علاقة الولاء والبراء بأصل الإيمان
إن كُلّ مبدأ ومذهب يعتقده جماعةٌ من الناس، ويخالفهم فيه آخرون، لا بُدَّ أن يُحْدِث اجتماعُ تلك الجماعة عليه بينهم تعاونًا وتناصرًا فيه، ولا بُدَّ أن يُحدِثَ عند مخالفيهم محاولاتٍ في تغيير مبادئ تلك الجماعة ومذاهبها. وهذا سيؤدّي إلى التصادم وإلى المعاداة بينهما، واللذان يختلفان في حِدّتهما وضعفهما بحسب مقدار التبايُنِ بين المبدأين والمذهبين، وبحسب سعة وشمول كُلِّ مبدأٍ: لمناحي المعتقد القلبي، وللواقع العملي، ولوجوه الحياة المتعدّدة.
هذه سُنّةٌ كونيّةٌ مشاهدةٌ، لا تحتاج إلى استدلال، بغير شاهد الوُجُود المرئيّ المعلوم.
ولا يقتصر هذا الصِّراع بين الأديان فقط، بل بين كل مبدأين أو مذهبين متعارضين. فهذا في العصر الحديث الصِّراعُ الذي كان محتدمًا بين الاشتراكيّة والرأس ماليّة، ولم يزل. وهذا الصراع بين الديمقراطيّة والدكتاتوريّة وأنظمة الحكم الأخرى. بل هذا الصِّراع في الأنظمة الديمقراطية بين الأحزاب المختلفة.
إن اعتقاد المرء أنه على حقّ في مسألةٍ ما، وأن من خالفه على باطل، واعتقادَ المخالِف في نفسه أنه هو الذي على الحق، لا بُدَّ أن يُحدث بين الاثنين تفاصُلًا وعدمَ التقاء، بقدر أهميّة المسألة المختَلفِ فيها. ولن يزول هذا التَّفَاصُل إلا بهلاك المختلفَيْنِ، أو أحدهما، أو بأن يتابع أحدهما الآخر ويترك ما كان عليه.
لذلك كان مُعْتَقَدُ الولاء والبراء في الإسلام مرتبطًا بوجود الإسلام، فما دام في الأرض مسلمٌ موحِّد، وفي الأرض كافر أو مشرك فلا بُدَّ من أن يكون هناك ولاءٌ وبراء، لا من قبل المسلم وَحْدَهُ، بل من قِبَل مُخالِفِه أيضًا.
ولمّا كان الإسلام دينَ الله تعالى، وما سواه أديانًا باطلةً، ولمّا كان الإسلامُ دينًا تشملُ أحكامُه شؤونَ الحياة الدنيا والآخرة جميعَهما، ويحتكمُ إليه المسلم في كل معتقداته القلبيّة وأقواله وأفعاله، وهو مرجعه في تحديد طبيعة علاقاته الفرديّة والاجتماعية مع المسلمين وغير المسلمين كان لا بُدَّ أن تكون لعقيدة الولاء والبراء فيه مكانةٌ عظمى، بل هي مكانةٌ مرتبطةٌ بأصل الإيمان، فلا بقاء للإيمان بغير ولاء وبراء، وذهاب الولاء والبراء يعني ذهاب الإيمان كله رأسًا.
يقول الله تعالى:
[ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) ]سورة المائدة 80 - 81
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة (ت728هـ) في كتاب (الإيمان):
(( فذكر جملةً شرطيّةً تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: (( وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) ))
، فَدَلَّ على أن الإيمان المذكورَ ينفي اتّخاذَهم أولياءَ ويُضادُّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذَهم أولياءَ في القلب. ودلَّ ذلك أن من اتّخذهم أولياء ما فَعل الإيمانَ الواجبَ من الإيمان بالله والنبيِّ وما أُنزل إليه.
وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ظاهرٌ واضح من الآية، لكني أحببتُ بيانَ فهم أئمة الإسلام لها.
ولهذا التلازم بين أصل (الإيمان) و(الولاء والبراء)، جاء في كتاب الله تعالى خبرٌ بنفي وجود مؤمن يحبّ الكافرين لكفرهم، فهذا لا يُمكن أن يكون موجودًا أصلًا، لأنه لا يجتمع حُب النقيضين في قلبٍ واحدٍ أبدًا.
قال تعالى:
(( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) ))