رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة
كيف تستطيع أن تطبِّق الأخلاق الإسلامية، كيف تستطيع أن تعرف إن كنت صبوراً، أو حليماً، أو كريماً، أو كنت شجاعاً إلا من خلال الاختلاط بالناس؟!
كيف تستطيع أن تؤدي شعائرك فتصلي أو تصوم أو تحج أو تعتمر إلا من خلال الاختلاط بالناس؟! حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) (3)، فالتفرق إذن اتباع لسنة أهل الكتاب، ومخالفة لما تقتضيه العقول السليمة والبصائر المستقيمة، وهو نقض لأساس من أسس الشريعة.
إن الحديث عن التفرق ليس حديثاً خاصاً عن الدعاة، والاختلافات التي تقع بينهم، أو العلماء واختلافهم في الفتوى، أو التيارات الإسلامية وتنوع مشاربها ومذاهبها فحسب، إنما الحديث عن: التفرق والاختلاف بين المسلمين، الاختلاف الذي يضرب هذه الأمة، وإذا كنا نشهد في التاريخ الإسلامي ألواناً من الاختلافات التي لم يكن لها سبب ولا مسوغ ولا مبرر، والتي قضت على وحدة المسلمين، وأكلت جهودهم وطاقاتهم، ومكنت أعداءهم منهم في غير مرحلة فإننا نشهد في واقع المسلمين اليوم ألواناً وأنماطاً كثيرة من هذا الاختلاف، وهي جديرة بمبضع الجراح الذي يقوم بعلاجها.
إخوة الإيمان: إن الله سبحانه وتعالى يقرر لنا أن المؤمنين إخوة، يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: من الآية10)، ويقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92)، ويقول جل شأنه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون:52)، وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (4)، فالأخوة ليست في العروبة، ولا في الأرض؛ فَإِنَّ الأَرْضَ لاَ تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الإِنْسَانَ عَمَلُهُ، وليست في المصلحة المشتركة، ولا في التاريخ المشترك، وإنما الأخوة الحقيقية هي التي تظلل الناس في ظل هذا الدين.
إِنْ يَخْتَلِفْ نَسَبٌ يُؤلِّف بَيْنَنَا ** دِينٌ أَقَمْنَاهُ مَقَامَ الْوَالِدِ
أَوْ يُنْتَقَصْ مَاءُ الوِصَالِ فَمَاؤُنَا ** عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِنْ زُلَالٍ وَاحِدِ
وهذه الأخوة تشرق وتتجلى، فلا تختص بوقت دون وقت ولا بمكان دون مكان وفي أحلك المواقف وأشدها حتى حينما يقع عليك عدوان أو ظلم من أخيك، فهذا لا يعني أن أخوته قد زالت وحبال المودة تقطعت، تأمل قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: من الآية10)، أي بين طائفتين؛ وصل الأمر بهم إلى حد الاقتتال (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (الحجرات: من الآية9)، ومع ذلك سماهم إخوة، وقال سبحانه وتعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء) (البقرة: 178)، وذلك في شأن القاتل الذي قتل أخاه المسلم، ومع ذلك سماه الله سبحانه وتعالى أخاً، فالقاتل أخٌ للمقتول، والمقتول أخٌ للقاتل، فهذه الأخوة التي عقدها الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن تقضي على أساسها أو تزيلها عوامل الفرقة والاختلاف حتى العدوان الذي يقع بين المسلم وأخيه، وقد تجد من الناس من يقع له نوع تقصير في دينه -مثلاً- فيكون عنده انحراف أو معصية أو غير ذلك، لكن ما دام يصح له وصف الإسلام؛ فله أصل الحقوق.
وإذا تم له كمال الإيمان؛ كملت له الحقوق، وهناك قاعدة مهمة في التعامل، وهي كُلُّ مَنْ صَحَّ أَنْ يُوَصَفَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ؛ فَلَهُ حُقُوقُ الْمُسْلِمِ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سبحانه وتعالى قَالَ: (حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ) قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) (5)، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وعيادة المريض، وغير ذلك من الحقوق مما لم يذكر في هذا الحديث، فكل من صح له وصف الإسلام - ولو كان في الدرجة الدنيا منه- فله قدرٌ من هذه الحقوق، لكن كلما عَظُم قدره في الإسلام كلما عظمت حقوقه؛ ولهذا كان أعظم الحقوق على المسلمين بعد حق الله سبحانه وتعالى حق النبي صلى الله عليه وسلم ثم حق الصحابة رضي الله عنه ثم حق أهل العلم، وحقوق الوالدين، والمقصود أن الحق باقٍ لكل من صح أن يوصف بأنه من المسلمين، وإن كان فيه نقص أو زلل أو تفريط، أو لديه شيء من الخطأ؛ ولذلك قد يقول البعض: هذه أخوة عامة، وأخوة خاصة، والأفضل عدم استعمال هذا المصطلح؛ لأن الأخوة العامة والخاصة أجراها النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار، فآخى بين فلان وفلان، هذا مهاجر وهذا أنصاري، وكان بينهم نوع من الاندماج، حتى في أموالهم وفي سكنهم وفي أمورهم، فعن إِبْرَاهِيم بْن سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: "لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالاً، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَي زَوْجَتَي هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا"(6)، وهذا الحديث في صحيح البخاري، فهذه أخوة خاصة كانت بين عبد الرحمن وسعد رضي الله عنهما، لكن الأخوة بين المسلمين قائمة، ولا مانع أن تتفاوت هذه الأخوة في درجاتها، فليس حق آحاد الناس أو حق شخص مضيّع أو مفرّط كحق شيخك العالم الجليل صافي المشرب والمذهب، صادق السريرة، صالح القول والعمل المؤثّر عليك.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|