حرص الصحابيات على الشهادة والجهاد:
مما قرأته ما رواه الإمام أحمد في مسنده عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَزُورُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، وَأَنَّهَا قَالَتْ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ فَأَخْرُجُ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ وَأُدَاوِي جَرْحَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُهْدِي لِي شَهَادَةً؟ قَالَ: قَرِّي فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُهْدِي لَكِ شَهَادَةً، ولم يكتب الله لها الشهادة في غزوة بدر، فكان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أراد زيارتها يَقُولُ: انْطَلِقُوا نَزُورُ الشَّهِيدَةَ.
وروى كذلك الإمام البخاري عن أَنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا ثُمَّ ضَحِكَ، فَقَالَتْ: لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الْأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ.
لتنظر أخى وأختى كيف كانت المرأة المسلمة الأولى حريصة على الشهادة
فقالت: "لَعَلَّ اللَّهَ يُهْدِي لِي شَهَادَةً"، وكيف كانت حريصةً على الجهاد فقالت: "ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ". فهل تبقى بعد ذلك غرابة لِمَ تحرص هؤلاء النسوة على الشهادة وعلى الجهاد؟
الجهاد العملي للصحابيات:
بل أبعد من ذلك فالمسألة لم تكن حرصاً نظرياً على الشهادة فقط، لا بل كانت المرأة المسلمة تنزل ميدان الجهاد وتقاتل وتتأهب لذلك وتعد العدة.
روى الإمام مسلم وغيره عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا، فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟ قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ وفي رواية "طعنت" وفي رواية "بعجت" بِهِ بَطْنَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يضحك.
وروى الإمام البخاري عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ.
تكرار الجهاد العملي من الصحابيات:
وهذا الذي كانت تفعله النساء من الغزو والحرص عليه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصدر منهن مرةً على سبيل الصدفة، بل كان يتكرر إلى حد أنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، وَأَصْنَعُ لَهُمْ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى.
ما أعظمَ النساء المسلمات! ما أعظم صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم! حريصات على الشهادة والغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفعن بأبنائهن نحو الجهاد صابرات محتسبات فأين نساء العرب والمسلمين من نساء الصحابة؟
وما حرصهن؟؟؟؟؟ أعلى اللبس والطهو والطعام؟؟؟؟؟ أم على مساحيق الجمال واللهو والحلي والرحلات؟؟؟؟؟؟
شتان شتان بين نساء الأمس ونساء اليوم!!
روى الإمام أبو داود وأحمد عن حَشْرَج بْن زِيَادٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقول: فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَجِئْنَا فَرَأَيْنَا فِيهِ الْغَضَبَ، فَقَالَ مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ وَبِإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، وَنُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَنَا دَوَاءُ الْجَرْحَى، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ، وَنَسْقِي السَّوِيقَ: فَقَالَ: قُمْنَ – راضياً بما قلن -
تقول الراوية: حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ.أي أعطاهن من الغنيمة كما أعطى الرجال.
وهكذا كان الخلفاء من بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقدرون ويحترمون ويخصون المجاهدات بالعطاء. روى الإمام البخاري:
أِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَسَمَ مُرُوطًا – ثياباً - بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّتِي عِنْدَكَ (يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ) فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ، وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ – أي تخيط - لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ.
وكان بين ما فعله سيدنا عمر من تكريم هذه المرأة المجاهدة وخروجها للجهاد سنوات طوال تزيد على عشر سنوات، وهذا من حفظ الجميل لهذه المرأة.