عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-04-2011, 12:00 AM
الصورة الرمزية أبو جهاد المصري
أبو جهاد المصري أبو جهاد المصري غير متصل
قلم فضي
 
تاريخ التسجيل: Aug 2009
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 4,623
الدولة : Egypt
افتراضي رد: معالم الخطاب الاسلامي الجديد د. عبدالوهاب المسيري

الموقف من الحضارة الغربية

ولنبدأ محاولة التمييز هذه من نقطة محورية، أي موقف كل من الخطاب الإسلامي القديم والجديد من الحضارة الغربية، فهذا الموقف هو الذي حدد كثيراً من ملامحهما وتوجههما وأطروحاتهما، ويجب أن ندرك أن دعاة الإصلاح الأُوَل كانوا يتعاملون مع الحضارة الغربية في مرحلة مختلفة عن المرحلة التي نتعامل نحن فيها مع هذه الحضارة، فعلى الرغم من أن النموذج العلماني (الشامل) هو النموذج الأساسي في التشكيل الحضاري الغربي الحديث منذ بدايته، فعلى الرغم من أنه يشغل المركز في وجدان الإنسان الغربي الحديث ويشكل رؤيته إلى الكون،

وعلى الرغم من أن الحضارة الغربية الحديثة كانت قد اتضحت هويتها باعتبارها حضارة إمبريالية شرسة، إلا أنها مع هذا كانت تحوي قدراً كبيراً من الثبات والإيمان بالقيم المطلقة على مستوى الرؤية، إن لم يكن أيضاً على مستوى الممارسة. كما كانت هذه الحضارة تدعي أنها حضارة إنسانية هيومانية متمركزة حول الإنسان،

وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم تكن كثير من الظواهر المرضية التي تسم المجتمعات الغربية في الوقت الحاضر قد ظهر بعد. وقد يكون من المستحسن أن نتصور العلمانية (الشاملة) لا باعتبارها نموذجاً ثابتاً، وإنما باعتبارها متتالية آخذة في التحقق تدريجياً في الزمان والمكان. ويمكننا القول بأن كثيراً من حلقات هذه المتتالية لم يكن قد تحقق بعد مع نهاية القرن التاسع عشر، فالحياة الخاصة كانت لا تزال بمعزل عن عمليات
العلمنة،

فكان الإنسان الغربي علمانياً شاملاً في حياته العامة، متديناً ملتزماً بأهداب الفضيلة وبالمنظومة الدينية المسيحية في حياته الخاصة، ولذا فالحضارة الغربية لم تكن حضارة علمانية مادية تماماً، فالقيم (الدينية والإنسانية) كانت تلعب فيها دوراً واضحاً وإيجابياً منحها قدراً من التماسك والغائية.

وحينما احتك المصلحون الإسلاميون الأُوَل بهذه الحضارة فهم لم يحتكوا بحضارة علمانية بالمعنى الشامل وإنما احتكوا بحضارة علمانية بشكل جزئي تمت علمنة بعض جوانب الحياة العامة فيها وحسب، ولم تكن الحلقات الأخيرة من متتالية العلمانية الشاملة قد تحققت بعد، أي أن كثيراً من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطاً ثابتاً وظاهرة محددة، كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها.
علاوة على هذا، لم يكن الخطاب النقدي الغربي للحداثة والاستنارة قد تبلور بعد، على الرغم من تعالي بعض الأصوات، فالأدب الرومانتيكي الغربي،

على سبيل المثال، هو في جوهره أدب احتجاج على كثير من جوانب الحداثة الغربية، وكتابات المفكر الإنجليزي إدموند بيرك وبعض المفكرين المحافظين تحتوي على إشارات لكثير من الموضوعات التي طورها الخطاب النقدي الغربي فيما بعد، إلا أن مثالب الحضارة الغربية، سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الممارسة، لم تكن مسألة واضحة بعد لدارسي ومراقبي هذه الحضارة.
الخطاب الإسلامي الجديد.. والغرب
__________________
مدونتي ميدان الحرية والعدالة
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 14.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 13.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (4.39%)]