رد: سَبُّ الدَّهْرِ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُطْلَقًا
قلت:
الوقفة الرابعة:
ماهو حكم من يلوم الزمن ولكن ليس لذات الزمن او للمتصرف فيه وهو الله تعالى، وإنما يلوم افعاله هو كعبد ويعتقد انه كان قادر ان يختار افعال غير هذه الأفعال كونه عبد مخير محاسب على افعاله، فيقول مثلا كان الأمس كئيب او تعيس، ولايقصد ان الزمن هو التعيس ولا ان الله تعالى اجرى افعال تعيسة ابدا، وإنما يقصد بكلامه انه هو كعبد قام بمجموعة من السلوكيات في الأمس ختمت له بيوم كان تعيسا بكل المقايس، ولو احسن الاختيار وضبط سلوكياته بشكل قويم كان بإمكانه الحصول على يوم أفضل، وإنما يصف اليوم الذي مر بأنه يوم تعيس كمن يصف اليوم ويقول كان يوما حارا او مشمسا أو أيام نحسات أويوم عصيب ونحوها...وهذا الكلام يقوله من قاله منتقدا نفسه ليحسن من غده.
أقول: أيعتقد أنه كان قادرا على أن يختار غير هذه الأفعال؟ فلا شك في أن الله تعالى قد خلق كل شيء فقدره تقديرا. ولا شك أيضا في أنه تعالى لا يجبرنا على الإيمان ولا على الكفر.ثم إننا لا نستطيع أن نفعل غيرَ ما قدره تعالى، وإنما نقدر على ما يُقدِرنا عليه، وأما فعْل ما لم يُقدرنا عليه فإننا لنعجز عنه كلَّ العجز.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا(صحيح مسلم)
فهذا الحديث نصٌّ على أن قول (يا خيبة الدهر) هو سب للدهر، وهو يدل على أنه سبٌّ في نفسه لأن الله تعالى إنما علّق الإيذاء على نفس القول لا غيره. ثم أيُّ فرق عندك بين (يا خيبة الدهر) وبين (تبّا للدهر) أو (تعسًا للدهر)؟
قلت: أمثال هؤلاء لايمكن ان نقول لهم انكم أسأتم أو خرجتم عن الملا او نتهمهم بالكفر او اي شيء من هذا القبيل، وأقصى مايكن توجيهه لهم نصيحة رقيقة بحسن اختيار الألفاظ عند الكلام لان الكلام بهذا الأسلوب، قد تحوم حوله الشبهات ويفهم بشكل خاطئ، وتكلم بهذه المعاني ايضا العديد من العلماء انقل منهم كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
أقول: هذه – للأسف – دعوى مجردة مخالفة لدين الإسلام.
قلت: سئل الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عن حكم سب الدهر :
فأجاب قائلا:
سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام .القسم الأول : أن يقصد الخبر المحض دون اللوم: فهذا جائز مثل أن يقول " تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده " وما أشبه ذلك لأن الأعمال بالنيات واللفظ صالح لمجرد الخبر.
القسم الثاني : أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل كأن يقصد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلِّب الأمور إلى الخير أو الشر : فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا حيث نسب الحوادث إلى غير الله .
القسم الثالث : أن يسب الدهر ويعتقد أن الفاعل هو الله ولكن يسبه لأجل هذه الأمور المكروهة: فهذا محرم لأنه مناف للصبر الواجب وليس بكفر؛ لأنه ما سب الله مباشرة، ولو سب الله مباشرة لكان كافراً . ابن عثيمين "فتاوى العقيدة " (1 / 197).
أقول: قال ابن عثيمين أن سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ثم يقول أن القسم الأول من أقسام سب الدهر هو ما يقصد به الخبر المحض. وليس قول (تعبنا من شدة حرارة هذا اليوم أو برده) بكفر، ولكن الكفر أن يجعله قسما من أقسام سب الدهر ثم يقول أنه غير مكفر.فالقول نفسه غير مكفر، ولكن ادعاء أن من يسب الدهر فقد لا يكفر فهو من الكفر الأكبر والعياذ بالله. وأما التفرقة بين من (يسب الله تعالى مباشرة) وبين من (يسب الله ولكنه لم يسبه مباشرة) فلا دليل عليها.
قلت: والخلاصة لا بد من التفريق بين:
1- وصف الدهر على ما يجري فيه من أحداث فيوصف بها كقوله تعالى :"هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ " وقوله تعالى: " فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ " وقوله تعالى : " فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ"، وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : "سنوات خداعات"
2- وبين سب الدهر باعتبار إضافة ما يجري من الأحداث له على أنها الفاعلة كقوله تعالى : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَايُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، أو إعتراضا على الفاعل الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى.
أقول: قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) (هود)
ولكنك تقول أن (هذا يوم عصيب) هو قول الله تعالى، ولم تقل أنه قول لوط عليه السلام. فهل ترى أنه يمكن أن تنسب الأقوال التي حكاها الله تعالى في كتابه عن غيره إليه سبحانه وتعالى؟ والقرآن هو كلام الله تعالى، ولكنه يجب أن نفرق بين ما قاله هو سبحانه وتعالى، وبين ما قاله غيره ولكن الله تعالى أخبرنا به.وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) (لقمان)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (صحيح البخاري)
فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وإنما قال أنه قول لقمان. ومن قال أن (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ)هو قول الله تعالى، لا ما حكاه تعالى عن غيره، فقد أبطل وحدانيته، إذْ قال أن الله تعالى خاطب مخلوقا بأنه ابنه. وأما من قال أن الله تعالى حكاه عن لقمان فهذا نص القرآن.
فإن أشكل هذا الأمر عليك بعض الإشكال فلعله يتّضح لك بعد أن تعيد قراءة هذه الفقرات. ثم لو أنك حكيت قول من ينكر وجود الله – والعياذ به تعالى – فقلتَ (قال فلان: لم يخلق العالم أحد) ثم قال لك غيرك (لقد قلتَ أنت أنه لم يخلق العالم أحد)، فهل هو محق أم مبطل؟ فإن قلت أنه محق – ولن تقوله إن شاء الله – فقد سوّغت له أن يقوّلك ما لم تقُلْ، فإن هناك فرقا عظيما بين أن تحكي قول من ينكر وجود الله بأن تقول (قال فلان)، وبين أن تقول أنت (لم يخلق العالم أحد) والعياذ بالله. وإن قلت أنه مبطل فلقد أقررت بأن من حكى قولا بأن يقول (قال فلان) فأن هذا القول المحكيّ يُنسب إلى الذي تكلم به دون غيره.
وأما رواية (سنوات خداعات) – إن صحت – فلا حجة فيها لمن يعذر من يسب الدهر، وإنما تدل على أن وصف السنوات بأنها خداعات ليس سبا للدهر في نفسه. وقد قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) (النساء)
ولا يستلزم الخداع الكذب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والآن سأجيب عما قلته إن شاء الله يا أبا الشيماء.
قلت:أخي الكريم...الموحد
أعلم علم اليقين أن ردك واستدلالاتك هذفها وقطب رحاها هو التوحيد
واعلم اني لا أخالفك فيما ذكرت لأنه ما تفضلت به وفصلته ليس هو جوهر حوارنا.
أقول: كل ما كتبتُه فإنما كان جوابا عما قلته أنت، من إدخال من يشرك بالله شركا أكبر في دين الإسلام، وغيره.
قلت: فنحن إن شاء الله تعالى نناقش مسألة العذر بالجهل وقد فسرت مرادي مستدلا بما حدث في عهد الرسول الكريم.
لكن لما قرأت مقالك وأعدت قرائته ، علمت سبب خلافنا
أقول وبالله التوفيق.
أقول: لم تجب عن أكثر ما قلته، ولم تتراجع عما قلته سابقا اتّباعا للدليل، ولم تأتِ بما هو أصح منه.
قلت: العذر بالجهل.
المتأخرون يعذرون بالجهل في مسائل التوحيد مطلقا ، ولافرق عندهم بين المسائل الظاهرة والخفية ، ولابين الجاهل القادر على التعلم والجاهل العاجز عنه ، ولابين الجاهل العاجز عن التعلم وهو راغب فيه ، و العاجز عن التعلم المعرض عنه
أقول: ومن هؤلاء المتأخرون الذين تعنيهم، أمسلمون هم أم كفار؟ وأنا أسألك هذا السؤال، مع أنك قد صرحت في آخر مشاركتك بأن هؤلاء المتأخرين مسلمون عندك، لأنك تقول أنك تستدل بهم. ولكني أسألك عنهم حتى تتبين الأمور بإذن الله.
فإن قلت أنهم مسلمون فلقد قلت أن من يعذر كل من يخالف التوحيد فهو مسلم موحد، فليس للدخول في الإسلام – على هذا القول – حدٌّ أدنى، فيدخل – على هذا القول – كل من ينطق بالشهادتين في الإسلام وإن لم يفهم من معناها من شيء.ومن قال هذا أو شك في كفره فلم يؤمن بصحة دعوة الأنبياء عليهم السلام. وإن كان هؤلاء المتأخرين كفارا فماذا نستفيد مِن ذكْرهم في هذا الموضع؟
قلت: وأما المتقدّمون فالمسائل المكفرة التي تتعلّق بأفعال المكلفين عندهم نوعان
النوع الأول : مسائل ظاهرة ، كالشرك الأكبر بجميع أنواعه ومن أظهرها دعاء غير الله ومثله سب الله تعالى أو الإستهزاء بدينه ، والمسائل المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الحمس والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش كالزنا والخمر .
فمن وقع في شئ من هذه الأمور فإنه عندهم كافر بعينه كفرا أكبر ويحكم عليه بناء على ظاهر حاله وهو الكفر .
ولايعذرون أحدا وقع في شئ من هذه المكفرات بالجهل إلا في ثلاث حالات
الحالة الأولى : من نشأ في بادية بعيدة عن دار الإسلام .
الحالة الثانية : من نشأ في دار كفر لاتبلغ الدعوة مثله فيها .
الحالة الثالثة : من كان حديث عهد بالإسلام-
وهذه الحالة الأخيرة أنت تخالفني فيها.
أقول: من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام – ولم تقم عليه الحجة – وكان مسلما موحدا فلا يكفر بأن يجهل وجوب الصلوات الخمس مثلا، لأن الخبر بها لم يبلغه، وهو يوحد الله ولا يشرك به شيئا. وكذلك إذا نشأ في دار الكفر إن لم يبلغه الخبر بها... مع أن الحجة في وجوب الصلوات الخمس قد قامت على الأروبيين والأمريكان وغيرهم اليوم، فلو أن أحدا منهم نطق بالشهادتين ولكنه شك في وجوبها لكان كافرا لإعراضه عن دين الله تعالى، فإنه لولا إعراضه عنه لعلم بوجوبها.
وأما قولك أني أخالفك فيمن كان حديث عهد بالإسلام فوقع في شيء من هذه المكفرات فإني لا أقول بكفر من كان حديث عهد به وجهل وجوب الصلوات الخمس مثلا إذا كان ممن لم يقم عليه الحجة. فإنه إن لم يسمع قط بشيء من الأخبار الدالة على وجوب الصلاة وكان مسلما موحدا فإنه لم يكفر بهذه الأخبار الدالة عليه، وأيضا فإنه لم يرتكب كفر الإعراض عن دين الله. ولكن هذا لا يكاد يقع اليوم إن شاء الله، لأن من سمع بالتوحيد فقد سمع بالصلوات الخمس وتحريم الخمر والخنزير إلخ. وأما من عبد غير الله فإنه لم يدخل في الإسلام بعد، ولقد ذكرت لك الأدلة على هذا ثم أصررت – والله المستعان – على ما أنت عليه.
|