عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-02-2011, 05:42 PM
الصورة الرمزية المسلمة الملتزمة
المسلمة الملتزمة المسلمة الملتزمة غير متصل
مشرفة الملتقى العام
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
مكان الإقامة: راحلة الى الله "فأدعوا لى "
الجنس :
المشاركات: 2,962
افتراضي رد: سورة يوسف: قراءة نفسية

النبي السجين:
رغم أن اختيار السجن قد يضع يوسف - عليه السلام - في موقف يكون فيه من الصاغرين - في أعين الناس على الأقل - إلا أن ذلك يحميه من الفتنة وأسبابها، كما أنه يرفع مقامه عند الله – تعالى - وقد استجاب الله لدعائه، وأنقذه من تسلُّط الهوى وسلطة المال والجاه؛ فصرف عنه كيد النساء؛ إذ حُكم عليه بالسجن حكماً احتياطيّاً.

لم يكن يوسف في السجن وحيداً كما كان في الجُبِّ؛ بل دخل معه السجن فتيان، ولا شك أنه قد نشأت بين الفتيان الثلاثة ألفة؛ جعلت كل واحد منهم يروي قصة سجنه، ويجد العزاء من خلال الاستماع إلى قصتَيْ زميليه الآخرين.

وتمضي الأيام ثقيلة في السجن، في انتظار الحكم النهائي، وفي صباح أحد الأيام، يقبل الفتيان على يوسف ليرويا ما رأيا في المنام، ويسألانه تأويل ما بدا لهما غريباً، وذلك لما توسَّما فيه من ذكاء وحسن خُلُق. ويبدو أن تأويل الأحلام شيءٌ كان يستأثر باهتمام الناس آنذاك استئثاراً كبيراً؛ إذ بعد رؤيا يوسف التي قصَّها لأبيه، تأتي في هذه السورة رؤيا الفتيان، ثم ستصادفنا في نفس السورة رؤيا ملك مصر، وهذا مما يدل على أهمية الرُّؤَى في فهم السلوك والتنبُّؤ به، ولكن عملية تعبير الرُّؤَى تحتاج إلى فهمٍ دقيقٍ، وذكاءٍ عالٍ؛ لما تحمله من رموز تبدو لغير الأذكياء طلاسم، يصعب فهمها وإدراك مراميها، ناهيك عن التنبُّؤ بما سيقع بناءً على تحليلها وتفسيرها.

ويتَّضح من سورة يوسف أن الرُّؤَى مصدرٌ للتنبؤ بالسلوك الذي قد يقع في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد، وذلك من خلال دراسة الرؤى الثلاث الواردة في هذه السورة، وهي: رؤيا يوسف، ورؤيا الفتيان، ورؤيا الملك. ومما لا شك فيه أن الرؤيا - كما يُفهم من هذه السورة - لا تختصُّ بالأنبياء والمؤمنين فقط، كما لا يُشترط أن يفهم صاحبها أبعادها ومراميها قبل وقوعها، مما يستدعي الاستعانة بذوي الاختصاص في هذا المجال، مما يدل أيضاً على أن تعبير الرؤيا قد يصبح علماً مستقلاًّ عن بقية العلوم، له موضوعه ومنهجه، وإن كان يرتبط بمواضيع أخرى، مثل علم النفس، وعلم الأعصاب، والفسيولوجيا، وعلم الاجتماع الثقافي، الخ.

فماذا رأي الفتيان في المنام، وهما في السجن ينتظران مصيريهما؟ {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:36]. لم يتسرع يوسف في إعطاء الجواب، وإنْ طمأنهما من البداية بأنه على دراية بعلم التأويل، الذي علمه الله إيَّاه، وأنه سيعبِّر لهما رؤيَيْهما، فراح أولاً يبيِّن لهما كيف لم يركن إلى أسلوب حياة الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، واتَّبع ملة آبائه الأنبياء: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وقرر يوسف - عليه السلام - أن الإيمان بالله، وعدم الشرك به من فضل الله عليه، وعلي آبائه، وعلي الناس، ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون، كما أكَّد على أن أكثر الناس لا يعلمون؛ لأنهم يعبدون أرباباً متفرقين، بدلاً من عبادة الله الواحد القهَّار.

وبعد هذا التذكير الذي قام به يوسف لتحضير نفسيَّة الفتيان، بدأ في تأويل رؤيَيْهما؛ حيث قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف:41]. فانظر إلى الأسلوب المباشر في تفسير الرؤيا، بعد التحضير النفسي الذي قام به قبل ذلك، وانظر إلى الاختصار الشديد والواضح جدا في عملية التأويل، وانظر إلى المعاني الرمزية في الرؤيا، وكيف استطاع يوسف - عليه السلام - بذكائه ونفاذ بصيرته، أن يدرك - بإلهام من الله تعالى - القيمة التنبُّئيَّة للرؤيا، بناءً على فهمه لموقفَيْ صاحبَيْه في السجن، وبناءً على ما كانا يشعران به ويفكران فيه.

وإيماناً منه بنجاة أحدهما؛ طلب منه يوسف - عليه السلام - أن يتذكره بعد خروجه، وأن يذكره عند ربه، لعله يعيد النظر في الحكم الصادر ضده ظلماً وبهتاناً، ولكن الفتى انشغل بأمور دنياه، ونسي تماماً ما وصَّاه به يوسف، ولم يتذكر التماس يوسف بأن يذكر قصته عند الملك، إلا بعد أن سمع رؤيا الملك، وقد مضت قبل ذلك بضع سنين، قضاها يوسف - عليه السلام - في السجن صابراً محتسباً، ولك أن تتصور مختلف الانفعالات والأفكار التي جالت بذهن يوسف وهو يقاسي وحيداً آلام السجن، بعيداً عن أهله ووطنه، ولكنْ لم يكن يوسف وحيداً في السجن؛ بل كان الوحي معه، وكان يدرك تماماً مغزى الرؤيا التي رآها؛ فكان ذلك عزاءه ومحطَّ آماله، فلم ييئس، ولم يقنط، وبقي ينتظر الفرج.


رؤيا الملك:
ويشاء الله - تعالى - أن يُرى الملك رؤيا لم يستطع فهم مغزاها؛ فلجأ إلى حاشيته، يقصُّ رؤياه، لعله يجد لها تفسيراً: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43]. فكيف أجابه الملأ الذين لم يفهموا معاني الرموز - (البقرات والسنبلات والسنين) - في الرؤيا؟ {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} [يوسف:44]. قد يبدو من هذا الجواب أن تأويل الأحلام لم يكنْ شيئاً معروفاً - كعلم - عند حاشية الملك، كما قد يرجع إلى أن أغلب الناس حينئذ - بل إلى الآن - لم يكونوا يعتقدون بأن للأحلام معاني ودلالات، وقدرة على التنبُّؤ بما سيقع مستقبلاً؛ بل يعتبرون الأحلام عبارة عن أضغاث، أي: خيالات وأوهام لا معنى لها، وفي هذا الموقف تجاهل - إن لم يكن جهلاً - لأحد مصادر المعرفة، التي قد تُفيد في فهم السلوك وغيره من الظواهر، إن بنيت على أساس من العلم المنهجي، بدلاً من "التخريف والتجديف" والادعاءات الكاذبة! ورغم هذا التجاهل والجهل، فقد اعترفت حاشية الملك بأنه لا علم لها بتأويل الأحلام؛ وفي هذا الاعتراف ما قد يدل على التواضع وعدم الادِّعاء، وإن كان إقراراً بجهلهم.

وجاء دور الذاكرة ليؤدي واجبه؛ فقد تذكر الذي كان في السجن مع يوسف صاحبَ سجنه، وتذكر قدرته على تأويل الأحلام؛ فطلب الترخيص له، ليسأل يوسف عن تعبير رؤيا الملك، وأسرع الخطى إلى السجن، وما التقى بيوسف حتى راح يستفتيه في رؤيا الملك ودلالتها، قائلاً: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} [يوسف:46]. فكان جواب يوسف - بعد أن أدرك المغزى الرمزي للرؤيا - عن السؤال مباشرةً، حيث قال: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف:47-49]. ونلاحظ هنا أن يوسف - عليه السلام - لم يكن أسير انفعالاته؛ إذ راح يقدم الجواب عن طيب خاطر، ولم يحاول استغلال الموقف.

ولاشك أن الملك قد أعجب إعجاباً شديداً بتعبير يوسف لرؤياه؛ فأمر بإحضاره، ولكن يوسف لم يمتثل هذه المرة لطلب الملك، بل ردَّ الرسول رداً جميلاً، طالباً منه أن يرجع إلى الملك، ويسأله عن النسوة اللاتي قطَّعنَ أيديهنَّ، وكِدْنَ له؛ لوضعه في السجن، حيث لبث بضع سنين، وفي هذا تعبير عن غضب يوسف على السلطة الحاكمة، التي لم تحاول تحرِّي الحقيقة وإنصاف المظلومين، وكان من أهداف يوسف من وراء ذلك: أن يدفع الملك ليتحرَّى بنفسه ما حدث، حتى تنجلي حقيقة الموقف، وينكشف المجرم، ويبرِّئ يوسف ذمَّته.


محاكمة النساء:
عندما سأل الملك نسوة المدينة عن مراودتهنَّ ليوسف، ومن هو المسئول عن ذلك، اعترفت النساء ببراءة يوسف، وعند هذا الحدِّ لم يكن هناك أمام امرأة العزيز إلا الاعتراف والإقرار بما قامت به؛ فقالت: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:51]. لقد اعترفت امرأة العزيز؛ فبرَّأت ساحة يوسف، وشهدت بصدقه، وبالتالي كذبها، وحمَّلت نفسه مسؤولية ما حدث، مشيرةً بصراحة إلى نفسها التي أمرتها بالسوء؛ أي: بالهوى والخضوع إلى نداءات اللذة، والتعسُّف في استخدام السلطة، ولا شك أن الانفعالات التي سيطرت على امرأة العزيز في هذه اللحظات قد تمثلت في الشعور بالإثم والندم على ما بدر منها، والغضب على سلوكها، مع مسحةٍ من الحزن.

ومما يُستخلص من قول امرأة العزيز: هو أن النفس أمَّارةٌ بالسوء أصلاً، أي: أن نوازع الشر جزء من الطبيعة البشرية، وهذه النوازع - حسب قولها - هي الغالبة عليه، ولا ينجو منها إلا مَنْ رحمه الله، وتداركه بغفرانه، مما يدل على أن الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - واستدرار رحمته منجاةٌ من الوقوع فريسةً سهلةً لنوازع الشر؛ الشيء الذي يكوِّن في النفس مقاومةً روحيةً لهذه النوازع، التي وإن كان لا يقضي عليها تماما، إلا أنها تضعف بازدياد الإيمان، واستبدال نوازع الشر بنوازع الخير والرحمة والمغفرة، ويرينا هذا الإدراك مثالاً لكيفية تأثير الجانب الروحي في الجانب الوجداني وفي السلوك، كما يرينا إدراك امرأة العزيز لعدم فلاح مسعى الخائنين وكيدهم، رغم تجنيدهم القوي للانفعالات السلبيَّة الهدَّامة، مثل الغضب والغيرة والحسد.

أما الملك الذي قاضي النساء، فقد اقتنع تماماً ببراءة يوسف، ولم يخبرنا القرآن الكريم كيف حكم على امرأة العزيز؛ بل يخبرنا أن الملك اتخذ قراراً سريعاً بإحضار يوسف، وجعله من المقربين. وفي هذا القرار إنصافٌ ليوسف - عليه السلام - من جهة، وتعويضٌ لما تعرَّض له من ظلم واضطهاد من جهة أخرى، خاصةً وأن الملك أراد أن يستخلصه لنفسه، مما أشعر يوسف بمودَّة وتقدير الملك له، كيف لا، وقد قال له الملك: {قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف:54].

ولقد أورد الزَّمَخْشَرِيُّ في تفسيره لسورة يوسف عن قتادة: أن هذا دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملاً من يد سلطان جائر، إذا علم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بذلك"


تعليق على الرؤى الثلاث في سورة يوسف:
1- الملاحَظ أن كل الرؤى رمزية في مضمونها وأشخاصها، ويتطلَّب فهمها تأويل الرموز الواردة فيها.
2 - أن للرؤى دلالات ثقافية مرتبطة بالبيئة الجغرافية؛ وبدون فهم الثقافة السائدة؛ لا يمكن فهم وتأويل الرؤيا، فالرؤيا الأولي: (ليوسف - عليه السلام -) تتعلق برموز فلكية (الشمس، والقمر، والكواكب)، وهي رمز للعلوّ، وتتضمن تلك الرؤيا موضوع السجود؛ والسجود لا يكون إلا لعظيم (الله، الملك). والرؤيا الثانية: (لأصحاب يوسف في السجن)، تتضمن (الخمر، والخبز، والطير). والرؤيا الثالثة: (للملك) ذات مضمون زراعي (سنبلات، وبقرات).
3 - أن الرُّؤَى ذات قيمة تنبُّئيَّة؛ أي: القدرة على استكشاف ما سيجري في المستقبل، سواء كان هذا المستقبل قريباً أم بعيداً.
4 - أن الرُّؤَى قد لا تتحقق إلا بعد مرور سنوات عديدة، كما هو الشأن في رؤيا يوسف.
5 - أن الرُّؤَى تؤثر في الجانب الوجداني في الإنسان، فغالباً ما تحيره وتقلقه، وقد تدهشه وتحزنه، كما قد تسرُّه!! فالرؤيا قد تحمل بُشْرَى كما قد تحمل نذيراً؛ وبالتالي فهي تؤثر في أبعاد الإنسان: الوجدانية، والعقلية، والسلوكية.
6 - ليس كل ما يراه الإنسان في الأحلام عبارة عن رُؤَى؛ فقد يكون بعض ما يراه الإنسان في المنام أضغاث أحلام، وبالرغم من ذلك؛ فإن لهذه الأضغاث معاني وأهدافاً، ولكنها لا تحمل بالضرورة قيمة تنبُّئيَّة.
7 - قد تدل الأحلام على الصراعات، وإشباع الرغبات التي لا يستطيع الفرد إشباعها في اليقظة، ولكن الرؤيا غير ذلك؛ إذ أن قيمتها تتمثل في التنبُّؤ أساساً.
8 - تأتي الرؤيا واضحةً، وإن كانت بصفة رمزية، وقد تتكرر نفس الرؤيا عدة مرات، بينما تأتي الأحلام غير واضحة، ويقع فيها خلط، ولذا تسمَّى بالأضغاث؛ فالأضغاث جمع ضِغْث، وهي حزمة من الحشيش التي تخلط فيها الأعشاب الطرية بالأعشاب اليابسة؛ وكذلك تكون الأحلام مختلطة في أغلب الأحيان.


يوسف القائد:
بالإضافة إلى ما اتصَّف به يوسف - عليه السلام - من حسن الخَلْق والخُلُق، وما آتاه الله من العلم والحكمة؛ فقد برزت صفة القيادة في شخصيته؛ إذ بمجرد ما شعر بتقريب الملك له، ورغبة هذا الأخير في تحميله مسؤوليةً ما، ومكافأته على صبره، وعلى ما أبداه من الحكمة والمعرفة، تبرَّع بعرض خدماته لتحمُّل مسؤولية الخزينة والاقتصاد.

لقد أدرك يوسف أن البلاد ستعرف سبع سنين من الرخاء، تعقبها أزمةٌ اقتصاديةٌ تدوم سبع سنوات أيضاً، يسودها القحط والجفاف والمجاعة، مما يستدعي قيادةً تتميز بالأمانة والعلم؛ وهاتان خاصَّتان أساسيتان في القيادة، وخاصةً في المجال الاقتصادي، أمانةٌ وعلمٌ خلال سنوات الرخاء؛ حتى لا يحدث الإسراف والتبذير، والمحاباة وخدمة المصالح الشخصية، وعلمٌ بفنون التسيير، والتقويم، والتخطيط، والتنظيم، والتنفيذ، والإنتاج، وكذلك الأمانة والعلم خلال سنوات الأزمة؛ حتى يتحمَّل الناس عواقبها الوخيمة بالعدل، وتحقيق حسن التوزيع، وترشيد الاستهلاك، والتخطيط للخروج من الأزمة بتجنيد القوى العاملة إلى أقصى الحدود، وتشجيع الناس على الإنتاج أكثر من الاستهلاك؛ لتحقيق النمو الاقتصادي.

وهكذا مُكِّن ليوسف - عليه السلام - في الأرض؛ فأصبح يتبوَّأ منصباً رفيعاً، تحيطه العناية الإلهية في جهوده القائمة على إتقان العمل والإخلاص فيه، والسعي حثيثاً لتحسين فنون الزراعة، وما يرتبط بها من سقي، وتعهُّد، ورعاية، وحصاد، وجمع، وتخزين، وتوزيع. ولابد أن يكون الإنتاج في سنوات الرخاء أعلى من الاستهلاك، ولابد أن يكون احتياطي الموارد الغذائية كبيراً، ومبنيّاً على حسابات دقيقة؛ بحيث يغطي هذا الاحتياطي حاجة المجتمع خلال سنوات الأزمة.


ومما يستخلص من هذا الموقف:
أولاً: حاجة التنمية الاقتصادية - وتنمية المجتمع بصفة عامة - إلى قيادة رشيدة، من خصائصها الرئيسة: العلم، والأمانة، وإتقان العمل، وما ينضوي تحتها من خصائص فرعية.

ثانياً: ينبغي أن يكون السلوك الإنتاجي مدروساً؛ بحيث يحقِّق فائضاً في الإنتاج؛ فلا يمكن أن تتحقق تنميةٌ اقتصاديةٌ إذا كان الإنتاج مساوياً للاستهلاك، ويزداد الأمر سوءاً إذا كان الإنتاج أقل من الاستهلاك، كما هو الحال في الدول المتخلفة. وقد أفاض مالك بن نبي - مثلاً - في شرح العلاقة بين الحقوق والواجبات، والإنتاج والاستهلاك .

ثالثاً: يتطلب التمكُّن والتمكين في الأرض خصائص قيادية، كنتيجة للعلم والحكمة، والتمحيص والابتلاء، والخبرة والممارسة.

رابعاً: تتطلب القيادة المرتبطة بالوحي والإيمان والتقوى الاعتقاد الجازم في الحصول على الأجر في الآخرة، وأنه أحسن من كل أجر، بالإضافة إلى الخصائص الأخرى المشار إليها أعلاه.

ومسَّ القحط والجدب مصر والمناطق الأخرى، وبدأت القوافل تتوافد على خزينة الملك للحصول على المواد الغذائية - (الحبوب خاصةً) - التي تولى يوسف - عليه السلام - الإشراف على توزيعها، وجاء أخوته ضمن مَنْ جاء، فعرفهم، ولكنْ لم يعرفوه، وكيف يعرفونه وهم قد تخلصوا منه، وباعوه بثمن بخس، وتوقعوا له مصيراً سيئاً؟! ولاشك أن يوسف قد اندهش لرؤية إخوته، ولكنه لم يُبْدِ دهشته؛ بل ونجح في التحكم في انفعالاته، وضبط سلوكه كما ينبغي؛ فوفَّاهم الكيلَ، وعاملهم بإحسانٍ، وأنزلهم منزلاً حسناً.

ويتطلب منَّا هذا السلوك وقفة تأمل؛ لنرى أن يوسف الذي أُلقي في الجُبِّ، ويوسف الذي تعرض للفتنة، ويوسف الذي سُجن بضع سنين، ويوسف الذي تولى خزائن الأرض، قد أُرشد بالوحي خلال كل هذه المراحل من جهة، وأُنضج بالتجارب والخبرات المتعددة والمثيرة من جهة أخرى، وهذا ما جعل سلوكه مع إخوته وغيرهم يتَّسم بالنضج، والرُّشد، والاتِّزان الوجداني.

بالإضافة إلى هذا؛ فإن ليوسف هدفاً هاماً، وهو الإتيان بأخيه الشقيق إلى مصر؛ لكي يراه ويطمئن على أبيه. قد استعمل يوسف الترغيب والترهيب للحصول على هذا الهدف، فقال: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} [يوسف:59]. ولا يخفى أن استعمال الترغيب أهمُّ من استعمال الترهيب للحصول على الهدف؛ ولذلك فقد عمد يوسف - عليه السلام - أولاً إلى استقبال إخوته استقبالاً جيداً، وإنزالهم منزلاً طيباً، وجهَّزهم أحسن تجهيز.

وبعد ذلك عمد إلى الترهيب، وذلك بتهديدهم بعدم الكيل لهم، وعدم الاقتراب منه إذا لم يحضروا أخاهم من أبيهم المرة القادمة، وقد نجحت خطة يوسف - عليه السلام - في إقناع إخوته بضرورة إحضار أخيهم، وزيادةً في الضغط على إخوته، فقد أمر بإرجاع بضاعتهم لكي يستخدموها كحجة عند أبيهم حتى يقتنع بضرورة إرسال شقيق يوسف معهم بالفعل؛ فقد قالوا لأبيهم بأنهم قد مُنعوا من الكيل؛ إلا أن يرسل معهم أخاهم، واعدينَ بأنهم سيحمونه: {فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف:63]. ولكنَّ أباهم لم يصدِّق وعدهم، وكيف يصدِّقهم وقد وعدوه من قبل حمايةَ يوسف، ثم ادَّعوا بأن الذئب قد أكله؟! وطافت ذكرى يوسف الحزينة بذهن النبي يعقوب - عليه السلام - فذكَّر نفسه وأبناءه بأن الله هو {خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64].

وعندما فتح الأبناء متاعهم اكتشفوا أن بضاعتهم قد رُدَّت إليهم مع الكيل؛ فأصيبوا بالدهشة، وبشيءٍ من الغضب والحزن على ذلك؛ فراحوا يستخدمون ردَّ البضاعة كورقة ضغط نفسيٍّ على أبيهم؛ فقالوا: {يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} [يوسف:65]. لكنَّ أباهم الذي هزته ذكرى يوسف الحزينة لم يقتنع بسهولة، وهذا أمر طَبَعِيٌّ؛ لأن تغيير اتجاه شخص ما نحو أشخاص آخرين كان قد اتخذ موقفاً سلبيًّا ضدهم، يتطلب جهداً كبيراً في التأثير على جوانبه العقلية والوجدانية مجتمعة، وبالفعل؛ فإن أباهم لم يقتنع حتى أعطوه عهداً ومَوْثِقاً من الله بحماية أخيهم، وعدم التفريط فيه، وأَشْهَدَهم الله - تعالى - على ما قالوا.

وكشأن الآباء المهتمين بأبنائهم؛ راح النبي يعقوب - عليه السلام - يوصي أبناءه بعدم الدخول من باب واحد عند وصولهم إلى مصر؛ بل ينبغي لهم الدخول من أبواب متفرقة، فلماذا أوصاهم أبوهم بذلك؟ وما هي الحاجة التي أخفاها يعقوب في نفسه؟

يقال أن عدد إخوة يوسف هو أحد عشر أخاً، وتفسَّر نصيحة أبيهم بأن يدخلوا من أبواب متفرقة بخوفه عليهم من الإصابة بعيون الحاسدين، ورغم دخول أبناء يعقوب من أبواب متفرقة، "إلا أنهم أصابهم ما أصابهم من تفرُّق وافتضاح" كما قال الزَّمَخْشَرِيُّ في "تفسيره". ويقول الزَّمَخْشَرِيُّ في تفسيره "الكشاف" عن الإصابة بالعين، إنه: " يجوز أن يُحْدِثَ اللهُ - عزَّ وجلَّ - عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصاناً فيه وخللاً من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاءً من الله، وامتحاناً لعباده؛ ليتميز المحقِّقون من أهل الحشو؛ فيقول المحقِّق: هذا فعل الله، ويقول الحَشَوِيُّ: هو أثر العين، كما قال – تعالى -: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر : 31]. وعن النبي - صلي الله عليه وسلم - أنه كان يعوِّذ الحسنَ والحسينَ، فيقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل عين لامَّة، ومن كل شيطان وهامَّة)) [6، ص333].

وقد يُردُّ على رأي الزَّمَخْشَرِيِّ هذا برأي أهل السنة والجماعة، الذين يرون أن العين حقٌّ، وأن تأثير العين من قبيل ربط الأسباب بالمسبِّبات، كربط الإحراق بالنار، وأن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى

ومهما يكن؛ فإن موضوع (الإصابة بالعين) في حاجة إلى مزيد من الدراسات الشرعية والنفسية والثقافية؛ لتوضيح حقيقتها، وكيفية إحداث التأثير في الآخرين، وسبل علاجها بالرُّقية الشرعية مثلاً.

ورغم احتياط النبي يعقوب - عليه السلام - بهدف حماية أبنائه، فقد كان يعلم تماماً بأن ذلك الاحتياط - الدخول من أبواب متفرقة - لن يغني عنهم من الله شيئاً؛ فلله الحكم، وعليه فليتوكل المتوكلون. وهنا حكمةٌ بالغةٌ تتجلى في إيمان يعقوب - عليه السلام - بضرورة التوكل على الله - تعالى - واعتقاده الجازم بأن الحكم بيده – تعالى - ورغم اعتقاده الجازم، فإن ذلك لم يمنعه من اتخاذ الأسباب الضرورية، واعتماد الاحتياطات المناسبة لحماية أبنائه مما قد يصيبهم إن دخلوا من باب واحد، وفي هذا الموقف تمييزٌ واضحٌ بين التوكل والتواكل.

لم تكن نصيحة النبي يعقوب - عليه السلام - لأبنائه صادرةً من قلب أبٍ رحيمٍ شفيقٍ على أبنائه فحسب؛ بل إن نصيحته قائمةٌ على علمٍ أيضاً، وهذا العلم مما آتاه الله إيَّاه، حيث وصفه الله تعالى بقوله: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف:68]. وتشير الآية الكريمة إلى أن هذا العلم مما يجهله أكثر الناس، ولذلك لم يخبر أبناءه لماذا ينبغي لهم الدخول من أبواب متفرقة؛ بل كتم حاجته من وراء ذلك، ولاشك أن الأبناء قد قبلوا نصيحة أبيهم، وعملوا بها؛ ففرح لذلك، وانشرح صدره.

وأقبل إخوة يوسف مع أخيهم غير الشقيق؛ فانفرد يوسف - عليه السلام - بأخيه الشقيق، فكشف له عن شخصيته الحقيقية، فقال: {إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [يوسف:69]. لقد أراد يوسف أن يدخل السرور إلى قلب أخيه، وطرد الحزن منه جرَّاء ما كان يرتكبه إخوته الآخرون من حماقات، وكانت لحظاتٍ رائعةً، سادتها الدهشة والمفاجأة السارَّة، وفرح اللقاء بعد أحزان الفراق. ولكم أن تتصوروا سرور أخوَيْن شقيقَيْن التقيا بعد عدة سنوات من الحزن وانعدام بارقة أيِّ أمل، ويشاء الله ويمهد الأسباب للقاء الأخوَيْن في مكانٍ لم يخطر لهما من قبل على بال، ولكم أن تتخيلوا دهشة شقيق يوسف عندما يكشف له شقيقه عن شخصيته، وكيف لا يندهش وقد أُخبر من طرف إخوته أن الذئب قد افترس يوسف، وجاؤوا بقميصه ملطخاً بالدماء؟! كيف لا يندهش، وقد رأى بأمِّ عينيه دماً على قميص شقيقه؟! والآن يرى بأم عينيه يوسفَ وقد تبوَّأ مكانةً عظيمةً في قصر الملك؟! كيف لا يفاجأ، بينما لم يكن طموحه في مجيئه مع إخوته إلى مصر يتعدى الحصول على كيل بعير من الحبوب، والرجوع به إلى أبيه سالماً مع إخوته؟!.

__________________
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]