رد: معالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري
5 ـ الخطاب الإسلامي الجديد لا يقنع باستيراد الإجابات الغربية الجاهزة على الأسئلة التي يطرحها عليه الواقع ويتسم بأنه بالضرورة خطاب شامل، فعلى المستوى الجماهيري يطرح شعار "الإسلام هو الحل"، ولكن على المستوى الفلسفي يطرح شعار "الإسلام هو رؤية للكون"،
وهو يتعامل مع كل من اليومي المباشر والسياسي، والكلي والنهائي، أي أن الخطاب الإسلامي الجديد يصدر عن رؤية معرفية شاملة يولد منها منظومات فرعية مختلفة: أخلاقية وسياسية واقتصادية وجمالية، فهو منظومة إسلامية شاملة تفكر في المعمار والحب والزواج والاقتصاد وبناء المدن والقانون، وفي كيفية التحليل والتفكير. وفي توليد مقولات تحليلية مستقلة. ولذا فالخطاب الإسلامي الجديد لا يقدم خطاباً للمسلمين وحسب، وإنما "لكل الناس" حلاً لمشاكل العالم الحديث، تماماً مثلما كان الخطاب الإسلامي أيام الرسول عليه الصلاة والسلام.
6 ـ بسب انفتاح الخطاب الجديد بشكل نقدي تفاعلي على الحداثة الغربية، نجده قادراً على الاستفادة بشكل خلاق منها دون أن يُستوعب فيها، فمقولات مثل الصراع الطبقي وضرورة التوزيع العادل للثروة وقضية المرأة وأثر البيئة على تشكيل شخصية الإنسان هي قضايا مطروحة داخل المنظومة الإسلامية، ولكن حساسية الخطاب الجديد وإدراكه المتعمق لها ازداد من خلال احتكاكه بالحداثة الغربية. كما أن حَمَلَة الخطاب الجديد لا مانع عندهم من الاستفادة بهذه الحداثة في اكتشاف آليات الحلول أو حتى الحلول ذاتها، ما دامت لا تتناقض مع النموذج الإسلامي.
7 ـ الانفتاح على المنظومة الغربية والتفاعل النقدي معها يجعل الخطاب الجديد مدركاً لأبعاد كان من الصعب إدراكها دون هذا التفاعل، فمسألة مثل العلاقات الدولية والكوكبة والبعد الكوني في الظواهر المحلية وخطورة الإعلام والدولة المركزية وزيادة وقت الفراغ وعمليات التنميط التي تسم الحداثة الغربية هي أمور لم تكن مطروحة على الإنسان من قبل، ومن ثم لم يطرحها الخطاب الإسلامي القديم.
8 ـ اكتشاف الخطاب الإسلامي الجديد أن الانفتاح على الحداثة الغربية ودراستها بشكل نقدي خلاق قد يفيد في تنمية الوعي النقدي، فمن خلال معرفة الآخر والتعمق في معرفته سندرك الطريق المسدود الذي دخله وحجم الكارثة التي يعاني منها، فنزداد معرفة وثقة بأنفسنا وإدراكاً لذاتنا بكل أبعادها، وسيساعدنا هذا الموقف المنفتح النقدي التفاعلي على اكتشاف الإمكانات التوليدية الخلاقة داخل المنظومة الإسلامية.
9 ـ يدرك الخطاب الإسلامي الجديد أن العلوم الإنسانية ليست علوماً دقيقة عالمية محايدة (كما يدعي البعض) وأنها تحتوي على تحيزات إنسانية عديدة، وتختلف بشكل جوهري عن العلوم الطبيعية، وأنها لا تفقد قيمتها لذلك، بل إنها تزداد مقدرة على التعامل مع ظاهرة الإنسان. وينبع الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية من أن الموضوع الأساسي للعلوم الإنسانية، أي الإنسان لا يمكن رده في كليته إلى النظام الطبيعي/المادي، فالواقع الإنساني غير مترادف مع الواقع المادي، رغم وجود الإنسان في عالم الطبيعة/المادة. ولذا فالخطاب الإسلامي الجديد يحاول أن يؤسس علوماً إنسانية لا تستبعد الإنسان ومن ثم هي مختلفة في منطلقاتها وطموحاتها ومعاييرها عن العلوم الطبيعية، ولا تزعم أنها محايدة منفصلة عن القيمة بل تعبر عن المنظومة القيمية الإسلامية (وهذه هي إسلامية المعرفة).
10 ـ يدرك حَمَلَة الخطاب الجديد ما يسمى "العلم في منظوره الجديد" وهو علم يحتوي على مفاهيم مثل اللاتحدد، ولا يتحرك داخل إطار المفاهيم السببية الصلبة التي كان يتحرك العلم القديم في إطارها.
11 ـ يدرك الخطاب الإسلامي الجديد أن مفردات المعجم الغربي ليست جزءاً من معجم لغوي وحسب، وإنما جزء من معجم حضاري متكامل، فكلمات مثل "التقدم" تجسد مفاهيم وتوجد داخل سياق حضاري مركب يحدد مضمونها ومعناها.
12 ـ من أهم ثمرات الانفتاح النقدي على الغرب إدراك تركيبية مقولة العقل والتناقضات الكامنة فيه، فكلمة "العقل" في المنظومة الإسلامية تحمل معنى محدداً، وقد تصور الجيل السابق (بسبب إعجابه بالحضارة الغربية ولعدم تملكه لناصية خطابها الحضاري) أن كلمة "عقل" في المعجم الفلسفي الغربي الحديث مترادفة مع كلمة "عقل" في المعجم الإسلامي، ولذا كان هناك إعجاب عميق بالعقلانية الغربية وبفكر حركة التنوير الغربية. ولكن الخطاب الجديد على علم بالدراسات النقدية الغربية في قضية العقل والتي قامت بتقسيمه إلى عشرات العقول: العقل الأداتي ـ العقل النقدي ـ العقل الوظيفي ـ العقل الإمبريالي ـ العقل المجرد.. إلخ كما تتحدث هذه الدراسات عن "نفي العقل" و"تدمير العقل" و"تفكيك العقل" و"إزاحة العقل عن المركز". ولذا لم يعد من الممكن افتراض أن كلمة "عقل" كما وردت في المعجم الغربي الحديث، ومع ظهور النزعات اللاعقلانية والعبثية في الغرب أصبحت المسألة أكثر وضوحاً وتبلوراً.
13 ـ يدرك الخطاب الإسلامي الجديد قضية انفصال العلم والتكنولوجيا والإجراءات الديمقراطية عن القيمة والغاية الإنسانية. ويحاول الخطاب الإسلامي الجديد حل هذه الإشكاليات، فمثلاً في حالة انفصال العلم والتكنولوجيا عن القيمة يحاول الخطاب الإسلامي الجديد الاستفادة من العلم والتكنولوجيا وكل ثمرات الحضارة الغربية دون أن يتبنى رؤيتها للكون، بحيث تمكن مزاوجة الرؤية العلمية التي تدعي الحياد والمنظومة القيمية الإسلامية، بل ويسري الشيء نفسه على الديمقراطية، فمحاولة التمييز بين الديمقراطية والشورى هي محاولة لاستيعاب الإجراءات الديمقراطية داخل المنظومة القيمية الإسلامية، بحيث لا تصبح الإجراءات الديمقراطية المتجردة من القيمة هي المرجعية، وحتى تظل الإجراءات وسيلة لا غاية.
14 ـ يدرك الخطاب الجديد المكون الحضاري في الظواهر، فالخطاب القديم يقف عند حدود التمييز بين الحلال والحرام، فالسيارة والهامبورغر ولا شك حلال، واللحم المعلب إن كان لا يحتوي على مكونات الخنزير حلال، وهكذا، أما البعد الحضاري الكامن في السيارة على سبيل المثال، حينما يدير المرء مفتاح سيارته، فهو لا يتعامل مع مجرد آلة توصله من مكان لآخر، بل يتعامل مع رؤية كاملة للكون يتطلب تسييرها البحث عن البترول وشق بطن الأرض وحمل البترول عبر البحار، الأمر الذي يتسبب عنه تلويث الجو والبر والبحر. ثم تؤسس مدن على أساس ضرورة تعظيم سرعة السيارة فتهدم الأحياء التقليدية والمباني التراثية وتصبح السرعة هي المعيار الوحيد للحكم على مدى صلاحية المدينة أو فسادها وهكذا، وقل الشيء نفسه عن ساندوتش الهامبورغر والتيك اواي فالمكون الحضاري الكامن في هذه السلع، التي تبدو بريئة تماماً وحلالاً بشكل قاطع ولا غبار عليها من الناحية الدينية المباشرة، مرتبط برؤية للكون تقف على طرف النقيض من رؤية الكون الإسلامية، وهذا ما يدركه دعاة الخطاب الإسلامي الجديد.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
|