عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 17-04-2011, 07:42 PM
الصورة الرمزية أبو جهاد المصري
أبو جهاد المصري أبو جهاد المصري غير متصل
قلم فضي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 4,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة

أولاً: الفرق بين الاختلاف والتفرق

يجب أن ندرك أن ثمت فرقاً بين التفرق والاختلاف فالله سبحانه وتعالى في تنزيله نهى عن التفرق مطلقاً؛ ولهذا فكل تفرق فهو مذموم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أصحابه عن التفرق بالأجساد.

كما في حديث أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِي قَال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً؛ تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ). فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلاَّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالُ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ "(1)، فالتفرق مذموم في الأحوال، والأقوال، والمذاهب، والمواقف، والأبدان؛ إذا كان تفرقاً مبنياً على غير سبب؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية105).

أما الاختلاف فليس مذموماً بالإطلاق، فمنه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى في الآية بعدها: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران: من الآية105)، فالاختلاف المذموم هو الاختلاف في الكتاب، والاختلاف على الكتاب واتباع الهوى، وهو أن يختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وإلا فقد يكون اختلافاً محموداً، ومن أمثلة الاختلاف المحمود اختلاف التنوع، مثل أن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، كاختلافهم في تفسير قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) (فاطر: من الآية32)، قال بعضهم: السابق الذي يصلي أول الوقت والمقتصد في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. وقيل: السابق المحسن بالصدقة والمقتصد بالبيع والظالم بأكل الربا.

واختلاف التنوع في الأحكام الشرعية قد يكون في الوجوب تارة وفي الاستحباب أخرى، فالأول مثل أن يجب على قوم الجهاد وعلى قوم الصدقة وعلى قوم تعليم العلم، وهذا يقع في فروض الكفايات أيضاً ولها تنوع يخصها وهو أنها تتعين على من لم يقم بها غيره؛ فقد تتعين في وقت أو مكان وعلى شخص أو طائفة كما يقع مثل ذلك في الولايات والجهاد والفتيا والقضاء، قال ابن تيمية: وكذلك كل تنوع في الواجبات يقع مثله في المستحبات.

ومن اختلاف التنوع أيضاً أن يعمل الإنسان خيراً وآخر يعمل خيراً غيره، أو هذا يرى رأياً باجتهاده وهذا يرى رأياً مختلفاً وما أشبه ذلك، فالاختلاف منه المذموم ومنه المحمود، أما التفرق فمذموم بالإطلاق.

إن التنوع سنة ربانية قامت الحياة على أساسها؛ فالله سبحانه وتعالى خلق من كل شيء زوجين، وجعل التنوع في أشكال الناس ومظاهرهم وألوانهم وأصواتهم، وفي مخلوقاته سبحانه وتعالى وفيما يراه الإنسان من حوله، فهذا التنوع جزءٌ من ثراء الحياة الإنسانية، وجزء من التجدد والطرافة فيها؛ ولذلك يقول المتنبي:

تَخَالَفَ النَّاسُ حَتَّى لَا اتِّفَاقَ لَهُمْ ** إِلا عَلَى شَجَبٍ وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ
فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ الْمَرْءِ سَالِمَةً ** وَقِيلَ تَشْرَكُ جِسْمَ الْمَرْءِ فِي الْعَطَبِ

يريد أن الناس يتخالفون في كل شئ والإجماع على الهلاك، فكلهم يقول إن منتهى الناس والحيوان الموت، ثم تخالفوا في الروح بعد الموت، فقوم يقولون: إن الروح تفنى كالجسم، وآخرون يقولون: الأرواح تسلم من الهلاك ولا تفنى بفناء الأجسام، والمقصود الذي يتفق عليه الجميع من هذه الأبيات هو أن الاختلاف شيء عميق في الحياة البشرية.

والتفرق المذموم هو اتّباع لسنة أهل الكتاب الذين: (تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَات) ؛ ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن اتباع هديهم وسنتهم، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ (فَمَنْ؟) (2)، والتفرق المذموم هو مخالفة لمقتضى المصلحة والعقل والرشد والبصيرة؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن اليهود: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (الحشر: من الآية14)، فاختلافهم بسبب نقص عقولهم. والتفرق هو نقض لأساس من أسس الشريعة؛ فإن الشريعة جاءت بوحدة المسلمين؛ ولهذا كان الخطاب في القرآن الكريم جماعياً، في كثير من الآيات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإنْسَانَ لَفِي خُسْر*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر)، وجلُّ أحكام الشريعة لا يمكن تنفيذها إلا من خلال وحدة واجتماع.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 16.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 15.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.92%)]