عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12-04-2011, 12:02 AM
الصورة الرمزية أبو جهاد المصري
أبو جهاد المصري أبو جهاد المصري غير متصل
قلم فضي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 4,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: معالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري

وهكذا أصبحت المنظومة الإسلامية جزءاً من المنظومة العامة التي سادت العالم الثالث منذ بداية القرن الحالي، حين كان الجميع يبذلون قصارى جهدهم في اللحاق بالغرب والتنافس معه على أرضيته،

وقد نادى الليبراليون في بلادنا بتبني المنظومة الغربية الحديثة بحلوها ومرها، وتمرد الماركسيون قليلاً وطرحوا إمكانية أن ندخل الحداثة الغربية من خلال بوابات الماركسية والدفاع عن مثل العدالة الاجتماعية، أما الإسلاميون فقد تصوروا إمكانية تبني منظومة الحداثة الغربية ومزجها بالإسلام، ولكن الجميع، على الرغم من اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم، قد حولوا الغرب إلى المرجعية الشاملة الصامتة (وهذه هي رؤية الكون الكامنة وراء معظم الأيديولوجيات العلمانية والدينية في العالم العربي والإسلامي)،

وبطبيعة الحال تراجعت المنظومة الإسلامية وتقلصت أبعادها وفقدت شمولها باعتبارها رؤية للكون، وبدلاً من طرح تصورات إسلامية لكل مجالات الحياة، أصبحت القضية هي "أسلمة" بعض جوانب الحداثة، وكانت هذه الأسلمة تأخذ في معظم الوقت شكل "حذف" المحرمات بلا إضافة ولا إبداع، وتأكيد الجوانب "الحلال" في الحضارة الغربية أو البحث عن تلك الجوانب في المنظومة الإسلامية التي لها ما يقابلها في تلك الحضارة الغربية (الأمر الذي يعني ضمور الجوانب الأخرى التي تشكل صميم خصوصية المنظومة الإسلامية).

حَمَلَة الخطاب الإسلامي الجديد لا يشعرون بالإعجاب نفسه تجاه الحداثة الغربية، ولذا نجد أن خطابهم ينبع من نقد جذري لها، وهم في هذا لا يختلفون عن كثير من المفكرين والحركات السياسية في العالم الثالث والعالم الغربي في الوقت الحاضر، فالماركسية هي شكل من أشكال نقد الحداثة، نبعت منه مدرسة فرانكفورت التي عمقت هذا النقد، والأدب الرومانسي (كما أسلفنا) كان احتجاجاً على الحداثة الغربية، ولكن احتجاج الأدب الحداثي كان أكثر عمقاً وجذرية، فهو الذي يصور عالم الحداثة المتشيئ، حيث يتحول الإنسان إلى شيء،

وتفقد الأشياء معناها، وتنكسر حلقة السببية تماماً، ومسرح العبث هو جزء من هذا الاحتجاج الغربي على الطريق المسدود الذي أوردتنا إياه الحضارة الغربية الحديثة، وقد ظهرت أخيراً الأصولية الدينية كامتداد جماهيري شعبوي لهذا الاتجاه الفكري، وفي العالم الثالث نجد أن الفكر القومي هو في جوهره محاولة لدخول عالم الحداثة من بوابات غير غربية، ودون فقدان الخصوصية، أي أنه ثمة إدراك ضمني مفاده أن الحداثة الغربية تنزع الخصوصية عن الإنسان وتفرغه من مضمونه الإنساني، والخطاب الإسلامي الجديد هو جزء من هذا التيار العالمي الأكبر، وليس مقصوراً علينا بأية حال، فثمة إحساس في أرجاء العالم، وأخذ شكلاً إسلامياً في العالم الإسلامي.

ومع هذا يمكن القول بأن النقد الإسلامي للحداثة يختلف عن أشكال نقد الحداثة في بقية العالم إذ أنه يدرك مدى ارتباط منظومة الحداثة الغربية بالإمبريالية الغربية، ويدرك صعوبة فصل الواحد عن الآخر (والإمبريالية على أية حال كانت هي أول تجربة لنا مع الحداثة والاستعمار الاستيطاني الصهيوني هو آخرها).

كما أن النقد الإسلامي للحداثة يتسم بأنه متفائل لأنه يطرح حلولاً على عكس النقد الغربي للحداثة فهو متشائم عدمي.
هذه هي نقطة الانطلاق الأساسية التي تتفرع عنها كل السمات الأخرى التي يمكن أن نوجزها فيما يلي:

1 ـ الخطاب الإسلامي الجديد ليس اعتذارياً، ولا يحاول أن يقول "نحن سبقنا الغرب في كذا وكذا" ولا يتحدث عن الأمجاد الغابرة، ولا يبذل دعاته جهداً كبيراً في محاولة تحسين صورة الإسلام في الخارج، ومع هذا لا يرفض حَمَلَة الخطاب الجديد الغرب بشكل قاطع ولا يصورونه باعتباره مصدراً لكل الشرور فموقف الرفض الكامل للغرب، شأنه شأن القبول الكامل له، يفترض الغرب كمرجعية صامتة.

2 ـ ما يرفضه الخطاب الإسلامي الجديد في واقع الأمر هو المركزية والعالمية التي يضفيها الغرب على نفسه (ويضفيها الآخرون عليه)، كما يرفض الخطاب الإسلامي الجديد إمبريالية الغرب (المرتبطة بالدولة المركزية)، وعمليات النهب والقمع التي قام بها في الماضي والتي تأخذ أشكالاً جديدة في الحاضر لا تقل ضراوة عن سابقتها وهو يرفض الجوانب السلبية في الحداثة الغربية، ويدرك أزمتها تمام الإدراك.

3 ـ على الرغم من أن الخطاب الإسلامي الجديد يدرك أزمة الحداثة الغربية، ويدرك أيضاً أنه لا يوجد أي مبرر لارتكاب أخطاء الآخرين وسلوك الطريق المسدود الذي أدى إلى أزمتهم، فإننا لسنا مثل الشيخ الجزائري الذي شم رائحة البارود ولم ير شيئاً آخر في الحضارة الغربية الحديثة، نعم لقد قرأنا "الأرض الخراب لإليوت ومسرحيات بيكيت وروايات كاحو العبثية وكتابات دريدا العدمية ونعرف أن الغرب قد بنى بنيته التحتية من خلال عمليات النهب (التي أدت إلى "التراكم الإمبريالي" وليس إلى "التراكم الرأسمالي" كما يقولون)، ولكننا نعرف أيضاً نظريات المعمار الغربية وكيفية استخدام الحاسوب ونظريات الإدارة المختلفة والآفاق الواسعة التي فتحتها الحداثة الغربية، فنحن نعرف مزايا هذه الحداثة، تماماً مثلما نعرف أنها يمكن أن توردنا مورد التهلكة، وندرك أنها منظومة طرحت أسئلة محددة على العالم لا مناص من الإجابة عليها، فعقولنا ليست صفحة بيضاء والبداية الإسلامية لا يمكن أن تكون من نقطة الصفر الافتراضية، ومن هنا ضرورة، بل وحتمية الاشتباك والتفاعل مع الحداثة الغربية واستيعاب ثمراتها دون أن نستوعب في منظومتها القيمية، باختصار شديد الخطاب الإسلامي الجديد لا يرى أي مبرر لاستيراد الحداثة الغربية بحلوها ومرها، فهو يقف على أرضيته الإسلامية ويطور رؤيته للحداثة الغربية ثم ينفتح عليها ويوجه النقد لها ويتفاعل معها، وهذا ما يمكن تسميته بالانفتاح النقدي التفاعلي (على عكس الانفتاح السلبي المتلقي أو الرفض الشامل المصمت الذي يتأرجح بينهما الخطاب القديم)

4 ـ الخطاب الإسلامي القديم خطاب توفيقي تراكمي (وهذا نابع من تقبله لكثير من جوانب الحداثة الغربية) فهو يأخذ أجزاء جاهزة من الحداثة الغربية (دون أن يدرك علاقتها برؤية الغرب للكون) ثم يأخذ أجزاء جاهزة من المنظومة الإسلامية (دون أن يدرك أن الإسلام يقدم رؤية شاملة للكون) ثم "يضيف" هذا إلى ذاك، أما الخطاب الجديد فهو خطاب جذري توليدي استكشافي لا يحاول التوفيق بين الحداثة الغربية والإسلام، ولا يشغل باله بالبحث عن نقط التقابل بين المنظومة الغربية الحديثة والمنظومة الإسلامية، فهو يبدأ من نقد جذري للحضارة الغربية الحديثة ويحاول اكتشاف معالم المنظومة الغربية الحديثة (باعتبارها رؤية كاملة للكون) والإمساك بمفاتيحها مع الاحتفاظ بمسافة بينه وبينها، وهو يعود للمنظومة الإسلامية بكل قيمها وخصوصيتها الدينية الأخلاقية والحضارية ويستبطنها ويستكشفها ويحاول تجريد نموذج معرفي منها، يمكنه من خلاله توليد إجابات على الإشكاليات التي تثيرها الحداثة الغربية وعلى أية إشكاليات أخرى جديدة، وترتبط بهذا المنهج التوليدي المحاولات الحديثة الرامية لتجديد الفقه من الداخل، فهي لا تنبع من محاولة فرض المقولات التحليلية الغربية على المنظومة الإسلامية، وإنما تحاول أن تكتشف المقولات الأساسية لهذه المنظومة الإسلامية، ويتم التجديد والإصلاح من خلال التوليد منها هي ذاتها باختصار شديد، الخطاب الجديد، انطلاقاً من أرضية إسلامية، يفتح باب الاجتهاد بالنسبة للمنظومة الغربية والموروث الثقافي الإسلامي.
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.32 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.52%)]