رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة
* ألوان التفرق:
هناك ألوان ونماذج من تفرق الأمة الإسلامية ماضياً وحاضراً:
أولاً: الانتساب للمذاهب الفقهية حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي وأوزاعي وظاهري إلى غير ذلك، فهذا الانتساب هو نوع من التفرق إذا ترتب عليه تعصب؛ لأنه في الأصل من الاختلاف المحمود؛ فإن اختلاف الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من الأئمة المتبوعين ليس اختلافاً على القرآن والسنة، ويصدق عليهم قول القائل:
وَكُلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ ** غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفَاً مِنَ الدِّيَمِ
لكنهم اختلفوا لاعتبارات أخرى معروفة مبسوطة في كتب الفقه وأصوله.
لكن إذا تحول الأمر إلى نوع من العصبية والتمسك والتشدد وتقديم قول الشيخ على قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يصبح لوناً من التفرق المذموم؛ لأنه بُني على تعصب، بل يصل أحياناً فيكون عند البعض معقد الولاء والبراء، فتجد من يوالون بعضهم بعضاً؛ لأنهم من المذهب الفقهي الفلاني، وقد يجافون من لا يوافقهم في المذهب أو في المشرب، وهذا مشاهد ويقع كثيراً، فتجد مثلاً حنبلياً يقول:
أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيتُ وَإِنْ أَمُتْ ** فَوَصِيَّتِي لِلنّاسِ أَنْ يَتَحَنْبَلُوا
و هذا ليس بصواب؛ فإن المطلوب من الناس أن يتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو إمام الأئمة وهو الوحيد الذي يجب على الناس اتباعه مطلقاً، وأما الأئمة فما منهم إلا رادّ ومردود عليه، وما منهم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، واعتبار أن هذا الإمام أياً كان هو معقد الولاء والبراء، وأن الحق محصور في قوله أو مذهبه خطأٌ محضٌ لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا حظ له من نظر.
مثال للتعصب: إن التاريخ والواقع قد حفل بنماذج تسترعي النظر والوقوف عندها، ومع أن المالكية ليسوا شديدي التعصب، لكن هذا نموذج مما أحفظه لأحدهم يقول:
عَذِيرِي مِنْ قوْم يَقُولُونَ كُلَّمَا ** طَلَبْت َ دَلِيلاً هَكَذَا قَالَ مَالِكُ
فَإِنْ قُلْتَ: قَالُوا: هَكَذَا قَاَلَ أَشْهَبٌ ** وَقَدْ كَانَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْمَسَالِكُ
فَإِنْ قُلْتَ: قَالُوا: قَاَلَ سُحْنُون مثلهُ ** وَمَنْ لَمْ يَقُلْ مَا قَالَهُ فَهْو آفِكُ
فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ اللهُ ضَجُّوا وَأَعْوَلُوا ** وَصَاحُوا وَقَالُوا: أَنْتَ قِرْنٌ مُمَاحِكُ
وَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ الرَّسُولُ فَقَوْلُهُمْ ** أَتَتْ مَالِكاً فِي تَرْكِ ذَاكَ الْمَسَالِكُ!
يعني: أن مالكاً - رحمه الله- أَولَّ هذا الحديث أو وجهه وجهة معينة؛ كأن رآه ضعيفاً أو منسوخاً أو ليس عليه عمل أهل المدينة أو غير ذلك.
بل من أصحاب المذاهب من كان يقول: كل ما خالف مذهبنا فهو منسوخ أو مؤول. وعلى هذا فالمذاهب الفقهية تصنع –أحياناً- اختلافاً بين المسلمين، وأحياناً أخرى تغرس لوناً من التفرق.
ثانياً: الانتساب لجماعة أو مجموعة أو حزب أو حركة من حركات الدعوة في العالم الإسلامي، إننا كثيراً ما نسمع من يقول مثلاً هذا من الإخوان، وهذا من السلفيين، وهذا من التبليغ، وهذا من هذه الفئة، وذاك من تلك، وأحياناً تلاحظ ولعاً وانهماكاً واندماجاً في التصنيف والتعديل والتجريح بشكل عجيب، حتى أصبح هذا فناً يُدرس وعلماً يُلقى.
نعم. التعاون على البر والتقوى مطلوب ومرغب فيه، قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية2)، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من دين الله عز وجل واجتماع المسلم مع إخوانه، والتّشاور معهم، وتنسيق المواقف، والاستفادة منهم كل ذلك طيب ولا حرج فيه، وكل هذه المعاني تعني مزيداً من الصلة والتلاحم والترابط بين المؤمنين، لكن لا تعني مجافاة من قد يكون له اجتهاد آخر، أو يسكن في بلد معين، أو يكون في واجب، أو فرض كفائي آخر يقوم به، فهذه المعاني التي ذكرتها ينبغي ألا تتحول إلى حواجز بين المؤمنين، وألا نحاكم الناس أو نحاسبهم أو نصنّفهم على أساس القائمة، فليس بلازم أن نحكم بالخطأ والتضليل والانحراف على فلان طالما أنه مع المجموعة الفلانية أو يتعاون مع الجماعة الفلانية ومن ليس معنا فهو ضدنا؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً*لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً*وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم من الآية 95:93)، لم يقل سبحانه وتعالى: كلهم سوف يأتون جماعات ويحشرون في قوائم، قد يكون الشخص مع مجموعة فيها نوع من التقصير، وهو فاضل، وقد يكون مع مجموعة فاضلة، وهو مقصر.
إن كثرة الاشتغال بمحاسبة الناس، ومحاكمتهم، والقيل والقال ليس من الأعمال الفاضلة المحمودة؛ فإن من أكمل الناس وأفضلهم أعفهم لساناً، حتى حينما يريد أن يصحح أو يعدل؛ لأننا لا نزعم أن التجمعات أو العناوين الإسلامية عبارة عن مجموعات للكملة والفضلاء، أو أنها هي الإسلام، بل قصارها أن تكون كالمذاهب الفقهية: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرها، وهي أيضاً اجتهادات معينة يستند أصحابها -في الأصل- على الكتاب والسنة، ولكنهم يخطئون ويصيبون، والتعصب مرذولٌ في أن تقبل فلاناً، خطأه وصوابه؛ لأنك تحبه، أو أن ترد كل ما عنده؛ لأنك لا تحبه.
ثالثاً: التعصب للقبيلة، وهذا أمر عريق عند العرب، فقد كان العربي الأول يقول كما قال أمية بن أبي الصلت:
أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ الِّلوَى ** فَلَمْ يَسْتَبِينُوا النَّصْحَ إِلَّا ضُحَى الغَدِ
فَلَمَّا عَصَوْنِي قُلْتُ مِنْهُمْ وَقَدْ أَرَى ** غِوَايَتَهُمْ أَوْ أَنَّنِي غَيْرُ مُهْتَدِ
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غُزَيَّةَ إِنْ غَوَتْ ** غَويتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غُزََّيةُ أَرْشُدِ
وفي صحيح مسلم عن أَببي مَالِكٍ الأَشْعَرِي رضي الله عنه أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (7)، فنحن نجد اليوم التعصب القبلي يضرب بجرانه في كثير من البلاد والمجتمعات الإسلامية، ليس ثمت مشكلة أن يعرّف الإنسان نفسه بأنه من قبيلة كذا وكذا، لكن المشكلة أن يتحول هذا إلى ولاء وبراء، بحيث تجد أن فزعة هذا الإنسان، وقيامه، ومحبته وبغضه وجهده ينصرف إلى من يوافقه في هذا الانتساب، ولو جاء إليه شخص من قبيلة أخرى، وربما يحتفظ بذكريات تاريخية، أو قصص من الآباء والأجداد فإنه يتجافى عنه، وقد لا يساعده أو يعينه ولو استطاع أن يضرّه فربما فعل ذلك، فهنا تحول الانتساب القبلي إلى نوع من الانفصال والانشقاق داخل المجتمعات الإسلامية.
رابعاً: الانتساب لمنطقة أو إقليم أو شعب من الشعوب أو جنسية من الجنسيات، فهذا نجديّ، وهذا حجازيّ، وهذا غربيّ وهذا شرقيّ، وهذا خليجيّ، وهذا شاميّ، وهذا مصريّ، وهذا عراقيّ، وهذا كذا، وهذا كذا، فهذه الانتسابات إذا كانت مجرد تعريف فلا تضر، وقد كان الصحابة ومَن بعدهم يتعرفون بمثل هذه الأشياء، ولا يضير أن يقول الإنسان: إنه من بلد كذا، لكن إذا تحولت -كما هو الواقع عند كثير من الناس- إلى نوع من العصبية ونوع من الولاء على هذه النسبة فإن هذا خطأ كبير، وقد تجد أن الكثيرين إذا التقوا فيما بينهم، يتبادلون النكت والطرائف المضحكة الدالة على تنقص فئة أخرى، فإذا اجتمعنا وكلنا من قبيلة معينة، أو من منطقة معينة، أو من جنسية معينة لم نجد حرجاً أن نستطرد في إصدار الأحكام التعميمية أن أهل الإقليم الفلاني فيهم كذا وكذا، وأن الشعب أو القبيلة الفلانية فيها كذا وكذا، ثم يأتي هذا بقصة، وهذا يأتي بنكته، وهذا يأتي بتجربة مر بها، وهكذا حتى تشبعت نفوس الكثيرين منّا بأنواع وألوان من الانفصال قضَت أو أضعفت من الأخوة الدينية القائمة بين المؤمنين، وهذا ربما يستغله الأعداء في كثير من الأحيان، كما نلاحظ على سبيل المثال القوى الغربية وبالذات القوة الأمريكية المتغطرسة اليوم، التي إذا أردنا أن نسمي الأمور بأسمائها لقلنا: إنها تسعى إلى إعادة استعمار العالم بشكل جديد، وأنها تضرب برأي الناس عرض الحائط، وتصرّ على مقاصدها وعلى اتجاهاتها وعلى نياتها، وأنها لا تبالي أن يموت الناس أو يحيوا، المهم أن تنفذ مآربها وأهدافها.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|