رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة
ثانياً: التفريق بين الشأن الشخصي والموضوع العلمي.
فحينما تبحث مسألة علمية، فقهيةً أو دعويةً أو ما أشبه ذلك عليك ألا تدخل فيها القضية الشخصية مع الشخص الذي تتحدث معه أو تحاوره، ومن طريف ما يذكر في هذا أن داود الظاهري ناظر رجلاً وجادله، فقال له ذلك الرجل بعد قليل من بداية المحاورة: أنت يا داود. يا أبا بكر. قلت كذا وكذا وكذا، فقد كفرت، والحمد لله. قال له داود الظاهري: سبحان الله! متى عُهد أن مسلماً يفرح ويستبشر بكفر أخيه المسلم. يعني: لو قلت فقد كفرتَ ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون لكان معقولاً، أما أن تقول كفرت والحمد لله، كأنك كنت مغتبطاً بأنه وقع في الكفر من حيث لا يدري ولا يريد، وربما لا يكون كفراً، لكن هكذا فسر الآخر.
ثالثاً: عدم الدخول في قضية أو مسألة لا يد للإنسان فيها ولا يدرك الإنسان أبعادها، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36). إن كثيراً من الناس ربما يتكلمون في قضايا ويتحدثون عنها كما لو كان الواحد منهم ابن بجدتها، ويقول: أنا عذيقها المرجب، وجذيلها المحكك، ويتكلم في هذه القضية كأنه يدركها تماماً، بينما لو أخذت معه وأعطيت ربما تجده لم يفقه أصل المسألة، فضلاً عن تفاصيلها، وأقوال الناس فيها، وأدلتهم، والراجح والمرجوح، ولهذا فإن من الحكمة والذكاء أن يكف الإنسان عن كثير من الأسئلة والمناقشات والمجادلات التي لا يملك الإنسان دليلها ولا حسن النظر فيها.
بعض الأحيان يصبح الحوار سواء كان حواراً في القنوات الفضائية، أو في المجالس، أو في الإنترنت كأنه نوع من التصفيق، وكأننا في حلبة مصارعة أو ملاكمة، هؤلاء يصفقون لهذا، وهؤلاء يصفقون لذاك، وربما لو أمسكت بأحدهم وسألته ما الموضوع أو ما الخطب؟ لم تجد عنده معلومة دقيقة سوى أنه يحب هذا، ولهذا يصفق له، أو يكره هذا، ولهذا يحاول تحطيمه، وهذا ليس من العقل ولا من الرشد في شيء.
ولازلت أذكر أستاذاً كان يدرسنا في الجامعة، فجرى نقاش بينه وبين أحد الطلاب يوماً من الأيام، وكان نقاشاً علمياً هادئاً، لكن كان هناك طالب في آخر الفصل عنده نوع من سوء الأدب وقلة الحياء، وأحبَّ أن يستفز المدرس، فكان كلما حصل مقطع من النقاش صرخ هذا الطالب العابث بأعلى صوته، وقال: واحد صفر. يعني: لصالح الطالب! واصل!! ومع ذلك كان المدرس لبقاً وذكياً، ولذلك عامل الموضوع بهدوء حتى انتهى النقاش.
من آداب المجادلة بالتي هي أحسن الحرص على التي هي أحسن كما ذكر ربنا: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: من الآية83)، (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر: من الآية18)، ولاحظ التعبير بالأحسن؛ وأن الله سبحانه وتعالى حتى فيما أنزل ما هو حسن وأحسن. وعلى الإنسان أن يختار الأفضل والأحسن بقدر المستطاع؛ لأن الشيطان ينزغ بينهم، يقول الله جل شأنه: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً) (الإسراء:53).
كان الإمام الشافعي - رحمه الله- يقول للربيع، وهو أحد تلامذته: يا ربيع. اكس ألفاظك.
يعني: ألبسها كسوة، لا تخرج اللفظ عارياً، أو بعيداً، أو غليظاً، وإنما حاول أن تضع عليه لباساً جيداً.
ودخل عليه الربيع مرة يعوده من مرض، فقال له: قوى الله ضعفك يا إمام. قال الشافعي: لو قوّى ضعفي لقتلني. فقال الربيع: والله ما أردت إلا الخير. قال الشافعي: أعلم أنك لو شتمتني لم ترد إلا الخير(8)، والمقصود أنه أصاب المعنى وأخطأ اللفظ، ولا شك أن اختيار الألفاظ الجيدة هو من الأدب الذي ينبغي أن يأخذ النشء به أنفسهم، فالمجادلة والمحاورة والمحاجة تكون بالتي هي أحسن دون صخب أو ارتفاع أصوات، أو استخدام ألفاظ سيئة.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|