رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة
إذا اختلفت مع أخيك في مسألة علمية، أو شرعية فاطرح على نفسك ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: هل أعتقد أو أقول عن نفسي: أنا أعلم من فلان بالدين والشرع ولذلك اختلفت معه، أو أعتقد أنه قد يكون له من العلم مثل ما عندي وأفضل؟
السؤال الثاني: هل أعتقد أنني أعقل منه، وأنني قد أوتيت من الغريزة العقلية الفطرية المركبة في أصل تكويني من قوة الإدراك، وحدة الفهم ما لم يؤت، فأنا أعقل منه وأذكى منه، ولذلك أدركت ما لم يدركه؟
السؤال الثالث: هل أعتقد أن عندي من الصدق مع الله سبحانه وتعالى والإخلاص وسلامة النية والغيرة شيء ليس عنده، ولذلك اختلفت معه؟ هذه المعاني من المفترض ألا يزكي الإنسان فيها نفسه، وإنما يقول: لعل أخي أعلم مني، ولعله أعقل مني، ولعله أصدق وأخلص وأغير مني، فهذا لا يعني: أن أتابعه ولكن يعني: أن أعذره.
* مسائل في الاختلاف، في الانتسابات الدعوية، والاجتهادات العلمية، بين الدعاة وبين العلماء وغيرهم:
الأولى: نسبة الإنسان رأيه واجتهاده إلى الدين، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: (... وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ) (1)، ومع ذلك فالبعض إذا اختلفت معه، ربما نسب قوله إلى شريعة الله، وحكم على من يخالفونه بأنهم يردّون على الله ورسوله ويخالفون الملة الحنيفية، فيقول مثلاً: من قال كذا وكذا؛ كأنه يقول لا سمع ولا طاعة لك يا رسول الله. مع أنه لا يوجد أحد من المسلمين يقول هذا، وإنما هم ينازعونك في القول الذي تقوله، هل يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا يقوله؟ فينبغي أن يتعود الإنسان على احتمال وجهات نظر الآخرين فيما يحتمل مثل هذا.
الثانية: التعاون على البر والتقوى بين المختلفين، والتنسيق بين الدعاة من غير أنفة، ولا ترفع ولا استعلاء؛ فإن الميادين اليوم مكشوفة، والحاجة إلى الدعوة وإلى جهود الدعاة ضخمة جداً، فينبغي أن يكون ثمة تعاون، وأن يضع كل منا يده في يد أخيه.
قد يمتنع البعض من التعاون بدافع تنظيمي كما يقال، أي: يرى أنه ليس من المصلحة ذلك، ولهذا لا يقوم به، والبعض قد يمتنع بدافع تنظيري، أي: يرى أنه لا يجوز أو لا يُشرع له أن يتعاون مع إخوانه في الله سبحانه وتعالى.
إنه لمن الحكمة والحزم الاستفادة ممن هم دونك مهما كانوا بالانتفاع بتجاربهم أو التعاون معهم، والله سبحانه وتعالى أمر بذلك في محكم تنزيله، فهذا الأمر من الواجبات (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة:2)، فالأَوْلى أن نعزّز روابط التعاون والأخوة والتنسيق بين المؤمنين ونتجنب عوامل الفرقة والاختلاف.
الثالثة: العناية والتركيز على جوانب الاتفاق أكثر من جوانب الاختلاف؛ لأن هذه الجوانب التي نختلف حولها قليلة، ولكنها تكبر بالتركيز عليها وتكريسها، مثال بسيط، عندما تصلي في الجماعة، ويصلي إلى جوارك أخوك المسلم، تجد أنك تراقبه كيف يهوي في سجوده؟ أين يضع يديه؟ كيف يحرك إصبعه السبابة في التشهد؟ فهذه من الأمور التي تعودنا أن نراقبها ونحكم عليها، حتى بعد الصلاة ربما أمسكه وأقول أنت تفعل كذا لماذا؟ بينما نسيت أنك تتفق معه في أصول الدين، وفي أركان الإيمان، والإسلام، وفي عصمه الكبار، تتفق معه في صلاة الجماعة، في أركان الصلاة، في شروط الصلاة، في واجبات الصلاة، بل في معظم سنن الصلاة.
90% تتفق مع أخيك عليها والخلاف هو في 10% من السنن فقط، ومع ذلك كبرها الشيطان وأدارها في الرأس وربما جعلها أصولاً بعد أن كانت فروعاً فلم يُبق غيرها، وقد ذكر أبو بكر بن العربي أن شيخه الطرطوشي ذهب إلى بلاد الأندلس، وصلى عند حاكم هناك، فكان يرفع يديه عند التكبير، وعند الركوع، وعند الرفع منه. قال: فأمر هذا الحاكم بأن يُقتل الشيخ. قال أبو بكر بن العربي: فأصابني ما قَرُب وما بَعُد. وأتيت إليه وقلت: غفر الله للأمير، أصلح الله الأمير، هذا شيخ الأمة، هذا فقيه الوقت، كيف يقتل بمثل هذا؟ قال: لماذا يرفع يديه؟ قال: فمازلت به حتى بيّنت له أن هذه هي السنة، وأن هذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقولٌ لكثير من أهل العلم. قال: فسكن، وإلا كاد أن يقتله.
وهدد أحدهم أخاه -وقد رآه يحرك إصبعه بطريقة معينة- هدده بأنه سوف يقطع إصبعه.
ونحن نتكلم الآن عن تجنب الخلاف، وعدم التركيز على عوامل الفرقة أذكر لكم هذه الحادثة التي وقعت لي شخصياً، قبل أسبوع صليت بجوار أحد الشباب، فلما كنا في التشهد جاءني وتسلل إليّ الشيطان وقال: انظر هذا الشاب كيف يحرك إصبعه، فنظرت فوجدته يحرك إصبعه محنية، ويحركها باستمرار، فبدأ الشيطان يهمس لي وقال: ألا تلاحظ أنه يعتمد على حديث ضعيف، وهو أنه حناها شيئاً، وهذا الحديث لا يثبت عند أهل العلم، والشيطان أحياناً يصدق وهو كذوب وقد ينقل الإنسان من المفضول إلى الفاضل، بدلاً من أن تُقبل على صلاتك، وتخشع فيها وتتدبر قراءتك يحاول أن يشغلك بذكريات من الأمور العلمية التي هي موجودة ومستقرة، وهولم يضف جديداً، لكنه بعثها وكبرها وأشغلك بها، ثم قال أيضاً: إن كثرة حركته للإصبع لا تتناسب مع خشوع الصلاة وسكونها وهدوئها، فصرت في حديث وحوار في هذا الموضوع، واستيقظت على سلام الإمام.
إننا بحاجة كبيرة جداً إلى أن نتدرب مرة، وعشرة، ومائة، وألف على قضية التركيز على عوامل الاجتماع، وجوانب الوحدة بيننا، وهي كثيرة وعظيمة جداً، وعزل جوانب الاختلاف، وألا نلغيها، ولكن لا نضخمها أو نبالغ فيها.
الرابعة: قضية التخصص والتناوب في الأعمال، بحيث يكون اختلافنا من اختلاف التنوع كما يقال
أو كما يطلق بعضهم: كلانا على خير، هذا مشغول بدعوة، وهذا مشغول بإغاثة، وهذا بتعليم، وهذا بعلم، وهذا بإصلاح، وفي كل خير ولا أحد يستطيع أن يستوعب الخير كله.
هذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان قائداً للجيوش، ولما انتهت مهمته في الحرب كان يصلي بالناس فيقرأ بقصار المفصل، ويقول: شغلني الجهاد عن القرآن. بينما أبو هريرة رضي الله عنه لم يَقُدْ جيشاً ولا معركة، وإنما كان معروفاً بنقل العلم وروايته وحفظه، فينبغي أن ندرك أن شمولية الإسلام ليس معناها أو مقتضاها شمولية المسلم.
الإسلام دين شامل للحياة كلها، لكن المسلم ليس تعبيراً كاملاً عن الإسلام ولا لشموليته؛ ولهذا قد يتخصص في شيء دون آخر، أو ينشغل بشيء دون سواه، أو يعتني بأمر دون غيره.
الخامسة: الخطوط المتوازية، فلا يلزم أن نتقاطع دائماً إذا اختلفنا، أو يدمّر بعضنا جهود بعض، حتى لو لم يكن لديك قناعة بما يفعله الآخرون، دع الأمر للوقت، ربما يتبين مع الأيام أن ما كان يفعله صواب أو خطأ، أو أن فيه بعض الصواب وبعض الخطأ.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|