عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-11-2011, 11:20 AM
أبو موسى الموحد أبو موسى الموحد غير متصل
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
مكان الإقامة: أرض الله الواسعة
الجنس :
المشاركات: 20
افتراضي رد: سَبُّ الدَّهْرِ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُطْلَقًا

قلت: الصارم المسلول على شاتم الرسول

-
صلى الله عليه وسلم-
لشيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية


و يظهر الحكم في المسألة بأن يرتب هذا السب ثلاث مراتب :
المرتبة الأولى : أن من شأن الرب بما يتدين به ليس فيه سب لدين الإسلام إلا أنه سب عند الله تعالى مثل قول النصارى في عيسى و نحو ذلك فقد قال تعالى فيما يرويه عنه رسوله : [ شتمني ابن آدم و ما ينبغي له ذلك ] ثم قال : [ أو ما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا الأحد الصمد الذي لم ألد و لم أولد ] فهذا القسم حكمه حكم سائر أنواع الكفر سميت شتما أو لم تسم و قد ذكرنا الخلاف في انتقاض العهد مثل هذا و إذا قيل بانتقاض العهد به فسقوط القتل عنه بالإسلام متوجه و هو في الجملة قول الجمهور


أقول: نقلُك لكلامه هذا هو حجة على نفسك، لما فيه من الدليل على أن المرء إذا تكلم بما هو سبٌّ لله تعالى فإنه قد سبه، وإن لم يشعر بذلك، وسترى ذلك لاحقا إن شاء الله. وبالجملة فقد ذكر ابن تيمية في هذا الموضع دليلا على أن السب يكون سبا وإن لم يشعر الساب بذلك، وهو إخبار الله تعالى بأن من قال أن له ولدا فقد شتمه. والشتم هو السب. فمن قال أن له ولدا فقد سبه، وإن لم يشعر بذلك. وساب الدهر – أيضا – يسب الله تعالى، بدليل أن الله تعالى قد قال أن ابن آدم يؤذيه، فهو سابّ لله تعالى وإن لم يشعر بذلك.


قلتَ ناقلا عن ابن تيمية:السب الذي ذكرنا حكمه من المسلم هو : الكلام الذي يقصد به الانتقاص و الاستخفاف و هو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كالعن و التقبيح و نحوه و هو الذي دل عليه قوله تعالى : { و لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسيبوا الله عدوا بغير علم } [ الأنعام : 108 ]


أقول: هل تظن أن تعريف ابن تيمية للسب بأنه (الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوه)دليلا شرعيا على عذر من يسب الدهر بشرط أن لا يقصد به انتقاص الله – تعالى الله علوا كبيرا – ولا الاستخفاف به؟ فإن قلتَ أنه ليس دليلا شرعيا فلتعلم أن تعريفه صحيح إذا كان تعميما وبيانا لحكم أغلب الحالات، لا كلها، أي: بيانا لحكم أغلب الحالات، مع وجود بعض الاستنثاءات التي لا تدخل فيه.ومن أقوى الأدلة على أنه ليس تعريفا شاملا لجميع الأحوال، ثم على أن ابن تيمية لم يُرِد أن يجعله تعريفا لها كلها، وإن أراد أن يجعله تعريفا لأغلبها، أنه قد ذكّرنا بأن من قال أن لله تعالى ولدا فقد شتمه.


فإذا أمعنت النظر في تعريفه للسب بأنه (الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوه) لوجدت أن قول النصارى – وغيرهم ممن ادعى أن لله ولدا – ليس كلاما يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وإن كان في الحقيقة كذلك.وإنما يقصدون به التعظيم والإجلال، لاعتقادهم بأن لله ولدا مكرما، وإن لم يصيبوا من التعظيم والإجلال شيئا قليلا. وبأنهم يقولون أن أحلامهم – أي عقولهم – تأمرهم بهذا، فلا يعقلون أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا. والحمد لله على نعمة الإسلام.

ثم قلت ناقلا لما تحسبه قول ابن تيمية:
فإن سب موصوفا بوصف أو مسمى باسم و ذلك يقع على الله سبحانه أو بعض رسله خصوصا أو عموما لكن قد ظهر أنه لم يقصد ذلك : إما لاعتقاده أن الوصف أو الاسم لا يقع عليه أو لأنه و إن كان يعتقد وقوعه عليه لكن ظهر أنه لم يرده لكون الاسم في الغالب لا يقصد به ذلك بل غيره فهذا القول و شبهه حرام في الجملة يستتاب صاحبه منه إن لم يعلم أنه حرام و يعزر مع العلم تعزيزا بليغا لكن لا يكفر بذلك و لا يقتل إن كان يخاف عليه الكفر


مثال الأول : أن يسب الدهر الذي فرق بينه و بين الأحبة أو الزمان الذي أحوجه إلى الناس أو الوقت الذي أبلاه بمعاشرة من ينكد عليه و نحو ذلك مما يكثر الناس قوله نظما و نثرا فإنه إنما يقصد أن يسب من يفعل ذلك به ثم إنه يعتقد أو يقول إن فاعل ذلك هو الدهر الذي هو الزمان فيسبه و فاعل ذلك إنما هو الله سبحانه فيقع السب عليه من حيث لم يعتمده المرء و إلى هذا أشار النبي صلى الله عليه و سلم بقوله : [ لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر بيده الأمر ]
و قوله فيما يروبه عن ربه تبارك و تعالى يقول : [ يا ابن آدم تسب الدهر و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل و النهار ]فقد نهى رسول الله عليه الصلاة و السلام عن هذا القول و حرمه و لم يذكر كفرا و لا قتلا و القول المحرم يقتضي التعزيز و التنكيل




أقول: ليس هذا بحق، بل هو كفر، وإني لأحذرك من أن تظلم ابن تيمية من بعد أن قبضه الله تعالى، وإن لم تشعر به. ولقد بينتُ - ولله الحمد كله - أن ساب الدهر كافر لأن من يؤذي الله تعالى كافر، فهل عندك دليل على أن من يؤذي الله تعالى فقد يكون مسلما مع أنه يؤذي ربه؟؟ ثم ليس بصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر كفرا لما قال (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر بيده الأمر)، فإنه قد ذكر الكفر - ذكرًا معنويا لا لفظيا - في هذا الحديث.


فلقد قال لهم فيه أنهم إذا سبوا الدهر فقد سبوا الله. ثم إنه ليثبت – بأدلة أخرى – أن من سب الله تعالى فهو كافر، ولقد أوردت واحدا منها – على الأقل – في معرض الكلام عن حكم ساب الدهر. ولقد نقلت لك – ولغيرك – قول ابن القيم في أن ساب الدهر ليس بمسلم، سواء اعتقد أن الدهر شريك لله تعالى، أم لم يعتقده.


قلتَ ناقلا عن ابن تيمية: و مثال الثاني : أن يسب مسمى بلاسم عام يندرج فيه الأنبياء و غيرهم لكن يظهر أنه لم يقصد الأنبياء من ذلك العام مثل ما نقل الكرماني قال : سألت أحمد قلت :رجل افترى على رجل فقال : يا ابن كذا و كذا إلى آدم و حواء فعظم ذلك جدا و قال : نسأل الله العافية لقد أتى هذا عظيما و سئل عن الحد فيه فقال : لم يبلغني في هذا شيء و ذهب إلى حد واحد و ذكر هذا أبو بكر عبد العزيز أيضا فلم يجعل أحمد رضي الله عنه بهذا القول كافرا مع أن هذا اللفظ يدخل فيه نوح و إدريس و شئت و غيرهم من النبيين لأن الرجل لم يدخل آدم و حواء في عمومه و إنما جعلها غاية و حدا لمن قذفه و إلا لو كان من المقذوفين تعين قتله بلا ريب و مثل هذا العموم في مثل هذا الحال لا يكاد يقصد به صاحبه من يدخل فيه من الأنبياء فعظم الإمام أحمد ذلك لأن أحسن أحواله أن يكون قد قذف خلقا من المؤمنين و لم يوجب إلا حدا و حدا لأن الحد هنا ثبت للحي ابتداء على أصله و هو واحد و هذا قول أكثر المالكية في مثل ذلك


أقول: وهل تفهم كلامه المنقول وعذْرَ من تكلم بهذا الكلام، أم تقلده فلا تفهم لماذا قد يُعذر من يتكلم به؟ فالمتكلم به قد يكون معذورا بسبب وجود مانعين اثنين من التكفير.


أولهما يرجع إلى معنى حرف (إلى).


قال الجوهري في آخر الصحاح: (إلى) : حرفٌ خافضٌ، وهو مُنْتَهَى لابتداء الغاية، تقول: خرجت من الكوفة إلى مكة، وجائزٌ أن تكون دخْلتَها [أي: مكة]وجائزٌ أن تكون بَلغْتَها ولم تدخلْه؛لأنَّ النهاية تشتمل أوّلَ الحدّ وآخره اهـ


ومن قال (يا ابن كذا وكذا إلى آدم وحواء) فإنه يكفر بأن يُدخِل آدم عليه السلام وحواء في جملة المشتومين. وأما إذا أراد أن يجعلهما غايةً وأن لا يدخلهما في جملتهم فإنه لا يُعد شاتما لهما.


والمانع الثاني يرجع إلى عدم تصوره التام للشتيمة التي نطق بها.


فإذا قال (يا ابن كذا وكذا إلى آدم وحواء) فإنه لا يفكر في أن نوحا عليه السلام وغيره من النبيين عليهم السلام هم من أبنائهما. ولا شك في أنه قد علم أنهم من أبنائهما إذ القرآن مشحون بذكرهم...ولكنه لا يفكر في هذا عندما يتكلم به. وأما إذا تصور أنها تؤدي إلى شتم نوح عليه السلام وغيره من النبيين فهو كافر والعياذ بالله.


قلت لما تظنه كلامه ولم تتبين لك خطورته بعد: و قال سحنون و أصبغ و غيرهما في رجل قال له غريمة: صلى الله على النبي محمد فقال له الطالب: لا صلى الله على من صلى عليه قال سحنون : ليس هو كمن شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه إذا كان على ما وصف من الغضب لأنه إنما شتم الناس و قال أصبغ و غيره : لا يقتل إنما شتم الناس


أقول: الصواب (غريمه) بالهاء، وهكذا أجده في الصارم المسلول عندي، لا (غريمة) بالتاء المربوطة. والغريم هو الذي عليه دَين.


ويحتمل قوله (لا صلى الله على من صلى عليه) معنيين. فالمعنى الأول هو (لا صلى الله على من صلى – أي اللهُ تعالى – عليه). فإذا قصده فقد كفر لأنه سأل الله تعالى أن لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا شقاقٌ له ظاهرٌ. والرجاء أنه لم يقصد هذا المعنى.


والمعنى الثاني هو: لا صلى الله على من صلى عليه، أي لا صلى الله على من صلى على النبي، صلى الله عليه وسلم. فإذا كان غضبان فإنه قد لا يخطر بباله إلا أن هذا الرجل الذي يراه أمامه صلى على النبي، صلى الله عليه وسلم، فيسأل الله تعالى أن لا يصلي على هذا الرجل عقوبةً له لأنه لم يكن يقضي دَينه بعد.


وهو لا يتذكر قول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.ولا يتذكر أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا(رواه مسلم). فهذا الحديث دالٌّ على أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاةً صلى الله عليه بها عشرا. ومن عرف هذا الحديث وتذكره ثم سأل الله تعالى أن لا يصلي على من يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فلقد سأل الله تعالى أمرا يعتقد بأنه لن يفعله أبدا. وهو يعلم أن الله تعالى إن لم يصلِّ على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم لكان مُخلفا لوعده تعالى، والله لا يخلف الميعاد، فإذا سأل الله تعالى أن يخلف وعده فلا شك في كفره.


والذي قال (لا صلى الله على من صلى عليه) بعد أن قال غريمه (صلى الله عليه وسلم) فإنه – إن شاء الله – لم يخطر بباله إلا أن الذي عليه دَينٌ صلى على النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا عذْرُه، على ما بينته آنفا. ولقد أشار إلى هذا المعنى سحنون لما قال ( ليس هو كمن شتم رسول الله صلى الله عليه و سلم أو شتم الملائكة الذين يصلون عليه إذا كان على ما وصف من الغضب لأنه إنما شتم الناس).
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.80 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (1.39%)]