عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 02-01-2012, 07:46 AM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية(1)

· التيارات السلفية التقليدية:
وتشمل (1)التيار السلفي الرسمي ممثلا بهيئة كبارالعلماء، وهو تيار له امتدادات علمية وجماهيرية محدودة. و (2) سلفية تميل للبعد التكفيريوالجهادي، وتتسم بالحدَّة والصرامة مع المخالفين، وبموقف صارم وعنيف من السلطةالسياسية، و (3) سلفية ذات نزعةإرجائية تتسم بطاعة مطلقة لولي الأمر، وهي قريبة نسبيًّالخط الشيخ "الألباني" ويطلق عليها خصومها مسمَّى (الجامية - المدخلية).
· التيارات السلفيةالحركية
ويمثلها تيار حركي (4) يُطْلِق عليه خصومه مسمَّى (السرورية) نسبة إلى مؤسسها، وهي مدرسة تنظيرية فكرية سياسية دعويةيقوم منهجها على مزيج من الحركية الإخوانية والفكر السلفي الوهابي، كما أن هناكتيار حركي آخر هم (الإخوان المسلمون)، وهو تيار لا يُصنَّف، إجرائيًّا، داخل إطار التيار السلفي.
· (5) التيار العقلاني أو تيار التنوير الإسلامي
هذا التيار عبارة عن مجموعة من النخب المهتمة بالشأن الثقافي والسياسي، ويقدمه أحد ناشطيه على أنه: " ... تيار أجندته ليست سياسية؛ لكنها ثقافية في المقام الأول، تقوم على نقد التيار السلفي، وتفكيك بنيته التقليدية، ومنظومته في التفكير، والتعامل لتجاوز التأزماتالتي أنتجها في المجتمع، والتي أسهمت في إعاقة مشروعات النهضة والتطورالحضاري. إذن فهو تيار فكري ثقافي أكثر منه سياسي؛ لذلك فهو- إلى الآن- غيرُمعنيٍّ بشكلٍ مباشر بالإصلاح السياسي بقدر عنايته بالإصلاح الثقافي، لذا لا توجد لهمشكلة مع السلطة السياسية".
بطبيعة الحال لا يهمنا مدى شعبية هذه الجماعة أو تلك وفق التقسيم المقترح للمشهد الديني أعلاه وليس بالضرورة أن نوافق أو نعترض على التصنيف والتوصيف، بل أن ما يهمنا هو التيارات النشطة في المجتمع السعودي، وبالتحديد ما ورد تحت مسمى السلفية التقليدية والتي تتألف من ثلاثة تيارات أهمها سياسيا وعلى الصعيد المحلي والعالمي هو التيار السلفي الجهادي الذي يقوده حاليا تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وهو تيار لا يقر البتة بمسألة التكفير ولا يخرج عن ضوابط التكفير الشرعية، كما يقول مؤسسه بالذات، وإن كانت ممارسات بعض فروعه قد أوقعته في الحرج في مواضع عدة وتسببت في كوارث كما حصل في الجزائر على يد الجماعة الإسلامية المسلحة[11].
ثانيا: المخزون الثوري
في إطار سعيه لما يعرف بالحوار مع ما يسميه بـ "الإسلام المعتدل" تلقت دوائر القرار الغربي تقريرا من مجموعة الأزمات الدولية تطالبه فيه بالتوقفعن استعمال مفهوم "الإسلام السياسي" الأمريكي المَنْبت، والاستعاضة عنه بمفهوم "الإسلام الحركي"، انطلاقا من أن العقيدة هي بالنهاية سياسة ودين، وهي، وإنْ كانت، واحدة إلا أن التوجهات الحركية متعددة[12]. وعلى قاعدة الاعتدال والتطرف استعملت المجموعة المفهوم الجديد لتمهيد الطريق أمام القوى الغربية لإيقاع تمايز بين الجماعات الإسلامية يستهدف بالدرجة الأساس عزل التيارات الجهادية والحيلولة دون استنزاف المخزون البشري للجماعات السلمية باتجاه ما يراه الغرب والدول العربية جماعات متطرفة كتنظيم القاعدة. وبطبيعة الحال لجأت مجموعة الأزمات وغيرها من مراكز الأبحاث الغربية إلى الترويج لجماعات إسلامية تحظى بتأييد واسع من الجمهور وذات أهداف سياسية تتلاءم أفكارها مع بنية المؤسسات الحديثة للدولة، ومع آليات عملها السلمية للوصول إلى السلطة، وهي مسألة موضع خلاف مع جماعات الإسلام الجهادي العالمي التي ترفض الدولة الحديثة بكل ما ينتج عنها ويترتب على أدائها باعتبارها مؤسسة مستوردة من الخارج "الكافر". والأهم من هذا أنها جماعات ذات أهداف دينية تعبدية بالدرجة الأساس، فهي تنظر إلى الجهاد باعتباره عبادة من أوجب العبادات بعد أن بات فريضة متعينة بسبب ما تعتبره عدوا صائلا في البلاد الإسلامية ينبغي ردعه وإخراجه منها، وهي مسألة تتقدم حتى على أولويات التنظيمات الجهادية العاملة على إسقاط الأنظمة السياسية الحاكمة في بلدانها. وهكذا ففي حين تبدو المعادلة التي يضعها الغرب قائمة على الإسلام الحركي بديلا عن الإسلام السياسي الذي يضع الجميع في سلة واحدة، تقدم جماعات التيار الجهادي معادلتها القائمة على الإسلام الجهادي كعبادة مقابل الإسلام الحركي كسياسة.
وينبغي أن تثير مثل هذه المعادلة الكثير من التأمل خاصة فيما يتعلق بالمخزون الفكري للتيار الجهادي والذي لم يعد حكرا على تنظيم بعينه. والسؤال: من أين يبدأ هذا المخزون؟ وأين ينتهي؟
لو قمنا بمقارنة بين المخزون الثوري للحركات الوطنية والتحررية العربية على وجه الخصوص سنجد أنه الأفقر على الإطلاق على المستوى العالمي، فقد بلغ الفقر الثقافي الثوري حد العدم لدرجة أن قيادة كتائب الفدا التي تشكلت سنة 1949 كأول تشكيل مسلح غداة النكبة، وكانت أولى بواكير حركة القوميين العرب، استلهمت أفكارها من جيوسبي غاريبالدي القائد الفدائي الايطالي وتعلمت من جيوسيبي مازِّيني عضو الجمعية الوطنية السرية الايطالية (كاربوناري) أساليب التنظيم السرية ككلمات السر والأسماء المستعارة[13]! بل أن الفقر بلغ حدا دراماتيكيا بانشقاق الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية بدعوى تكوين الحزب الثوري الحديدي وعلى قاعدة "إما أن تكون ثورة أو لا تكون"، وتبرير الجبهة الشعبية مثلا للحاقها بالماركسية بعد بضعة شهور ببضعة قراءات لبعض المقالات! ولا شك أن هذا الفقر يعود بشكل مبدئي إلى حالة العداء التي استحكمت بين التيارات العلمانية التي تمثلت بالفكر اليساري وتجارب الثورات الآسيوية من جهة والتيارات الإسلامية لاسيما جماعة الإخوان المسلمين الذين سجلوا سبقا كبيرا في النشأة والعمل السري من جهة أخرى.
أما فكرة القومية العربية فقد مثلت، ولا شك، أولى بواكير المخزون الثوري بما أنها انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردا على السياسة الطورانية التي اتبعتها تركيا ضد ولاياتها العثمانية، هذا المخزون أخذ في التزايد خلال الحقبة الاستعمارية التي استعرت مع دخول القوى الأوروبية إلى ما أسمي بالوطن العربي فيما بعد وتقسيمه إلى دول مستقلة وفقا لاتفاقية سايكس- بيكو سنة 1916، ثم تطور مع المرحلة الأكبر من المد الثوري القومي غداة اغتصاب فلسطين سنة 1948، وبلغ ذروته مع الفكر الماركسي بمختلف تلاوينه السياسية والأيديولوجية إثر تبني الاتحاد السوفياتي لحركات التحرر العالمية في العالم الثالث في أعقاب حرب السويس سنة 1956 وغداة الثورة الطلابية في أوروبا سنة 1968، ومن ثم نجاح معظم الثورات الآسيوية في التحرر من القوى الاستعمارية الكبرى.
أما المخزون الثوري الجهادي فهو غني عن التعريف ومدهش وغزير وغير مقيد لا بالزمان ولا
بالمكان، وفي واقع الأمر هو معين لا ينضب إذا ما تعلق الأمر بالتراث العقدي والتاريخي منذ البعثة النبوية. ولكن إذا ما أخضع هذا المخزون الهائل لمبدأ "فقه الواقع" فهو على أصالته فقير إلى حد التجاهل. والبداية مع هذا الأخير (فقه الواقع) كانت في أغزر تراث وأغناه وأهمه بالنسبة للتيارات الجهادية وهو التراث الأصيل للدعوة الوهابية ومشايخها وتلامذتها وأتباعها، والذي شاع في العالم أجمع بسرعة فائقة، وكذلك تجارب الجهاز الخاص للإخوان المسلمين في مصر. ثم تطور المخزون بشكل كبير مع النشرات والكتب والإصدارات الضخمة حتى بلغ ذروته ونشوته مع العمل الموسوعي الضخم الذي قدمه العلامة سيد قطب أواخر الستينات من القرن العشرين والذي لم يقدم مثله أحد حتى الآن لاسيما كتاب معالم في الطريق، وكذلك تراث جماعات الإسلام الجهادي في مصر وبلاد الشام. وفي أواخر السبعينات من القرن العشرين ظهرت مساهمة قوية جدا تمثلت بكتيب صغير لمحمد عبد السلام فرج بعنوان " الفريضة الغائبة "، والذي انفرد باستحضار الفقه الجهادي من بين ثنايا تراث الشيخ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم خاصة ما تعلق بالحديث عن دار الكفر ودار الإسلام وقضايا الحاكمية والردة ومشروعية الجهاد وأحكامه وشروطه. ومنذ ذلك الحين توالت الإصدارات بكثافة هائلة خلال مراحل الجهاد الأفغاني وحكومة الطالبان خاصة مع إصدارات الشيخ عبدالله عزام في أفغانستان والتي مثلت صميم فقه الواقع ربما للمرة الأولى بعد انهيار الخلافة.
غير أن المشكلة بقيت قائمة بما أن معظم الإصدارات، بعد الإضافات المذكورة، ظلت تجتر ما هو كائن دون القدرة على توليد المزيد من الفقه والمعرفة.
ورغم هذا الفقر والضعف في المخزون الثوري لتيارات الجهاد إلا أنها استطاعت أن تفرض نوعا من المواجهة المحلية مع الأنظمة السياسية العربية ما لبثت أن تطورت نسبيا إلى مواجهة عالمية مع القوى الكبرى، حتى أن (السوري) كواحد من أكبر مؤرخي ونقاد التيار الجهادي العالمي قدم مشروعا معرفيا يزيد عن 1600 صفحة بعنوان" دعوة المقاومة الإسلامية العالمية " تناول فيه أدق تفاصيل التجربة الجهادية على امتداد أربعين عاما في مختلف دول العالم الإسلامي العربية وغير العربية، بدء من الواقع المعاش إلى حصاد التجربة إلى العقيدة القتالية والتربية الجهادية والدستور وبناء التنظيم وانتهاء بالنقد المر للتجربة والحلول. ويخلص أبو مصعب السوري في مشروعه إلى تحديد مصادر الفكر الجهادي العالمي لدى تيار القاعدة مشيرا إلى تشكله من خليط ضم " أساسيات من فكر الإخوان المسلمين + المنهج الحركي للشهيد سيد قطب + الفقه السياسي الشرعي للإمام ابن تيمية والمدرسة السلفية + التراث الفقهي العقدي للدعوة الوهابية المنهج السياسي الشرعي الحركي للتيار الجهادي"[14].
أما المخزون الآخذ في التعاظم دون أية رقابة أو قدرة على الحد منه أو مواجهته فهو الكائن في الفضاء السيبيري (الإنترنت) الحر من خلال المقالات والدراسات والكتب والملفات المرئية والمسموعة، فضلا عن المنتديات والمواقع المتخصصة وغرف المحادثة المباشرة وما تتضمنه من فتاوى ومناقشات وردود ووسائل اتصال إلى جانب المخزون الهائل من المعارف والخبرات العالمية التي تشارك بها الدول والمؤسسات والمنظمات والحركات الثورية وحتى منظمات الإجرام. ولنتأمل أهمية الإنترنت ونستمع لمسؤول إسرائيلي حين يقول: " إن الانترنت يمكن أن توفر لأي فرد عادي الدخول إلى الشبكة والتعلم منها كيف يصنع قنبلة"
كل هذا من شأنه أن يساهم في تشكيل البنية الذهنية والإدراكية للتيارات الجهادية ويسهل عملها. وإذا كان أبو مصعب السوري قد استنتج "بأن المكسب الأكبر للتيار الجهادي من تلك التجربة]الأربعين سنة الماضية[هو عولمة التيار الجهادي فكريا وحركيا ... وتبادل الفكر والخبرات, والتعارف بين كوادره من البلاد المختلفة, ثم انتشار ذلك في مختلف أقطار الدنيا"[15] فالواقع يشي بأن العولمة فرضت نفسها على التيارات الجهادية رغما عنها. فما الذي يمكن أن يحدث عندما يتعولم الفكر الجهادي؟
ثالثا: تطبيقات مفاهيمية (الوطن الإسلامي نقيضا للوطن العربي)
في الواقع يمكن أن ينقلب الأمر رأسا على عقب، فالوطن والشعب والمجتمع والقومية والأمة والقطر و ... كلها مفاهيم حديثة يمكن أن نجد لها نظائر في التاريخ الإنساني وحتى الإسلامي،إلى هنا فليس ثمة مشكلة بعد، ولكن في العقيدة الإسلاميةفالمسألة جد مختلفة، ذلك أن الحديث يجري عن ديار المسلمين أو أرض المسلمين، وحينها يبيت الوطن بالنسبة للمسلم حيث توجد العقيدة ممثلة بالإسلام وأمة المسلمين بغض النظر عن موقع البقعة الجغرافية سواء كانت في مشارق الأرض أو في مغاربها. وبالنسبة للقاعدة من الطبيعي أن يسترشد المسلم بالعقيدة والأحكام الدينية والتشريعات والسنة النبوية، وبتراث السلف الأول من الصحابة والتابعين في بناء استراتيجياته، ومن المؤكد، سلفيا، أن الهجرة إلى أرض الله الواسعة يمكن أن تكون متاحة وواجبة، في ظروف ما، إلى حيث تتحرر العقيدة والدين من وصاية السلطان أو يتبناهما، أو في أي بلد إسلامي سواء كان هذا البلد هو باكستان أو أفغانستان أو الفلبين أو الشيشان أو كشمير أو إندونيسيا أو البوسنة أو ماليزيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر أو اليمن أو العراق أو السعودية أو الشام أو أي بلد آخر.
ففي الإسلام ثمة أمور تستعص على فهم الآخر، ففي الغرب حيث الديانة المسيحية يمكن للمرء أن تكون له كنيسة يصلي بها ولا يصلي بغيرها! بل أننا نجد كنائس للسود وأخرى للبيض وكنائس للفقراء وأخرى للأغنياء وكنائس للمواطنين ومثلها للمغتربين، وطقوس كنيسية لهذا تختلف عن ذاك في حين تفترض وحدة الديانة والمعتقد طقوسا متماثلة يقع الجميع فيها تحت سقف التعاليم الربانية، وفي إسرائيل أيضا ثمة عنصرية في شتى مناحي الحياة بما في ذلك الدين، وأسوأ من ذلك، فمن غير المسموح أو المألوف مثلا أن يتعبد يهودي في غير الكنيس الذي يتعبد به عادة فإذا ما حان وقت عبادة فعلى اليهودي إن كان ملتزما أن يذهب إلى كنيسه فقط، ولا يجوز له التعبد في كنيس آخر! أما في الإسلام فمن العبث الاعتقاد بعنصرية دينية، فإذا حضرت الصلاة جاز للمسلم أن يؤديها في أي مسجد على وجه الأرض وفي أي مكان إذا تعذر وجود مسجد لسبب ما. فالتماثل ووحدة العقيدة في
أحكامها ونواهيها وتشريعاتها واحدة في كل زمان ومكان.
إذن ليس ثمة مشكلة في العيش حيث يتواجد الإسلام والمسلمون طالما أن العقيدة واحدة والرب واحد والنبي محمد هو خاتم الأنبياء والهدف واحد وهو إقامة الدولة الإسلامية وإحياء سنة الخلافة في الحكم واستئناف تبليغ رسالة الإسلام إلى أمم الأرض. بهذا المحتوى لمفهوم الوطن والشعب والدين سيكون لزاما علينا تقبل أن تكون الأمة الإسلامية برمتها هي المورد البشري بحيث يغدو التنظيم معبرا فعليا عن إطار إسلامي أصيل وليس إطارا قطريا أو قوميا أو إقليميا. فماذا نعني بالإطار الإسلامي؟ وما الفرق بينه وبين الإطار القومي مثلا؟
إن الفرق بين الإطارين هو حكما فرق في الاعتقاد وبالأصح هو فرق في الإيمان، فإذا كان من الممكن أن يتخلى الفرد عن الأيديولوجيا أو يستبدلها في لحظة من الزمن فمن غير الممكن حدوث الأمر نفسه إذا ما تعلق الأمر في العقيدة، فالإيمان هو قول يصدقه العمل وليس كما تقول الإرجائية إيمان يصدقه القول.
وإذا انطلقنا من القومية العربية كمثال سنجد أيديولوجيا حظيت بالكتابات الغزيرة والمساندة من قبل المثقفين والسياسيين على السواء، ونظمت لها المؤتمرات والندوات والمهرجانات الخطابية وعزفت لها الأناشيد ما عزفت، بيد أن واقع الأمر يشير مبدئيا إلى:
· دول أعلنت تبنيها الأطروحة القومية والتزمت فعليا بأطروحة قطرية فجة ترقى في كثير من الأحايين إلى العنصرية ( = الاستعلائية ) إن لم يكن الانغلاق.
· تربية أجيال بحالها على القطرية والاعتزاز بالذات القطرية، آل بعضها أو أقسام كبيرة من السكان إلى التنكر للعروبة والأصول القومية.
· التشدد في ممارسة المركزية كخيار الدولة العاصمة نجم عنه إيقاع للتمايز واللامساواة داخل البلد الواحد وعدم التوزيع العادل للثروة.
· ظهور الأطروحة القومية كأطروحة نخبوية وليس كأطروحة شعبية، بمعنى أن التفاعل في الأطروحة القومية ولد ونشأ وترعرع في مستويات ثقافية وسياسية عليا لم يكن للتشكيلات الاجتماعية شأن بها، وإن تفاعلت معها في بعض الأحايين.
· تحول الأطروحة القومية إلى مادة للسخرية والحقد والانتقام لدى كافة التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية جزئيا أو كليا، في الداخل القطري والخارج الإقليمي.
· تفكيك الجغرافيا والديمغرافيا القطرية إلى جزر طائفية ومذهبية وعرقية متصارعة إلى حد التناحر.
لا شك أن مثل هذه الزراعات الأيديولوجية خلفت نبَتا مشوها ومدمرا في كثير من البلدان العربية، وأنتجت جزء من أمة عربية عنصرية وصريحة في عدائها للأطروحة القومية، وجزء آخرا مناصرا لها ولكنه في واقع الأمر لا يشعر بها ولا يدري ما هي استحقاقاتها والأهم من كل ذلك أنه فاقد لأي نمط حضاري في معايشتها كونه ولد وعاش ونشأ في بيئة قطرية منغلقة على الأقل وذات حدود ضيقة.
فالفرد العربي في أية دولة عربية يعتبر عمله، مثلا، في دولة أخرى غربة قاسية اضطر إلى تحمل مشاقها بسبب الحاجة الاقتصادية، وفي واقع الأمر نحن بصدد فرد لا يطيق مجرد الانتقال للعمل في بلد مجاور أو حتى في مدينة تبعد عن مسقط رأسه مسافة مائة كم، فهل من الممكن أن يصدق المرء أن ذات الفرد قادر على بناء وطن عربي كبير، ناهيك عن العيش فيه، فيما هو عاجز عن مبارحة مقر سكنه؟! ولو قسنا المسألة في دول ذات مساحات شاسعة كتلك التي لم تشهد تقسيما استعماريا مثل الهند أو الصين أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة لوجدنا أن أبناءها لا يتذمرون من الانتقال للعمل أو حتى العيش في أنحاء مختلفة من الوطن، بل أننا نجد موظفين يعملون في مناطق داخل بلدانهم تبعد مسافة ساعتين أو ثلاثة عن مقر سكناهم، وبعضهم ذو نزعة قارية في اختياره لمقر العمل أو الإقامة حيث تجده يعمل في قارة ويقيم في أخرى ويقضي إجازته في ثالثة وهكذا. فكيف يمكن الترويج لأطروحة قومية تتوسط بقاع الأرض وتمتد على مساحة تقدر بنحو 14مليون كيلومتر مربع وسط مئات الملايين من السكان؟ في حين لا يشعر الفرد العربي ولا يستسيغ القول بأن الفرق في الوطن الأميركي بين نيويورك ولوس أنجلوس لا يختلف كثيرا عن الفرق في الوطن العربي بين صنعاء ودمشق لولا أن للضرورة أحكام؟
أما على المستوى التنظيمي للجماعات العلمانية فلو أخذنا التجربة الفلسطينية الأغنى عربيا لوجدنا أن المقاتلين الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية فضلوا التمثل والتميز برموز الكفاح الأممي مثل الجنرال الفيتنامي جياب وجيفارا وماوتسي تونغ وكاسترو وماركس ولينين على رموزهم الوطنية والإسلامية مثل جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وموسى بن نصير وقتيبة بن مسلم وصلاح الدين وخالد بن الوليد ومصعب بن عمير وحمزة ونور الدين زنكي وغيرهم، بل وأكثر من ذلك إذا عرفنا مثلا، وحتى هذه اللحظة، أنهم ليسوا بقادرين على تقبل الأطروحة الإسلامية كرصيد معرفي هائل يمكن أن يساهم على الأقل إن لم يوجه الكفاح ضد إسرائيل العلمانية والتي قامت ودافعت عن نفسها حتى اللحظة بمصطلحات توراتية. ولما يتعرضون لنقاشات مثلا عن قضيتهم مع أفراد إسلاميين ينتمون إلى حماس أو الجهاد أو أية جهة إسلامية أخرى (فردا أو جماعة)، حتى لو كانت غير منتمية، تجدهم في قمة الشعور بالاستفزاز بحيث يجيبون بعصبية تصل إلى حد الإهانة والسخرية وبما يشبه التنكر والإنكار: أين كان هؤلاء لما كنا نواجه إسرائيل وحدنا؟ ولماذا قاتلوا بأفغانستان؟ أليست فلسطين أقرب لهم؟ ولعلهم محقين فيما يعتقدون بما أن الأيديولوجيا القطرية التي يحملونها تعودت أن تتسع لأيديولوجيا صديقة قادمة من الصين أو موسكو أو فيتنام أو حتى الولايات المتحدة وتفاخر بها وتدافع عنها وتستميت في سبيلها ولكنها لا تتسع لشريك في الكفاح حتى لو كان من آل البيت، وأسوأ من ذلك أن البنية الذهنية والإدراكية والمعرفية والتصورية لهم لا يبدو، مهما حاولت من جهد، أن تستجيب في تطلعاتها وطموحاتها، في أحسن الأحوال، لأكثر من محيطها التنظيمي المنغلق[16]، فكيف ستستجيب لمحيط عربي أو إسلامي ناهيك عن العقيدة والدين وما يتطلبانه من عبور نحو العالم. ويستحضرنا في هذا السياق امتناع الدول الصديقة الكبرى عن الاقتراب من المواقف الفلسطينية والعربية ومناصرة قضاياهم لخشيتها من تقلب مواقفها وعدم اتضاح خياراتها وتقوقعها وانحسار طموحاتها في الدولة أو التنظيم أو القبيلة أو السلطة أو الامتياز وكأنها غنيمة العمر، فعلامَ تراهن دولة مثل الصين مثلا أخطأ أحد مسؤوليها في يوم ما عندما صرح بأن بلاده لن تعترف بإسرائيل حتى لو اعترف بها العالم أجمع!؟
ولو عاينا الأطروحة الإسلامية بين شريحة من ذوي النزعة الجهادية العالمية فهل سيبدو الأمر مختلفا ومثيرا للانتباه؟ لنتابع القبس التالي:
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.95 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]