رد: فقه الأمة الواحدة / للشيخ سلمان العودة
وهذه هي الحاجات التي تدور حولها متطلبات الإنسان .
إن مما يجدر تأكيده تتمة لما سبق: أن هذه المطالب التي شرعها الله - تعالى - من حق المسلم على أخيه ، ومن حق المسلم على الأمة التي ينتمي إليها مرتبطة بأصل النسبة لا بكمالها، فكل من صدق عليه أنه من المسلمين فله جزء من هذه الحقوق ، حتى لو كان مفرطاً ، أو عاصياً أو متلبساً ببدعة معينة ، نعم هناك تفاوت كبير في الحقوق ، هذا التفاوت يعتمد على عدة أشياء ، فحق الوالدين ليس كحق غيرهم، وحق القرابة ليس كحق الأباعد ، وحق المجاور ليس كحق البعيد ، وحق العالم ليس كحق الجاهل ، وحق الفاضل ليس كحق المفضول، وحق الإنسان الذي له تأثير ونكاية بالعدو ، ونفع في الأمة ليس كحق آحاد الناس الذين ليس لهم ذلك . فأصل الحق مرتبط بأصل الانتماء ، وكمال الحق مرتبط بكمال الانتماء .
لكل مسلم على أخيه حق وعليه له واجب ، عليك حق أن تنصحه ، وترشده ، وتدعوَ له وتذكره ، وتعلمه ، وتساعده ، ولك عليه حق ، فمن قام بواجبه فيمكنه أن يطالب بحقه لكن إذا فرط في واجبه فليتوقع أن يخل الناس بواجباتهم . إن المسلمين يتفقون على أصل الدين ، وعلى المحكمات القطعية التي جاء الدين بها ، هم يؤمنون بإله واحد لا شريك له ، في ذاته ، وفي أسمائه وصفاته، و في ربوبيته ، و في ألوهيته ، فهو المستحق للعبادة وحده ، وهم يؤمنون بنبيّ واحد هو خاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم ، جاء بأفضل الشرائع وآخرها ، وهو واجب الاتباع إلى قيام الساعة ، ويتجهون إلى قِبلة واحدة ، ويقرؤون قرآناً واحداً -يقطعون كلهم بأنه محكم محفوظ من الزيادة والنقصان لم تَطُلْه يد التحريف والتبديل والتغيير في ألفاظه ومجملات معانيه - ويصومون شهراً واحداً ويحجون بيتاً واحداً، ويقفون بعرفة موقفاً واحداً ، تاريخهم واحد ، ومصيرهم ومستقبلهم واحد ، حتى التحديات التي تواجه المسلمين هي تحديات واحدة في الجملة ، فإننا نجد الأذى الذي موجهاً إلى المسلمين يوجه إليهم شعوباً وأمماً بلا تمييز بين أقوياء الإيمان وضعفاء الإيمان ، وبين العلماء والجهلاء ، وبين الصلحاء والفاسدين ، وهذا يؤكد على الأمة: ضرورةَ أن تعمل على تحقيق معنى هذا الانتماء .
لقد أشار ابن عباس - رضي الله عنه - إلى المحكمات في الدين التي هي القواعد العامة التي ينبغي الاجتماع عليها ، يقول: إن في الأنعام آياتٍ محكماتٍ هنّ أم الكتاب، ثم قرأ: "قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم "… الآيات أخرجه الحاكم في المستدرك (2/317) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال:من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي عليها خاتمة، فليقرأ هؤلاء الآيات: " قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركُوا به شيئاً " إلى قوله : " لعلكم تتقون " أخرجه الترمذي (3072) وحسنه.
والآيات من سورة الأنعام هي قوله تعالى : " قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشُدَّه وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلى وسعها وإذا قُلتم فاعدلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ".
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|