الحمد لله الذي أنزل القرآن رحمة للعالمين، ومناراً للسالكين، ومنهاجاً للمؤمنين، وحجة على الخلق أجمعين.
الحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، ولا يطرد من عصاه إذا تاب مما جناه
والصلاة و السلام على خير الأنام وعلى آله و أصحابه الكرام.
أما بعد
اشكرك الأخ الكريم -هدي الصحابة-على مشاركته لنا الموضوع
أعلم علم اليقين أن ردك واستدلالاتك هذفها وقطب رحاها هو التوحيد
واعلم اني لا أخالفك فيما ذكرت لأنه ما تفضلت به وفصلته ليس هو جوهر حوارنا.
فنحن إن شاء الله تعالى نناقش مسألة العذر بالجهل وقد فسرت مرادي مستدلا بما حدث في عهد الرسول الكريم.
لكن لما قرأت مقالك وأعدت قرائته ، علمت سبب خلافنا
المتأخرون يعذرون بالجهل في مسائل التوحيد مطلقا ، ولافرق عندهم بين المسائل الظاهرة والخفية ، ولابين الجاهل القادر على التعلم والجاهل العاجز عنه ، ولابين الجاهل العاجز عن التعلم وهو راغب فيه ، و العاجز عن التعلم المعرض عنه
وأما المتقدّمون فالمسائل المكفرة التي تتعلّق بأفعال المكلفين عندهم نوعان
النوع الأول : مسائل ظاهرة ، كالشرك الأكبر بجميع أنواعه ومن أظهرها دعاء غير الله ومثله سب الله تعالى أو الإستهزاء بدينه ، والمسائل المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الحمس والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش كالزنا والخمر .
فمن وقع في شئ من هذه الأمور فإنه عندهم كافر بعينه كفرا أكبر ويحكم عليه بناء على ظاهر حاله وهو الكفر .
ولايعذرون أحدا وقع في شئ من هذه المكفرات بالجهل إلا في ثلاث حالات
الحالة الأولى : من نشأ في بادية بعيدة عن دار الإسلام .
الحالة الثانية : من نشأ في دار كفر لاتبلغ الدعوة مثله فيها .
الحالة الثالثة : من كان حديث عهد بالإسلام-
وهذه الحالة الأخيرة أنت تخالفني فيها.
النوع الثاني : مسائل خفيّة : كإنكار بعض الصفات التي وقع فيها النزاع بين أهل السنة وغيرهم –بخلاف الصفات التي هي من لوازم الربوبية كمطلق القدرة والعلم فهذه من المسائل الظاهرة .
وكمسائل الفروع غير المشتهرة علما عند العامة ، وليست من المعلوم من الدين بالضرورة وكالمسائل التي تقع فيها الفرق المخالفة للسنة في القدر والإيمان وغيرها مما يخفى مأخذه .
فمن وقع في أفعال الكفر التي يخفى كونها كفرا في حالات مخصوصة فإنه يعذر بجهله ولايطلق عليه اسم الكفر بمجرد وقوعه فيها مالم يكن قادرا على التعلم مفرطا فيه فإنه يكفر ، وهو الذي يسمّى " كفر الإعراض "
المتأخرون طردوا أصلهم في عدم التفريق بين المسائل الظاهرة والخفية ، فنهوا عن تكفير الأعيان مطلقا واستشنعوه عل كل حال
وفرقوا بين الوصف والعين مطلقا ، فأطلقوا الكفر على الفعل ونهوا عن تكفير الفاعل بعينه مطلقا .
أما المتقدمون فلما تقررعندهم من الفرق بين المسائل الظاهرة والخفية فإنهم يعملون النصوص الدالة على خطر التكفير ووجوب التحذير منه = في المسائل الخفية التي يلتبس حال المكلف فيها،ويصفون الفعل فيها بالكفر ويتوقفون عن الفاعل ، وقد شددوا في تكفيره بعينه أعظم تشديد وحذروا أشد تحذير.
المتاخرون يشترطون لقيام الحجة =تمام الفهم لها واندفاع كل شبهة عن من وقع في الكفر ، ويشترطون هذا في جميع المسائل .
أما المتقدمون : فيفرقون بين المسائل الظاهرة وغيرها .
فقيام الحجة في المسائل الظاهرة تكون عندهم ب( بلوغ القرآن ) فمن بلغه أو سمع به فقد قامت عليه الحجة كما قال تعالى {لأنذركم به ومن بلغ }.
المقصود ب" قصد الكفر " هنا هو : أن يفعل المكلف الكفر معتقدا أنه كفر ناويا الوقوع في الكفر .
المتأخرون اشترطوا قصد الكفر بهذا المعنى لتكفير المعيّن وجعلوا عدم قصد الكفر مانعا من تكفير الأعيان مطلقا .
أما المتقدمون فالحكم عندهم مبني على الظاهر لا القصد.
فمن وقع في شئ من المكفرات " الظاهرة " فهو كافر بعينه عندهم وإن لم يعلموا قصده بل وإن لم يكن قصده الخروج من الملة ، ولكن قصد الوقوع في الفعل .
وعليه وبناء على ما سلف ذكره أعتقد أنك تستدل بالمتقدمين وأستدل بالمتأخرين..
وكل جانب يعتقد أنه على حق استنادا إلى فقهه وسد باب الدريعة ودرء المفسدة...
والله أعلى و أعلم