إن هذه الآيات وغيرها مما في معناها قررت لنا قاعدة إسلامية عريضة عظيمة إجماعية وهي : أن الله سبحانه وتعالى قد عقد راية الإخاء والولاء والمودة والمحبة بين أهل الإسلام ، وهذا قرار إلهي عظيم صارم لا مجال للتردد فيه ، يقول الله - سبحانه وتعالى -: " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " والشيء اللافت للنظر في هذه السورة واسمها (الأنبياء) أن الآية نفسها تكررت في سورة بعدها وهي سورة (المؤمنون) ولاحظ الاسمين الأنبياء ، والمؤمنون ، في السورة الأولى ذكر الله قصص الأنبياء وأسماءهم ، ذكر موسى وإبراهيم وهارون وعيسى وزكريا ويحيى وذا الكفل وذا النون وغيرهم من الأنبياء ، ثم أثنى عليهم بما أثنى به ، ثم قال : " إن هذه أمتكم أمة واحدة " وأدخل معهم مريم - عليها السلام - ولو لم تكن من الأنبياء ولكن الله تعالى ألحقها بهم لفضلها ومزيتها، ولأنها كانت أمَّاً لعيسى عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله هـؤلاء الأنبياء ، ثم قرر هذه القاعدة : " إن هذه أمتكم أمة واحدة " فما مرجع الضمير ؟ وهل المقصود أن الأنبياء أمتكم ؟ أو المقصود هذه الأمة المحمدية الخاتمة هي أمتكم ؟
اختلف المفسرون في هذا المعنى ، والأقرب - والله تعالى أعلم -: أن هذه آيات كرَّس الله تعالى فيها معنى الأمة الواحدة ، وأنها بدأت بوجود آدم عليه الصلاة والسلام ، وعَبَرت المراحل والسدود والحدود والأزمنة كلها ، حتى آلت النوبة فيها إلى خاتم الرسل وسيدهم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، فكان حامل الراية وخاتم المرسلين ، وإمامهم في الدنيا ويوم الدين ، وكانت أمته هي خير الأمم وآخرها ، وهي وريثة هدي الأنبياء ودعوتهم ، ولهذا لا يوجد على ظهر الأرض منذ بُعث الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - أمة تحمل النور المتمثل في القرآن الكريم، وهذا الكتاب المعصوم من التحريف والتبديل، والزيادة والنقص " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .
والأمة التي تُمثل قدراً من الالتزام بقيم القرآن ومعاييره وأوامره ونواهيه عبر العصور وإن كان يحصل لها من الخلل ما يحصل وإن كان فيها من النقص والجهل والظلم والانحراف الشيء الذي لا يخفى إلا أنها مع ذلك تظل أفضل من الأمم الكتابية الأخرى بمراحل ، فعندها في مقابل ذلك من الخير والهدى والإيمان والعلم وآثار النبوة ما ليس عند غيرها في واقع حياتها العلمي والعملي ، فضلاً عن أنها تمتلك النور الذي لو عملت به لصلحت، وأصلحت ألا وهو الكتاب والسنة الصحيحة .
وإشارته سبحانه وتعالى بعد ذلك " وتقطعوا أمرهم بينهم " هي إشارة إلى ما وقعت فيه الأمم الكتابية السابقة من الخلاف والتناحر والتباغض، واختلاف القلوب والمواقف، وتحذير من الله - تعالى - أن هذه الأمة التي أخبر الله أنها أمة واحدة يجب عليها أن تلتزم بالوحدة وألا تسلك مسلك الأمم الكتابية قبلها في الخلاف وأنهم تقطعوا أمرهم بينهم، كأن هناك أمراً واحداً بجمعهم فقاموا وتقطعوه ، فكل فئة منهم أخذت قطعة من هذا الأمر ، وهذا هو المعنى الذي تجده في السورة الثانية ، وهي سورة (المؤمنون) فإن الله ذكر الأنبياء موسى وعيسى وهارون ثم قال سبحانه : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " فأكد المعنى نفسه وقرر وحدة الأمة وأنها ليست أُمماً ، ثم قال : " وتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون " فهم تقطعوا هذا الأمر بينهم ، ثم قال: "زبُراً " والزبُر : جمع زَبور والزبور : هو الكتاب ؛ لأنه مزبور ، أو مسطور ، أو مكتوب قال الشاعر :
تمنى كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور على رِسْلِ
" وآتينا داود زبوراً " فالزبر هي الكتب ، هؤلاء تقطعوا أمرهم بينهم زبراً كأن كل فئة أخذت بجزء من الدين وجانب منه وغفلت عما سواه ، وفرحت بهذا الذي أوتيت من العلم وغفلت عما عند غيرها " فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً " . وهذا فيه إشارة إلى مشكلة الخلاف العلمي الذي يعصف بالأمة والذي لا يكون مبنياً على حجة شرعية ولا على أصول صحيحة ، وإنما داخله شيء من الهوى، أو الغرور، الذي جعل الأمر خلاف تضاد لا خلاف تنوع، فهي إشارة إلى خطورة الخلاف العلمي، أو التجاذب العلمي الانتقائي ، الذي يتجلبب بجلباب العلم ولكنه يأخذ ببعض الكتاب ويدع بعضاً ، أو يضخم بعض الأمور على حساب بعضها الآخر ؛ ولهذا قال الله - سبحانه وتعالى -: " كل حزب بما لديهم فرحون " فهذا يوحي إلى أنهم نسوا انتماءهم إلى الأمة وتحولوا إلى أحزاب متناحرة ، وليس الخلاف المشروع المنسجم مع الأصول الشرعية والقواعد المرعية والذي كان موجوداً في عهد الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وسواهم .