
18-09-2011, 04:53 AM
|
|
عضو نشيط
|
|
تاريخ التسجيل: Sep 2011
مكان الإقامة: tetouan
الجنس :
المشاركات: 172
الدولة :
|
|
رد: سلسلة محن علماء السلف(دعوى للمشاركة )
محنة امام اهل السنة والجماعة سنة ثمان عشرة ومئتان
من كتاب البداية والنهاية
للمحدث اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن ، وأن يرسل إليه جماعة منهم إلى الرقة ونسخة كتاب المأمون إلى نائبه مطولة ، قد سردها ابن [ ص: 208 ] جرير ومضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وليس بقديم ، وعنده أن كل محدث فهو مخلوق ، وهذا أمر لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين ولا المحدثين ، فإن القائلين بأن الله تعالى تقوم به الأفعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة - بعد أن لم يكن - مخلوق ، بل يقولون : هو محدث وليس بمخلوق . بل هو كلام الله تعالى القائم بذاته المقدسة ، وما كان قائما بذاته لا يكون مخلوقا ، وقد قال الله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث [ الأنبياء : 2 ] وقال تعالى : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [ الأعراف : 11 ] فالأمر بالسجود لآدم صدر منه تعالى بعد خلق آدم ،فالكلام القائم بالذات ليس مخلوقا ، وهذا له موضع آخر . وقد صنف البخاري - رحمه الله - كتابا في هذا المعنى سماه " " خلق أفعال العباد " " .
والمقصود : أن كتاب المأمون لما ورد بغداد قرئ على الناس ، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه ، وهم محمد بن سعد كاتبالواقدي ، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون ويحيى بن معين ، وأبو خيثمة زهير بن حرب ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ،وأحمد بن إبراهيم [ ص: 209 ] الدورقي . فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة فامتحنهم بالقول بخلق القرآن ، فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته ، وهم كارهون ، فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء ، ففعل إسحاق بن إبراهيم ذلك ، وأحضر خلقا من مشايخ الحديث والفقهاء ، والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم ، فدعاهم الى ذلك عن أمر المأمون وذكر لهم موافقة أولئك المحدثين له على ذلك ، فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم ، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ثم كتب المأمون كتابا ثانيا إلى إسحاق يستدل فيه على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل لا تحقيق تحتها ، ولا حاصل لها بل هي من المتشابهات، وأورد من القرآن آيات هي حجة عليه لا له وقد أورده ابن جرير بطوله وأمره أن يقرأ ذلك على الناس ، وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن ، فأحضر إسحاق بن إبراهيم جماعة من الأئمة ؛ وهم أحمد بن حنبل ، وقتيبة ، وأبو حسان الزيادي ، وبشر بن الوليد الكندي ، وعلي بن أبي مقاتل ، وسعدويه الواسطي ، وعلي بن الجعد ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وابن الهرش ، وابن علية الأكبر ، ويحيى بن عبد الحميد العمري ،وشيخ آخر من سلالة عمر [ ص: 210 ] كان قاضيا على الرقة وأبو نصر التمار ، وأبو معمر القطيعي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري المضروب ، وابن الفرخان ، والنضر بن شميل ، وابن علي بن عاصم ، وأبو العوام البزاز ، وأبو شجاع ، وعبد الرحمن بن إسحاق وجماعة . فلما دخلوا على إسحاق بن إبراهيم قرأ عليهم كتاب المأمون فلما فهموه قال لبشر بن الوليد :ما تقول في القرآن ؟ فقال : هو كلام الله . قال : ليس عن هذا أسألك ، وإنما أسألك أهو مخلوق ؟ قال : ليس بخالق . قال : ولا عن هذا أسألك . فقال : ما أحسن غير هذا . وصمم على ذلك . فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء ولا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه ؟ قال : نعم . فقال للكاتب : اكتب بما قال . فكتب ، ثم امتحنهم رجلا رجلا ، فأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن ، فكان إذا امتنع الرجل منهم يمتحنه بما في الرقعة التي وافق عليها بشر بن الوليد الكندي ، من أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فيقول : نعم . كما قال بشر .
[ ص: 211 ] ولما انتهت النوبة إلى امتحان أحمد بن حنبل ، فقال له : أتقول إن القرآن مخلوق ؟ فقال : القرآن كلام الله ، لا أزيد على هذا . فقال له : ما تقول في هذه الرقعة ؟ فقال : أقول ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : 11 ] فقال رجل من المعتزلة : إنه يقول سميع بأذن بصير بعين . فقال له إسحاق : ما أردت بقولك سميع بصير ؟ فقال : أردت منها ما أراده الله منها ، وهو كما وصف نفسه ، ولا أزيد على ذلك . فكتب جوابات القوم رجلا رجلا ، وبعث بها إلى المأمون .
فصل : قد تقدم أن إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد لما امتحن الجماعة في القول بخلق القرآن ، ونفى التشبيه ، فأجابوا كلهم إلى نفي المماثلة ، وأما القول بخلق القرآن فامتنعوا من ذلك وقالوا كلهم : القرآن كلام الله . قال الإمام أحمد : ولا أزيد على هذا حرفا أبدا وقرأ في نفي المماثلة قوله تعالىليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ الشورى : 11 ] فقالوا : ما أردت بقولك السميع البصير ؟ فقال : أردت منها ما أراده الله منها ، وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرها ؛ لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه ، وإن كان له رزق على بيت المال قطع ، وإن كان مفتيا منع من الإفتاء ، وإن كان شيخ حديث ردع عن الإسماع والأداء ، ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم .
[ ص: 212 ]
وأمر النائب إسحاق بن إبراهيم الكاتب ، فكتب عن كل واحد منهم جوابه بعينه ، وبعث به إلى المأمون فجاء الجواب بمدح النائب على ما فعل ، والرد على كل فرد ، فرد ما قال في كتاب أرسله ، وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضا ، فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس ، ومن لم يجب منهم إلى القول بخلق القرآن ، فابعث به إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدا ، محتفظا به حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه ، ومن مذهبه أن يضرب عنق من لم يقل بخلق القرآن . فعقد الأمير ببغداد مجلسا آخر ، وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهدي وكان صاحبا لبشر بن الوليد الكندي ، وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور ، فلما امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ثانيا بعد قراءة كتاب الخليفة أجابوا كلهم مكرهين متأولين قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] إلا أربعة ؛ وهم : أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح ، والحسن بن حماد سجادة ، وعبيد الله بن عمر القواريري .فقيدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى المأمون ثم استدعى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم ، فأجاب سجادة إلى القول بخلق القرآن ، فأطلق قيده وأطلقه ، ثم امتحنهم في [ ص: 213 ] اليوم الثالث فأجاب القواريري إلى ذلك ، فأطلق قيده أيضا وأطلقه ، وأصر أحمد بن حنبلومحمد بن نوح الجنديسابوري على الامتناع من ذلك فأكد قيودهما وجمعهما في الحديد ، وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطرسوس ، وكتب معهما كتابا بإرسالهما إليه ، فسارا مقيدين في محارة على جمل متعادلين رضي الله عنهما ، وجعل الإمام أحمد يدعو الله عز وجل أن لا يجمع بينهما وبين المأمون وأن لا يرياه ولا يراهما .
وجاء كتاب المأمون إلى نائبه ؛ أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرهين ، متأولين قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمانوقد أخطئوا في ذلك خطأ كبيرا فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين . فاستدعاهم إسحاق وألزمهم بالمسير إلى طرسوس فساروا إليها ، فلما كانوا ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا إلى الرقة ثم أذن لهم في الرجوع إلى بغداد . وكان أحمد بن حنبل ، وابن نوح قد سبقا الناس ، ولكن لم يجتمعا به حتى مات ، واستجاب الله سبحانه دعاء عبده ووليه الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، فلم يجتمعوا بالمأمون ، وردوا إلى بغداد وسيأتي تمام ما وقع من الأمر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد ، وتمام الكلام على ذلك في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ، عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وبالله المستعان .
|