حاول أن تتأمل هذه الأوامر ومدى اهتمامنا بها ، ومدى التركيز في الحديث والخطاب الشرعي عليها ، ومع انهماكنا وانشغالنا بقضايا قد لا تمتّ لهذه الآيات بصلة "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده" "وأوفوا المكيال والميزان بالقسط" "لا نكلف نفساً إلا وسعها" "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" "وبعهد الله أوفوا" " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون" "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" أمر بالوحدة على صراط الله المستقيم ، ونهى عن اتباع السبل فتفرق بكم عن سبيله " ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" .
إذاً ، نحن أمام محكمات قطعية تتعلق بالعقائد ، والأخلاق ، وبالعمل والسلوك ، أمر الله - تعالى - بما كان من خير ، ونهى - سبحانه وتعالى - عن ما كان من شر ، أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك ، هذه الأشياء العامة هي التي ينبغي أن يجتمع المسلمون حولها ، ويدندنوا في محيطها .
إن هذه المسلّمات ، وما شابهها مما اتفق عليه أهل اللللعلمم على أ نـه لا ينقص منها ولا يزاد عليها ، وما سواها يتفرع عنها إلى :
القسم الأول : هنا يقع - أحياناً - نوع من الإضافات فيما ينبغي أن يجتمع الناس عليه ، فمن الإضافات ماهو انحرافات وبدع وأساطير تلبّسها الناس وأقحموها في الدين ، بل ظنوها من أصول الدين ، وربما والَوا فيها ، وعادَوا عليها وأحبوا من أجلها ، وأبغضوا من أجلها ، وقد تكون مناقِضةً لما بعث به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كثير جداً في معظم المجتمعات الإسلامية ، ولكل قوم شيء من ذلك ورثوه عن الآباء والأجداد ، وظنوه ديناً يتدينون به ، هذا القسم الأول .
القسم الثاني: أشياء تكون من الدين ، أو تكون اجتهاداً مبنياً على نص ، ولكن القوم يرفعونها من كونها فرعاً إلى جعلها أصلاً ، أو من كونها أمراً خلافياً اجتهادياً إلى كونها أمراً قطعياً ضرورياً.
القسم الثالث: أشياء هي من الدين يقيناً بلا خلاف ، وقد تكون من أصول الدين ولكن يقع فيها - أحياناً - نوع من الإلحاح الزائد حتى تكبر في نفوسهم ، وتعظم عما جعل الله - تعالى - لها من القدر ، وربما هذا يكون على حساب أصول أخرى يقع فيها إجحاف وتفريط، وأمثلة ذلك كثيرة ربما يأتي شيء منها.
إن هناك انتماءات وانتسابات بديلة، أو مزاحمة لهذا الانتساب الشرعي الديني الذي تحدثنا عنه، وكثير من المصلحين والغيورين والمحبين يجتهدون في الإلحاح على جوانب النقص الموجودة في الأمة عملاً على استدراكها ؛ فيتولد من ذلك نوع من الانخزال عن الأمة أو الانكفاء عنها ، بل ربما يغفلون عن التأكيد على معاني الأخوة الإيمانية .
هناك من يرى أن الحديث عن الأمة ومجالاتها وكثرتها وعددها وعديدها وامتدادها نوع من فقدان التركيز أو فقدان العناية والخصوصية ، وهنا سؤال يتكرر : ما بالنا تردد –دائماً- أن الأمة مليار ومائتا مليون مسلم ؟
وأقول : بل لماذا لا نكرره ؟ ينبغي أن يكرر هذا المعنى ويُبدأ ويُعاد ؛ لأن هؤلاء لهم أصل الانتماء في مجملهم إلا من خرج عن الإسلام منهم .
وبعضنا لا يكاد يتذكر الأمة في مجملها إلا عند الشدائد والمصائب ، فكأننا غافلون نحتاج إلى مِطرقة معينة حتى نستيقظ ، فإذا حصلت للمسلمين مصيبة في إندونيسيا مثلاً ، وشاهد الناس جثث القتلى المتفحمة من أثر النار ، أو رأوا التمثيل بالجثث ، أو رأوا من يأكلون لحوم الأحياء من المسلمين نكاية وبغضاً وكراهيةً تحركت العواطف والمشاعر تجاه إخواننا حركة وقتية عارضة ثم ما تلبث أن تنطفئ وبسرعة كاحتراق السعفة ، وإذا وقع للمسلمين معاناة في إفريقيا كمجاعة أو جفاف أو حروب طاحنة ، أو غير ذلك ، فإن المسلم قد يتفطن لذلك خصوصاً إذا أفلحت وسائل الإعلام في التوكيد وإبراز هذا المعنى ، وسرعان ما تنطفئ هذه الجذوة ونعود إلى غفلتنا وإذا لاحت لنا نذر أزمة -في أفغانستان مثلاً- لهجنا بذكرها وخفنا عليها ، فإذا ذهبت هذه الأشياء عدنا أدراجنا إلى ما كنا عليه .
إن ثمة ضرورة إلى أن نؤكد للمسلم العادي وللشاب المتدين في محل التعليم ، أو في حلقة الدرس أو في المجلس أوفي المحضن التربوي أهمية انتسابهم لهذه الأمة وشعورهم بالأخوة لكل من كان داخل هذا الإطار ، وإن كان شعوراً يرتفع وينخفض ويزيد وينقص .