عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 12-04-2011, 12:06 AM
الصورة الرمزية أبو جهاد المصري
أبو جهاد المصري أبو جهاد المصري غير متصل
قلم فضي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 4,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: معالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري

يعاني هذا المشروع من خللين معرفيين أوليين في الفرضية التي أسست له. فمن الصعب أن تجد الفرضية الإصلاحية سنداً تاريخياً قاطعاً لمعطياتها، ذلك أن الغلبة العسكرية لم تدل دائماً على تفوق حضاري وقيمي.

وبالرغم من أن النقاش مازال مفتوحاً حول القيم الحضارية المؤسسة للغرب الأوروبي وقيم مجتمعات الهنود الحمر أو المجتمعات الأفريقية السوداء عشية الصعود الإمبريالي الغربي، فإن من الصعب الجدال في هجمات القبائل الشمالية الأوروبية أو المغولية والصليبية، التي حققت انتصارات عسكرية قاطعة على الدولة الرومانية والبيزنطية والدول الإسلامية الوسيطة، قد عكست تفوقاً حضارياً جرمانياً أو مغولياً أو صليبياً. الحقيقة التاريخية أن الغلبة العسكرية قد تحمل في طياتها أياً من الاحتمالين: التفوق أو التخلف الحضاري، وهي الحقيقة التي لا نجد لها أثراً يذكر في تراث الإصلاحيين، لم تكن أصلاً محل تأمل ولا أثارت قدراً ملحوظاً من الحوار الإسلامي الداخلي. يعود الخلل المعرفي الآخر إلى السهولة التي عانق بها الإصلاحيون الإسلاميون ـ ومازالوا ـ مفهوم التقدم الفلسفي الدارويني.

إذ أننا حتى وإن سلمنا بأن العالم الإسلامي قد عانى من جمود فكري وحضاري فعلي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أو أن لهذا الجمود جذوراً أعمق في الاجتماع الإسلامي، فإن الانطلاق من مقولة التفوق الغربي وضرورة اللحاق يعني الافتراض بأن الأنموذج الغربي الأوروبي الحديث هو أنموذج إنساني عالمي في جوهره، وأنه يمثل آخر حلقات مسيرة التقدم الإنساني، وأن الإصلاح الإسلامي لابد أن يسير حتماً في طريق التقدم هذه حتى يصل إلى غاياتها المفترضة.


لا يعني هذا أن الخطاب الإصلاحي الإسلامي لم يخضع مفهوم التقدم لتشريح فلسفي صارم فحسب، بل إنه تجاهل وإلى حد كبير النتائج البشعة لصعود النموذج الأوروبي الغربي منذ بروزه كقوة فاعلة على المسرح الإنساني.

ولا شك أن هذا التجاهل لابد أن يدعو لإثارة التساؤلات والشكوك حول توازن وحكمة المشروع الإصلاحي. لقد حملت الدولة القومية الأوروبية الحديثة بمؤسساتها الدستورية والديمقراطية، مشروعاً إمبريالياً عالمي النطاق، أهدرت ما بين تواريخ حملاته حياة وسعادة وثروات الملايين من البشر،

أو تعرضت للنهب. كيف يمكن أن تكون فرنسا القرن التاسع عشر هي الملهم لرؤى الطهطاوي وعبده ورضا باشا الإصلاحية فيما جنرالاتها يغرقون في دماء مئات الألوف من الجزائريين والأفارقة؟ وكيف يمكن رؤية المؤسسة الديمقراطية الغربية باعتبارها ذروة الإبداع السياسي الحضاري للمسيرة الإنسانية ولا ترى الشرعية التي قدمتها لإفناء عشرات الملايين من الهنود الحمر ولاحتلال معظم آسيا وأفريقيا وللحرب الدموية في فيتنام ولمشروع الاقتلاع الصهيوني؟ هل يمكن أن يعاني أنموذج حضاري ما من هذا القدر من الشيزوفرينيا، ولهذا القدر من الزمان، بدون أن تطرح تساؤلات كبرى وعميقة حول أسسه الحضارية؟ ولكن الإشكال الأكبر أن المشروع الإمبريالي لم يجد الدعم والشرعية من مؤسسات الدولة الديمقراطية الغربية فحسب بل ومن الأغلبية العظمى من المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الأوروبيين والأمريكيين بأجنحتهم ومدارسهم المختلفة.

بيد أن ما يجعل إشكاليات المشروع الإصلاحي الإسلامي أكثر تعقيداً أنه على مستوى الداخل الإسلامي لم يرَ عناصر الاكتفاء الذاتي والفعالية التاريخية لمؤسسات الاجتماع الإسلامي. المفكر الإصلاحي هو بلاشك مسلم مهموم بحالة الأمة، مسكون بأزمة الافتراق بين ماضيها المشبع بالمجد وحاضرها المحاصر،

ولكنه رأى موروثه الإسلامي بمنظار ضيق وغير تاريخي، رآه من خلال النص المجرد ولم يرَ تعقيدات وتجلياته الاجتماعية والسياسية وقدرة مؤسساته على الصمود وعلى الاستجابة لمتطلبات قرون طويلة من الزمان، وقدرتها على الحفاظ على الجماعة ـ الأمة. إن الدولة العربية الإسلامية الحديثة، دولة ما بعد الاستعمار المباشر، التي يشكل عنفها واستبدادها أهم محفزات العودة الحادة للخطاب الإصلاحي، هي في حقيقتها سليلة حركة التحديث في العالم الإسلامي وليست وليدة الثقافة ومؤسسة الدولة الإسلامية التقليدية. بل وحتى إن سلمنا بصواب مشروع التركيب الإصلاحي، مشروع المزاوجة بين الموروث الإسلامي وتجليات الأنموذج الغربي الحديث، كيف يمكن أن تتحقق هذه المزاوجة بمجرد البحث عن غطاء نصي لشرعية الاستعارة من الغرب (النظام الديمقراطي مثلاً) وبدون النظر في ميراث قرون طويلة من الحياة السياسية الإسلامية؟

تثير الدعوة إلى إحياء المجتمع المدني ملاحظات شبيهة بتلك التي تثيرها الدعوة إلى بناء نظام ديمقراطي إسلامي. إن مصطلح المجتمع المدني، الذي يعود في جذوره إلى الفلسفة الهيغيلية، يدل في سياقه الغربي على الانقلاب الاجتماعي الهائل الذي شهدته أوروبا الغربية كنتيجة لظهور الدولة القومية

، صعود البرجوازية وانتقال مراكز الثقل الاجتماعي من الإقطاعيات إلى المدينة، وتفكك العلاقات التقليدية العائلية لصالح مجتمع الأفراد، المجتمع المدني هو بالتالي المجتمع الذي حل فيه الفرد محل علاقات الاجتماع التقليدية، وحل فيه صراع المصالح الفردية محل الولاء التقليدي للعائلة والقبيلة، وقد استجاب الفكر الغربي السياسي لإشكاليات هذا الانقلاب الاجتماعي الكبير بطريقتين مختلفتين، اختلافاً كمياً وليس نوعياً.

تصور هيغل أن اصطدام مصالح الأفراد المتضاربة هو أهم معضلات المجتمع المدني (المجتمع الحديث) وتوقت بأن يتكفل صعود الدولة بصفتها المؤسسة الاجتماعية المهيمنة والمطلقة، المجسد للخلاص الإنساني، بتقديم الحل لهذه المعضلة. ويقابل رؤية هيغل التفاؤلية رؤية أقل تفاؤلاً لدور الدولة قدمها دي توكوفيل الذي رأى أن تفكك العلاقات التقليدية يحمل معه مخاطر انهيار ميزان القوى بين مجتمع الأفراد والدولة لصالح الأخير.

وبعكس هيغل تصور توكوفيل أن مشكلة الحداثة هذه لا يمكن إيجاد حل نهائي لها. الممكن الوحيد هو التخفيف من طغيان الدولة عن طريق قيام روابط مدنية طوعية يبن الأفراد (نقابات، جمعيات، نواد.. إلخ). الاتجاه الفكري الثالث الذي مثلته الحركة الفوضوية تم عزله مبكراً من السياق العام للجدل الفكري والسياسي الأوروبي ولم يعد مصدر إلهام ووعي عام.

أين يقع الخلل في الدعوة الإصلاحية الإسلامية إلى إحياء المجتمع المدني؟ تتعلق الإشكالية الأولى بعدم ملاحظة التفاوت بعيد المدى في استجابة المجتمعات الأوروبية الغربية والمجتمعات الإسلامية لحركة التحديث. فبعد أكثر من قرن ونصف القرن من التعرض لموجات التحديث لا تزال التكوينات التقليدية لمعظم المجتمعات العربية ـ الإسلامية قوية فاعلة، بما في ذلك عصبيات الطائفية والعرق والعائلة الممتدة والقبلية، إضافة لعصبيات البيئة المشتركة والتجمعات المهنية.

وإذا استثنينا حفنة من المدن العربية ـ الإسلامية فإن من الصعب الحديث عن مجتمع أفراد، مما يجعل الاستعارة الإصلاحية للمجتمع المدني استعارة مضطربة وغائمة التوجه. مضطربة لأنها تخلط بين تجربة الأمة المدينية التقليدية، وبين خصوصيات الانتقال الغربي من مجتمع الإقطاع إلى المجتمع المدني.

وغائمة التوجه لأن المفترض في هذه الدعوة أنها تسعى إلى تقوية المجتمع على حساب الدولة، في الوقت الذي يستبطن فيها تبنيها للتصور الغربي للمجتمع المدني أنها تفترض انهيار التكوينات والعصبيات التقليدية. ليس هذا مجرد استقراء منطقي لتناقضات الخطاب الإصلاحي، بل أن هناك العديد من الشواهد الواقعية في المناطق التي وصلت فيها قيادات إسلامية ذات جذور إصلاحية للسلطة (مثل إيران) والسودان) إلى أن المشروع السياسي الإصلاحي المعاصر يتحرك بالفعل على أساس استعارة نموذج الدولة القومية الأوروبي الحديث،

بما يعنيه ذلك من تجاهل التكوينات التقليدية ـ الحية الفاعلة ـ للمجتمع الإسلامي، وعدم المبالاة بإحياء التكوينات التاريخية التي تعرضت للإنهاك والإضعاف أو تلك التي التهمتها موجات حركة التحديث. كما لا يخفى أن الخطاب الإصلاحي الإسلامي، منذ عبده إلى معسكر الرئيس خاتمي إلى العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين المعاصرين، يحمل توجساً وشكوكاً، بل وعداءً واضحاً في بعض الأحيان، تجاه القوى التقليدية، من مؤسسةالعلماء إلى الطرق الصوفية إلى الزعامات الجهوية التقليدية.

لقد آن الأوان لبدء حوار جديد حول الأساس والمرتكزات التي قام عليها الخطاب الإسلامي الإصلاحي الحديث والمعاصر، حوار يتجاوز المحاكمات التجريدية وسلطات التكفير والعزل، كما يتجاوز الظنون النخبوية بامتلاك الحق.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.36%)]