبذ غير مأسوف عليه[81].
قد يبدو هذا نوعا من الوصاية على الدين وكأن السلفية الجهادية باتت على حق وغيرها على باطل وهو ما ليس من الأطروحة السلفية بشيء، إذ أن الشريعة، بالنسبة إليها، فيها من السعة ما ليس في أية مرجعية أخرى، فهي الرصيد المعرفي الهائل الذي لا ينضب مع الزمان بخلاف أية مرجعيات أخرى لا تتعدى أعمارها، في أحسن الأحوال، بضعة عقود لا أكثر، وفيها من الأمن والأمان والسكينة ما لا يمكن للأيديولوجيا أن تحلم به، وفيها من المثل ما لا ينفع الاقتداء بغيرها، وفيها من التوجيه والإرشاد ما لم يقع الاستفادة منه سابقا بسبب تغييبها عن الأمة وواقعها، وفيها من القوة ما تستكين معه نفسية المجاهد، وفيها من الصرامة ما يكفي ليدمغ الحق فيها كل باطل فيزهقه، من هنا تأتي الحاجة إلى تعلم العلم الشرعي للعمل به.
لذا فإن البيئة التربوية التي تنشأ فيها السلفية الجهادية هي على الأغلب بيئة المساجد وحلقات العلم والعلماء وبيئة الغرباء من كهوف وسراديب وصحاري وبيئة الثغور وساحات الجهاد وميادين القتال وليست بيئة سايكس – بيكو من القصور والفنادق والمؤتمرات والوزارات والسفارات والمكاتب المكيفة ووسائل الإعلام، ولا بيئة التنظيمات والأحزاب والأيديولوجيات ولا بيئة العلاقات الدولية والأمم المتحدة
ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، وشتان بين البيئتين.
كما أن للعلم الشرعي ميزة لا توفرها أية أيديولوجيا مهما بدت متماسكة، فالصحابة كان الواحد منهم يوصف وكأنه "قرآن يمشي على الأرض"، وهذا يؤشر على أن توجه السلفية نحو دراسة العلم الشرعي والنهل منه ما استطاعت إنما هو محاولة للتشبه بالصحابة، وقد يبدو الأمر نكتة بالنسبة للخصوم خاصة وأن لديهم الكثير من الردود على مثل هذه "الأحلام والغرور"، لكن لو رفعنا من مستوى التحليل والتفسير أكثر قليلا سيتبين لنا أن السلفية باشتراطها العلم الشرعي إنما تجعل من عناصرها مشاريع قيادة من العيار الثقيل، وفي هذه النقطة وأمثالها فليتنافس المتنافسون. فمن يخوض الجهاد عليه أن يفهم إلى أين يقود الأمة ولأية أهداف، وعليه أن يعرف كيف يخاطبها، وبأية أدلة يواجهها، وعليه أن يتحمل كامل المسؤولية أمام الله والناس. أما التلاعب بمصير الأمة وزجها في أتون حروب طاحنة لا فائدة ترجى منها أو تسويات ظالمة وخائبة أو تحالفات مشبوهة فهي من تداعيات الجهل في الدين وغياب المرجعية، والصدع بما فيها من حقوق هي ملك للأمة وليست ملكا لعالم أو فقيه أو محدث أو حاكم أو سياسي أو أية شخصية كانت.
ومن الأهمية التنبيه إلى أن الأخذ بالعلم الشرعي لدى السلفية الجهادية يأتي على خلفية النقص الفادح في التكوين لدى الجهاديين من جهة ولترشيد فعاليات العمل الجهادي وبنائه من جهة أخرى على أسس شرعية واضحة. ففي مؤلفه الضخم يورد أبو مصعب السوري الكثير من الإشكالات التي عانى منها قادة الجهاد أمثال عبد الله عزام والظواهري وبن لادن وغيرهم من معتقدات جلبها معهم من التحق بصفوف المجاهدين خاصة من طلبة العلم الشرعي، ويعتقد صاحب "دعوة المقاومة" أن تصرفاتهم ألحقت ضررا بالغا في تقدم مسيرة الجهاد وعالميته ونفَّرت الكثير منه وتسببت بنزاعات قوية بين المجاهدين كونها انتشرت على مساحات واسعة من ساحات الجهاد. على أن هذا لا يعني إيصاد الأبواب أمام من يلتحق بالمجاهدين إن لم يكن متحصنا بالعلم الشرعي ولكنه في المقابل، وبعد التجارب المريرة، بات ملزما بتلقيه.
أما على مستوى القيادات فما من سبيل للوصول إلى دفة القيادة في مراتبها الوسطى والعليا خاصة إلا بشروط حاسمة فيما يتعلق بالعلم الشرعي، ولقد لاحظنا في بيانات الرثاء وأشرطة الفيديو التي خصصت لأبي مصعب الزرقاوي حرصها على التذكير بأنه كان طالب علم مجتهد علاوة على كونه القائد العام، وكأن تعيين أبي مصعب أو قبول بيعته ما كان ليتم لولا علمه وصلاحه والثقة الكاملة فيه فضلا عن قدراته الميدانية وبلاؤه في المعارك وإلا ما استطاع قيادة الجماعة في العراق. كما أنه ما من سبيل لإعلان الجهاد في ساحة ما دون أن تكون النواة الأولى على دراية بالعلم الشرعي وإلا فلا داعي لإعلانه، هذا ما حصل بالنسبة لمجموعة تركستان الشرقية التي كان يقودها حسن معصوم قبل سقوطه في معركة مع القوات الباكستانية في وزيرستان سنة 2003. إذ يذكر أبو مصعب السوري أن حسن معصوم كان يخطط للعودة إلى تركستان والشروع بتعليم العلم الشرعي لنحو مائتي مجاهد قبل أن يعلن الجهاد على القوات الصينية التي تحتل البلاد[82] .
بطبيعة الحال فالاستنتاج الحاسم يكمن في كون قادة الجماعات المسلحة للسلفية الجهادية لا يمكن إلا أن يكونوا على قدر كبير من العلم الشرعي، وبما أنهم خارج سايكس – بيكو فمن البديهي ألا يكونوا قادة أحزاب أو تنظيمات بقدر ما سيكونوا مجاهدين علماء، على أن هذا لا يعني أنهم من الراسخين في العلم، لكنهم ليسوا على جهل، وليس من الحكمة الاستهانة بقدراتهم العلمية وإلا لما استطاعوا أن يرفعوا راية ويعلنوا جهادا ويخوضوه ضد أعتى القوى العالمية ويدعون الأمة له لو لم يكن لديهم قدر كبير من العلوم الشرعية، هذا فضلا عن أن للسلفية الجهادية علماءها العاملين في شتى أنحاء العالم.
إذن القيادة ليست مرتبة تنظيمية ولا سياسية ولا أخلاقية، وليست وليدة المصالح والأهواء ولا هي بالوراثة ولا التزكيات بل هي الضرورة الأولى من ضرورات أي مشروع جهادي خاصة وأن ساحات الجهاد تفتقد للعلماء المتخصصين المتفرّغينإلى حد كبير مما يجعل من العلم الشرعي الشرط الذي يحظى بالأولوية القصوى.
ii. التمرس في ساحة الجهاد
لم تكن هجمات 11 سبتمبر 2001 على أبراج التجارة الأمريكية لتحقق هدفا جوهريا وحاسما أفضل مما حققته في الصميم وهو تقديم قيادة للأمة[83] بمواصفات غير مسبوقة خاصة وأن الضربات نجحت في توجيه ما يسميه الشيخ أسامة بن لادن ضربة "حطمت هبل العصر"[84] بالإضافة إلى أهداف أخرى. فسلطان الأمة الذي اغتصبته سايكس – بيكو في غفلة من الأمة وضيعته يستوجب وجود قيادة موثوقة ومؤتمنة مهمتها استعادته حتى لو كلفها ذلك مهاجمة "أصنام العصر"، وحتى تظهر هذه القيادة وتحظى بقبول في الساحات الإسلامية كان عليها أن تفكر بهدف يلفت انتباه الأمة والعالم أجمع بأن الإسلام قادم وأن المسلمين عازمون على الاستمساك بـ"العروة الوثقى" وأن على "الغرب الصليبي الصهيوني الكافر" أن يفهم أن المعركة فتحت ومن أوسع الأبواب.
هكذا قدمت القاعدة نفسها قائدة لحركة الجهاد العالمي الذي يؤمن بأن المقاتل العالمي [المشرك] الذي يصول ويجول في أنحاء العالم غازيا معتديا لا بد له أن يواجه بمقاتل إسلامي عالمي [موحد] وبذات المواصفات وفي عقر داره[85] . فالقتال بحسب شروط الخصم لم يعد متاحا ولا بد من نقل المعركة من الأطراف إلى المركز[86] لتصير المعادلة مخطوطة بحسب القسم الشهير للشيخ بن لادن أو د. الظواهري[87] . إذن أي نوع من القيادة نحن بصدد البحث عن مواصفاته؟ وما الذي تريده قيادة السلفية الجهادية المقاتلة بعد أن استتب لها الأمر؟
لعل أبا بكر ناجي هو من أكثر وأدق من أصل لمضمون القيادة وشروط تحققها في صفوف السلفية الجهادية خاصة في الفصل الثاني من مؤلفه العزيز على قلوب المجاهدين مثلما هو عزيز على قلوب وكالات الأمن الأمريكية التي قامت بترجمته وشرحه وتوزيعه على نطاق واسع لما اعتبرته أخطر المؤلفات. ففي الغرب يهتمون بالإدارة وليس بالقيادة المباشرة، وللإنصاف فإن كتابات الشيخ أبي بكر ناجي أثارت انتباه كل من قرأها، أما أفكاره عن مسألة القيادة وهو يعالجها من خلال ربطها بالإدارة ربطا مباشرا فهي أطرف ما قدمه مفكر إسلامي وجهادي في تاريخ الحركات الإسلامية وحتى الجماعات السياسية العلمانية، بل أن ميزة مؤلفه "إدارة التوحش" أنه المشروع الأول الذي تقدمه حركة جهادية للتنفيذ على الأرض.
بالتأكيد يفرق "ناجي" بين القيادة (العسكريين) والإدارة (السياسيين) في مراحل النكاية والتمكين أو ما يسميه بإدارة مناطق التوحش، ويعتبر الأولى للثقاة فقط ولكنه لا يمانع في أن يكون كل قائد مديرا. لذا نراه ينطلق في بداية الفصل من قاعدة تقول: " [ ليس كل قائد مدير وليس كل مدير قائد ]، ولكنه يسعى إلى تحويلها لتصير [ كل قائد مدير وليس كل مدير قائد ]". وبطبيعة الحال هو يجتهد في ذلك بناء على تجارب الجماعات السابقة التي فشلت بفعل الاختراقات الأمنية أو السياسية وأحبط عملها وهو ما لا يريد للسلفية الجهادية أن تقع فيه[88] .
من المألوف أن التيار السلفي بعرف السياسات الحكومية والأمن الدولي منبوذ، وقادته وعناصره مطلوبون لكافة القوى الدولية والمحلية، كما أنه مهيب الجانب من شتى الجماعات الإسلامية والعلمانية ومحارَب من طرف الكثير منها، وعليه فإن التفريط في المسائل الأمنية أو الإدارية أو العسكرية من شأنها أن تلحق أضرارا بالغة بالتيار وتوجهاته ورايته، وتبعا لذلك فهو تيار عامل تحت الأرض لا فوقها، وتيار خفي لكنه نشيط حتى في الجبهات المفتوحة، ولما تكون أهدافه تبلغ مصالح الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها وزيادة عليها "المستضعفين في الأرض"[89] وأعداؤه من نوع "هبل" و "اللات" و "العزى"، فمن المفترض أن نتوقع قيادات من نوع مختلف مقارنة بما سبق من نماذج عديدة سقط بعضها وتراجع آخر ودافع ثالث عن ثقافة التغيير السلمي ورابع أبدى استعداده للتفاوض حول ما يفترض أنها ثوابت بينما لا نجد مثل هذه التحولات لدى السلفية الجهادية منذ نشأتها قبل نحو عشرين عاما.
|