رد: معالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري
حول إشكاليات الخطاب السياسي الإصلاحي الإسلامي
أشرت في مقالة الأسبوع الماضي إلى أن الدعوة إلى إحياء المجتمع المدني وإقامة نظام سياسي ديمقراطي قد أصبحت لها السيادة في الخطاب السياسي للإصلاحيين الإسلاميين المعاصرين.
ولا يخفى أن الإصلاحيين الإسلاميين يرون في عنصري دعوتهم ترابطاً حتمياً، فليس من الممكن إقامة نظام ديمقراطي بدون هيئات مدنية مستقلة تربط بين مؤسساته (أجهزة الحكم والبرلمان والأمن والقضاء) وأفراد المجتمع، سواء للتعبير عن مصالح ومطالب فئات المجتمع المختلفة أو لكبح جماح مؤسسات الدولة. نجد في بعض الحالات هذه الدعوة صريحة وقاطعة، بل وتحمل في طياتها نبرة ميتافيزيقية خلاصية تعطي الانطباع بأن الديمقراطية والمجتمع المدني هما ملاذ الأمان والطريق الوحيد للإنقاذ الاجتماعي والسياسي.
وفي حالات أخرى نجد هذه الدعوة مضمرة، يعبر عنها بشكل غير مباشر، كما في حالة معسكر الرئيس خاتمي في إيران، الذي يبدو أنه يخشى في هذه المرحلة المبكرة من مشروعه الإصلاحي الصدام مع القوى التي قد ترى في الدعوة إلى الديمقراطية (أكثر من الدعوة إلى إحياء المجتمع المدني) سعياً للمصالحة مع الأنماط الغربية السياسية التي عبرت الثورة الإسلامية في إيران عن خطاب معاد لها. بغض النظر عن الفروق في حدة ووضوح الخطاب السياسي الإسلامي الإصلاحي بين هذا الطرف أو ذاك،
فالذي يصعب إنكاره أن مقولتي الديمقراطية والمجتمع المدني قد ولدا من جذرين أساسيين: الأول هو موروث الحركة الإصلاحية الإسلامية الذي بدأ في التبلور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع الأفغاني وعبده ورضا والسياسيين العثمانيين الشبان مثل مدحت باشا والحركة الدستورية في إيران.
والاستبداد والقهر التي مارستها الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، والمنطقة العربية منه بشكل خاص، ومناخ الحريات والتحول إلى الديمقراطية الذي ساد الخطاب والحياة الأوروبية عشية انهيار الكتلة الشيوعية والاحتفال الغربي بانتصار الكتلة الرأسمالية الليبرالية. على أن من الوهم المساواة بين فعالية هذين الجذرين، ذلك أنه لولا التأسيس الفكري والشرعي الذي وضعته الأجيال الأولى من الإصلاحيين الإسلاميين لفكرة استعارة ومزاوجة مؤسسات الاجتماع والسياسة الغربية بالموروث الإسلامي لكان من الصعب أو من المستحيل أن يجد الإصلاحيون المعاصرون الثقة والإحساس القوي بالمشروعية لتبني الدعوة إلى الديمقراطية وإحياء المجتمع المدني.
إن أحداً لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يغفل عن الموروث الهائل للحركة الإصلاحية الإسلامية، سواء في إحياء تقاليد التدين العالية. وقد أشرت في مكان آخر (ولا مجال هنا للتفصيل) إلى أن الحركة الإصلاحية الإسلامية هي أهم وأبرز ظاهرة فكرية في الحياة الإسلامية في القرن الأخير كله، ليس فقط للتنوع والدينامية الهائلة لخطابها، بل وأيضاً لأن مقولاتها لا تزال هي المؤسس لمعظم الخارطة الفكرية واتجاهات الحوار والجدل في الساحة الإسلامية.
على أن من الخطل أن لا تحاول الأجيال العربية والإسلامية اللاحقة تقويم الموروث الإصلاحي ورؤية جوانب الضعف أو الإشكاليات المعرفية التي حملها هذا الموروث. وسأحاول في السطور القليلة المتبقية من هذا المقال أن أفتح باب النقاش حول بعض مقولات الإصلاحيين وحول الآثار التي تركتها على خطاب الإصلاحيين الإسلاميين المعاصرين، مركزاً بشكل خاص على مقولتي الديمقراطية والمجتمع المدني.
إن الأساس الذي أقيم عليه المشروع الإصلاحي الإسلامي منذ العقود الأخيرة للقرن الماضي هو الاعتقاد بتفوق الغرب الأورو ـ أمريكي على العالم الإسلامي، وأن هذا التفوق قد تحقق نظراً للجمود الذي أصاب الحياة الإسلامية في القرون القليلة السابقة (أو ما يسمى بعصر الانحطاط الإسلامي). لقد ولد هذا الاعتقاد كما هو معروف من ساحات المعارك ومن تحت دخان البارود،
عندما بدأت الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى (وخاصة الإمبراطورية العثمانية) في التراجع أمام الزحف الأوروبي في القرن الثامن عشر. كانت الهزائم العسكرية المتلاحقة والمرة، وليس الحوارات والجدل الفكري حول التشريع والآداب، هي التي جعلت النخبة الإسلامية الإصلاحية تعتقد بتفوق الغرب بعد أن ساد الجمود وغيبة الاجتهاد والركون إلى أوهام التصوف والدراويشي المنحرف الحياة الإسلامية. وقد تولد عن هذا الاعتقاد مجموعة من توجهات الإصلاح وإعادة البناء،
التي رغم اختلافها في الكثير من التفاصيل، التقت حول منطلق فلسفي ـ اجتماعي واحد: إن ردم هوة التفوق الغربي غير ممكن بدون إيجاد مركب يجمع بين الموروث الإسلامي وعناصر قوة النموذج الغربي. بقدر كبير من التبسيط، يمكن القول بأن هذا هو جوهر المشروع الإصلاحي، ليس فقط لدى الأفغاني وعبده ورضا، بل وبشكل عام طوال القرن الماضي.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|