عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 31-12-2011, 11:30 AM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي د/اكرم حجازي

ثانيا: جاذبية الخطاب السلفي الجهادي
لعله من المثير القول أن التحدي الذي تواجهه القوى العالمية في حربها على التيار الجهادي العالمي أو ما يسمى بمكافحة الإرهاب، وإن اختلفت الحسابات، هو ذات التحدي الذي تتعرض له الجماعات الإسلامية الكبرى خاصة وأن الخطاب السلفي الجهادي العابر للحدود، بوصفه "دعوة وغزوة"، يتوجه إلى العامة والأفراد من الناس مخاطبا فطرتهم حتى لو كانت لغته نخبوية باستعمالها لغة العلم الشرعي مما يجعل من خطابها ذو جاذبية تحسد عليها كلما بدا أنها تقترب من نبض أمة تشعر أن سلطانها مغتصب ومجدها وعقيدتها في مهب الريح، بخلاف الجماعات الأخرى التي توجه خطابها في غالب الأحوال لأفراد الجماعة بلغة سياسية أو أيديولوجية أو حتى أمنية قلّما يمكن الدفاع عنها شرعيا. كما أن السلفية كفكرة ليست تنظيما، فأي نصير للسلفية يمكنه أن يشارك في الحوار بحيث يثني ويمتثل مثلما يناصح وينتقد ويجاهر بخلافه مع رموزها الكبار دون أن ينتظر تهميشا أو نبذا أو تجميدا لعضوية أو تهديدا بقطع الراتب أو فقدان لضمانات الرعاية والصحة والتعليم والتشغيل وغيرها مما يُكَبَّل به الأعضاء عادة. فالعقيدة هي الحَكَم بين الأنصار والرموز وأهل الجهاد وليس التنظيم وما يقدمه من امتيازات. لكن مشكلة بعض الجماعات الإسلامية التي نخرتها الحزبية والعصبية التنظيمية إلى حد أنها تتعامل مع السلفية، باستخفاف ظاهري تارة وباستعلاء تارة أخرى، تبدو وكأنها تخوض معها صراعا على امتياز ما في حملة انتخابات نقابية بالكاد بدأت فعالياتها، في حين أن الكتلة السلفية برمتها لم يعد لها من امتياز حتى في الحياة الآمنة[1] وهذا ما يساهم في تعزيز مصداقية خطابها.
وفي السياق ذاته من الجاذبية يتجلى الخطاب السلفي على مرأى المُشاهِد ومسمعه كونه خطاب ذو طابع هجومي وهو يضع الجماعات الإسلامية كافة تحت مجهر الشريعة والتاريخ الإسلامي الحافل بالفتوحات والغزوات مما يجعلها في موقع الدفاع، فما لم يدركه الكثير أن التحصن في العلم الشرعي والتوسع في دراسة الفرق الإسلامية والملل والنحل والأديان والجماعات وغيرها مكّن السلفية من الوقوف على (1) مناهج و (2) عقائد هذه الجماعات وغيرها، وبالتالي أصبح بمقدوره تحديد الموقف الشرعي منها، وكشف حقيقة توجهاتها وصولا إلى إحراجها وحتى إدانتها إن لزم الأمر. وفي حين خلت أدبيات الجماعات الأخرى، مثلا، من مفردات الإرجاء والإرجاف والتخذيل والرِّدَّة والحاكمية والطاغوت والنصرة وجهاد الدفع والطلب وغيرها نرى الأطروحة السلفية، على العكس تماما، تعجّ بها وتستعملها كدليل شرعي لفضح ما تسميه "علماء السوء" و "تجار الدين" و "العصبية التنظيمية"، وساعية، بلا هوادة، لكشف عورات الجماعات الأخرى والطعن في مناهجها وعقائدها. إذ أن مثل هذه المفردات ليست مستوردة من السياسة والأيديولوجيا ووسائل الإعلام ولا من العقائد والفلسفات الوضعية ومناهجها، وعلى العكس من ذلك فهي جزء أصيل في الفكر الإسلامي والعقيدة، لكنها أُخفيت وغُيِّبَت عن مناهج التربية الدينية عند الجماعات الأخرى، فما كان من السلفية إلا أنْ أحيتها واستعملتها كسلاح في وجه القوى الإسلامية، أفرادا وجماعات ومؤسسات، لتعريتها وكشف حقيقة دعاواها وأطروحاتها تجاه الكثير من المسائل العقدية الغائبة عن أدبياتها، ولعل في هذا ما يفسر جانبا من شدة العداء والكراهية للسلفية الجهادية من قِبَل أقرانها.
والأرجح أن جاذبية الخطاب السلفي لا يمكن تفسيرها، أيضا، بمعزل عن الأداء المسلح للتيار الجهادي العالمي سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو الشيشان أو أفغانستان والعراق وغيرها من المناطق الساخنة، وهو ما يشكل علامات فارقة في مخرجات الخطاب الديني إذا ما قورن بمثيله الرسمي. فالخطاب السلفي يقدم نفسه، إعلاميا، ليس على المنابر ولا عبر البيانات أو الانشغال بالخطب الرنانة والاجتهادات الفقهية المستعصية على التطبيق، بل في الميادين العسكرية وعبر شعار: "الجواب ما ترى لا ما تسمع": (1) في صورة مقاتلين "أولي بأس شديد"، وهم يحطمون الآليات العسكرية الضخمة ويطايرون الأشلاء ويقطعون الأوصال ويدمرون الأبراج ويسقطون الطائرات ويقنصون الجنود ويخترقون الحصون والساحات، و (2) في مشهد "الفئة القليلة" من الأفراد ممن يتحصنون بالعقيدة وبإمكانيات بدائية لم تصل حتى إلى عُشر ما امتلكته المنظمات الفدائية عدة وعتادا، و (3) في صورة فترة زمنية قصيرة، تشعر السلفية الجهادية فيها أنها في وضع من "التمكين" والقدرة بما يكفي لنقل المعركة من الساحة الإسلامية إلى ساحة الخصم عبر شعار "اليوم نغزوهم ولا يغزوننا" وترجمته في صورة الهجوم على الولايات المتحدة في عقر دارها وهدم رموز القوة فيها واستباحة ديار من المفترض أنها آمنة وبعيدة عن التهديد والخطر كما هو حال الدول الأوروبية، بينما الخطاب السياسي العربي ورديفه الديني بكل ما يمتلكه من إمكانيات وعناصر للقوة بدا على امتداد عقود من الزمن أميل إلى المهادنة من التفكير بخوض أية مواجهة حقيقية كانت ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهذا ما تسبب بانهيار مصداقية الخطاب الرسمي ذو اللغة الأمنية والإعلامية الاستفزازية أصلا في تعامله مع الظاهرة، وهي لغة تم فرضها حتى على لغة المراجعات لبعض الجماعات الإسلامية والمشايخ مما ساهم في
جعْل الخطاب السلفي الجهادي ذو جاذبية تستعصي على الكسر خاصة وهو يستفيد من سقم لغة الخصوم*.
ثالثا: مرحلة اللاعودة
ومع جاذبية الخطاب السلفي لدى العامة، فضلا عن الأنصار، يكون المشروع الجهادي، على المستوى الإسلامي في العالم، منهجا وعقيدة، قد تجاوز مرحلة الاندثار ونقطة اللاعودة، فالمسألة جد حاسمة فيما لو اطلعنا على خطابات قادة القاعدة في أفغانستان والعراق وتصريحات الأمريكيين والمراقبين. فمن جهة، وبدلا من أن نلحظ تراجعا، صرنا نرقب ولادة إمارات إسلامية وجبهات مفتوحة في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وما يشبه الطارئة كما في لبنان، وصرنا نقع على تصريحات قوية من نوع ما أتى به الظواهري: "القاعدة قصمت ظهر الأمريكان في العراق"[2]، أو ما ورد في خطاب بن لادن لأهل العراق وهو يبشر بأنه: "سيعاد رسم خريطة المنطقة بأيدي المجاهدين بإذن الله وتمحى الحدود المصطنعة بأيدي الصليبيين لتقوم دولة الحق والعدل، دولة الإسلام الكبرى من المحيط إلى المحيط"[3].وفيرسالته: "السبيل لإحباط المؤامراتجدد بن لادن قَسَمَه الشهير فيما يتعلق بفلسطين: "والله لننصرنكم ولو حبوا على الركب أو لنذوقن ما ذاقه حمزة بن عبد المطلب"[4]، وفي أول تسجيل مصور لأبي مصعب الزرقاوي كانت أهم الجمل التي قالها وتكرر ترديدها على لسان أبو عمر البغدادي وألسنة قادة القاعدة فيما بعد: "إننا نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس"[5]، لكن أكثرها تميزا ووضوحا في التصميم على عدم التراجع تلك التي صرح بها أبو حمزة المهاجر معقبا على دور الحزب الإسلامي في العراق والإخوان المسلمين: "... لا نريد منكم شيء، فقط دعونا والعدو فإن انتصرنا عليه فهو عزّ الدنيا والآخرة لنا ولكم، وإن قضي علينا فهي شهادةٌ لنا وتكونوا قد استرحتم منا ولن تلقوا الله بدمائنا"[6].
هذه تصريحات القوم، ولا نحسب أنها دعائية خاصة وأنها لا تتناقض البتة مع تصريحات الخصوم سواء كانوا غربيين أو محليين، فالإشكال واقع لا محالة مع تيار أصبح التعايش معه، قسريا، في حكم المؤكد إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تصريحا قويا للملك السعودي وهو يشير إلى أن: "محاربة الإرهاب ستمتد من عشرين إلى ثلاثين سنة"[7] .
زد على ذلك، فثمة منطق آخر للاعودة هو منطق السياسة، ففي أفغاستان رفضت طالبان وقيادتها أية مساومات على تسليم أسامة بن لادن إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفضلت الدخول في حرب لا شك أن التيار الجهادي العالمي خسر فيها خسائر فادحة على كل صعيد، وفي لبنان سواء خاضت فتح الإسلام معركة مخيم نهر البارد أو أجبرت عليها إلا أنها لم تستسلم قط لأية مطالب للسلطة، وما لحق بالمخيم من دمار يشبه الأساطير، وكذا الأمر حصل في مخيم جنين وفلوجة العراق والعاصمة الشيشانية غروزني وغيرها من المناطق الساخنة. ولا نبالغ إذا قرأنا هذه الحروب وقلنا أنها رسائل قاطعة تفيد بأن عصر التراجع والانسحابات والمساومات والوساطات في المعارك قد انتهى مع السلفية الجهادية إلى غير رجعة.
وفي هذا السياق لا بد من طرح التساؤل: هل تهميش السلفية الجهادية وتياراتها المسلحة إعلاميا وتجاهلها أو إنكار وجودها أو الزعم بقرب اندثارها يصنف ضمن خطاب الحرب عليها؟ أم ضمن خطاب الكراهية والعداء؟ أم ضمن خطاب الحذر منها باعتبارها تهمة لمن يحسب نفسه على التيارات الوسطية؟ وأخيرا؛ هل سيؤدي هذا التصنيف إلى نتائج ملموسة كالحد من جاذبية الأطروحة السلفية مثلا ووقف اندفاع التيار الجهادي العالمي؟ سؤال للبحث.
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.99 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.63%)]