
06-12-2010, 01:17 PM
|
 |
مشرف ملتقى اللغة العربية
|
|
تاريخ التسجيل: Aug 2010
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 873
|
|
رد: أسباب الذكر .. من "البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها" للأستاذ عبْدالرحمن حسن
أمثلة وتطبيقات المثال الأول قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) بشأن المتقين:{أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}.
في تكرير المسند إليه وهو اسم الإِشارة في الجملة الثانية مع فهم المراد دون ذكره غرض بلاغيّ وهو زيادة الكشف والإيضاح بالتنبيه على أنّهم كما تحقّق منهم أنّهم متمكّنُونَ من تحقيق الْهُدَى الذي جاءهم من عند ربّهم بأعمالهم الصالحة، فقد ثبت لهم أنّهم هم المفلحون عند ربهم يوم الدّين، أي: هم الظافرون بما يريدون والفائزون بجنّات النّعيم.
وفي هذه الإِعادة أيضًا فائدة جعل كلّ جملة من الجملتين وحدةً مستقلة، ولو انفردت كُلُّ جملةٍ منها لكانت كافية للدّلالة على الأخرى منهما عن طريق اللّزوم الفكري؛ لأنّ من كان على هدى من ربّه لا بُدّ أن يكون مُفْلِحًا، ومن كان من المفلحين فلا بدّ أنه قد كان على هُدىً من رَبِّه، ففي استقلاليّةِ كُلٍّ من هاتين الجملتين تأكيد لمعنى كلّ منهما عن طريق دلالة ما في الأخرى من اللُّزوم الفكري.
ونظيره قول الله عزّ وجلّ بشأن الّذِين كفروا في سورة (الرعد/ 13 مصحف/ 96 نزول): {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ (5)}.
ويكثر في القرآن ذكر المسند إليه أو المسند مع إمكانية حذفه أو حذفهما؛ لتكون الجمل مستقلّة، قابلةً لأن يُسْتَشْهد بها منفردة في المناسبات الداعيات إلى الاستشهاد بها.
ومن ذلك قول الله عزّ وجلَّ في سورة (آل عمران/ 3 مصحف/ 89 نزول): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)}.
لقد كان من الممكن الاستغناء بالضمير في "من الله - رضوان اللهِ - واللهُ ذو" لكن إعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجمل يجعل كلاًّ منها جملةً مستقلّة، مع ما في ذكر لفظ الجلالة من تربية الإِجلال والإِعظام في القلوب، وإمكان الاستشهاد ببعضها منفردةً عن سائرها.
ومن ذكر المسند والمسند إليه مع إمكان حذفهما قول الله عزّ وجلّ في سورة (لقمان/ 31 مصحف/ 57 نزول): {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [الآية 34].
فقد كان من الممكن أن يقال: ولا بأيّ أرض تموت.
ما جاء في سورة (طه/ 20 مصحف/ 45 نزول) بشأن تكليم الله موسَى عليه السلام:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى (19)}.
في هذا النَّصّ نلاحظ ذِكْرَ كلماتٍ كان من الممكن حَذْفُها دونَ أن يُؤَثِّرَ عَلى المعنى شيئًا. لقد كان يكفي أن يقول موسى عليه السلام في جواب سؤال ربّه: "عَصَايَ" دون أن يقول: {هِيَ عَصَايَ}. وكان من الممكن أن يقتصر على بيان أنها عصاه دون أن يشرح أعماله فيها بقوله: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)}. وكان من الممكن أن يقول الله عزّ وجلّ له: {أَلْقِهَا} دون أن يناديَهُ {يامُوسَى}.
لكن دعَا إلى بسط الكلام وإطالةِ الحديث رغبةٌ الإِيناسِ مِنَ الرَّبّ عزّ وجلّ، ورغبةُ التشرّف والاستئناس والتلذّذ بطول المحادثة من موسى عليه السلام.
في قصّة إبراهيم عليه السّلام وتحطيمه أصنام القوم التي كانت على أشكال الناس إلاَّ كبيرًا لهم، وذلك حين خرج القوم من بلدتهم لعيدٍ لهم ولم يخرج معهم إبراهيم عليه السلام. جاء فيها بيانُ سؤال قومه له عمّن حطّم أصنامهم، فأجابهم عليه السلام جوابًا فيه تعريض بغباوتهم، إذْ ذَكَرَ في كلامه ما يُمْكن فَهْمُه لو حذفه، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/ 21 مصحف/ 73 نزول): {قَالُواْ مَن فَعَلَ هَاذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُواْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ياإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ (63)}.
لَقَدْ كَان يكفي أن يقول لهم: "بل فعله كبيرهم"، أو يقول لهم: "بل فعله هذا"، لكنّه شعر أنّهم أغبياء إذْ يُدَافِعونَ عن آلهتهم من الأصنام التي حُطِّمَتْ، ولم تستطعْ أن تُدَافع عن أَنْفُسِها، ولم يُقْنِعهم تحطيمها بأنّها لو كانت تملك لأنفسها أو لغيرها نفعًا أو ضرًّا لحمت أنفسها من التحطيم، ولمنَعتْ مُحَطِّمَها من أن يجعلَهَا جُذاذا.
ومن كان يمثل هذا الغباء فإنّه يُناسبُه أن لا يُحْذَفَ له من الكلام ما يُمْكن أن يفهمه أقَلُّ النَاس ذكاءً وإدراكًا لدلالات القول.
جاء في المأثور من الأقوال ويُرْوى عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "اعمل لدُنيْاك كأنّكَ تعيشُ أبدًا، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَكَ تَمُوتُ غدًا".
نلاحظ في هذا القول تكرير عبارة "اعمل" في الجملة الثانية، مع إمكان فهمها لو حُذفت، والغرض إرادة زيادة التقرير والإِيضاح، مع جعل كلّ جملة وحدةً مستقلّة.
قول الشاعر الجاهلي "عمرو بن كلثوم" في معلقته يفاخر بقومه فيكرّر المسند إليه فيقول "وأنّا" مع كلّ منقبة يَصِفُ بها قومه:
وَقَدْ عَلِمَ الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ * إِذَا قُبَبٌ بأَبْطَحِهَا بُنِينَا
بِأَنَّا الْمُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا * وَأَنَّا الْمُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا
وأنَّا الْمَانِعُونَ إِذَا أَرَدْنَا * وأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا
وأنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا * وأنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا
وأنَّا الْعَاصِمُونَ إِذَا أُطِعْنَا * وأنَّا الْعَازِمُونَ إِذَا عُصِنَا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا الْمَاءَ صَفْوًا * وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِرًا وطِينَا
قُبَب: جمع قُبَّة، وهي بناءٌ معروف، وقد تكون من بيوت العَرَبَ الرُّحّل من الأقْمشَةِ والجلود. بأبْطَحِها: الأبْطَحُ: الأرض الخلاء الواسعة. إِذَا ابْتُلِينَا: أي: إذا امتحنَّا بالقتال.
ويصف قومه بأنهم أعِزَّاء يَمْنَعُون ما يريدون مَنْعَه فلا أحَدَ من الناس يُكْرِهُهُمْ على بذل شيءٍ لا يريدون بذله، ولا أحد من العرب يستطيع منعهم من أن ينزلوا بأيّ أرضٍ يريدون النزول فيها. ويصف قومه بأنّهم إذا سخطوا على إنسان مهما علت مكانته فإنهم يرفضون عطاياه ويتركونها، وإذا رَضُوا عنه فإنّهم يقبلون هداياه. ويصف قومه بأنَّهم يَعْصِمُون بالحماية والحفظ من يطيعهم، وأنّهم أهل عَزْمٍ وجِدٍّ وقُوّةٍ في تأديب من يعصيهم.
ألا تُلاحظُ أنّه كرّر عبارة "وأنَّا" مع كلّ منقبة ذكرها لقومه مفاخرًا، وغرضُه إلصاق المنقبة في قومه بذكرهم عند ذكرها، وإبرازُها في جملة مستقلّة، وكان بإمكانه أن يعطف المناقب دون تكرير المسند إليه.
ومن هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه وسلم مفاخرًا في إحدى الغزوات: أنا النبيُّ لا كذِب، أنا ابْنُ عَبْدِالمطلّب.
ما جاء في شعر الشاعرة الخنساء تُمَاضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد من بني سُلَيم، مُضَرِّية من أهل نجد، أشعر شواعر العرب، أدركت الجاهلية والإِسلام، ووفدت مسلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها بني سليم، ومن شعرها قولُها في رثاء أخيها صخر:
أَعَيْنَيَّ جُودَا وَلاَ تَجْمُدا * أَلاَ تَبْكيَانِ لِصَخْرِ النَّدَى
ألاَ تَبْكِيَانِ الْجَوَادَ الْجَمِيلَ * أَلاَ تَبْكِيَانِ الْفَتَى السَّيّدا
قالت هذا وهي في موقف الحزن، فَحَسُنَ في حِسِّها الملتهب بالمشاعر، وهي من أشعر الشواعر، أن تكرّر قولَها تخاطب عينيها: "أَلاَ تبكيان" مع أن العبارة الأولى كانت كافيةً للدلالة على المقصود، حتى العبارةُ الأولى كان بالإِمكان فهمُ أصل المراد منها من قولها في الشطر الأول: "أَعينيَّ جودا ولا تجمدا". لكن في عبارة الاستفهام من أغراضٍ بلاغية ما ليس في عبارتي الأمر والنهي، وفي فعل "تَبْكِيان" من دلالة على تجدِيد البكاء المتتابع ما ليس في "جُودا ولا تجمُدا" فقصدت إلى تعيين نوع البكاء، وأنّه ينبغي أن يكون بكاءً متجدّدًا، فاستعملت الفعل المضارع الدالّ على هذا المعنى.
وبكت أخاها صخرًا في شعرها، فجعلتها شاعريَّتُها تكرّر في مقام رثائها لأخيها وفجيعَتِها به عبارةً "وابكي أخاك" تخاطب نفسها على طريقة التجريد:
وَابْكِي أَخَاكِ وَلاَ تَنْسَيْ شَمَائِلَهُ * وابْكِي أَخَاكِ شُجَاعًا غَيْرَ خَوَّارِ
وابْكِي أخَاكِ لأَِيْتَامٍ وأرْمَلَةٍ * وابْكِي أَخَاكِ لحَقِّ الضَّيْفِ والْجَارِ
لقد كان من الممكن أن تُعَدِّدَ ما تُرِيدُ من شمائل أخيها، دون أن تكرّر عبارة "وابْكي أخاكِ" لكنّها في مقام التوجّع والتفجُّعِ والرّثاء والنحيب، وفي هذا المقام الملتهب بمشاعر الحزن الحارّ، يحلو في أنْفُسِ ذواتِ الحزن التكرار، كما يَشْفِي تكرار تدفُّق الدموع.
هجا جرير قبيلة "سدوس" وذمَّهَا فكرّر في هجائه ذكر اسمها مع كلّ صفة ذمّ ذكرها لها، إمعانًا منه بإلصاق المثالب التي ذكرها بها إلصاقًا يُصاحِبُهُ التشهير، والإِذاعةُ بالتكرير، مع أنّه كان يكفي العطفُ في ذكر الصفات، دون إعادة ذكر اسم القبيلة التي يذُمُّها، فقال في هجائه:
أَخِلاَّئِي الْكِرَامُ سِوَى سَدُوسٍ * وَمَالِي فِي سَدُوسٍ مِنْ خَلِيلِ
إِذَا أَنْزَلْتَ رَحْلَكَ فِي سَدُوسٍ * فَقَدْ أُنْزِلْتَ مَنْزِلَةَ الذَّلِيلِ
وَقَدْ عَلِمَتْ سَدُوسٌ أَنَّ فِيهَا * مَنَارَ اللُّؤْمِ واضِحَةَ السَّبِيلِ
فَمَا أعْطَتْ سَدُوسٌ مِنْ كَثِيرٍ * وَلاَ حَامَتْ سَدُوسٌ عَنْ قَلِيلٍ
ففي البيت الأوّل يذكر جرير أنّه اتّخذ أخلاءه الكرام من غير سدوس، وأنّه لم يتخذ منها خليلًا واحدًا، مشيرًا إلى انعدام الكرام فيها. وفي البيت الثاني يخاطب نفسه وكلّ مسافر بأنّه إذا أنزل رحله في أرض سدوس لم يجد لديهم مقامًا كريمًا، بل يجد نفسه قد أُنْزِل منزلة الذليل؛ لأنّ سدوسًا أذلاء لا عزّة لهم وَلا مَنَعة عندهم.
وفي البيت الثالث يذكر أنّ سدوسًا تَعْلَم من أنفسها أنّها منار اللُّؤْم بين القبائل. وفي البيت الرابع يصفُ سدوسًا بأنّها غاية في البخل، وغاية في الضعف والجبن، فهي لا تعطي شيئًا حينما يكون لديها الكثير لبُخْلِها، وهي لا تحمي الشيء القليل الذي لديها، لضعفها وجُبْنِهَا إذا لم يكن عندها إلاَّ القليل، وهي مضطرة إليه.
يحرّك الله عزّ وجلّ في أهل القرى "وهي كلُّ مجمّع سكني ولو كان من المدن الكبرى" الذين كذّبوا رُسل رَبّهم المخاوف من مفاجأة نقمة الله وعذابه ليلًا أو نهارًا، فيقدّم لهم التنبيهات المتتابعات، مع تكرير ما يمكن أن يُفْهَم لو حذف؛ لأنّ تكرار الذكر يساعد على عدم شرود الذهن عن إدراك ما جاء في عبارات الترهيب، بخلاف الحذف فإنّه يساعد على شرود المقصودين بالخطاب، نظرًا إلى أنّهم كافرون قد انصرفت أذهانهم عن سماع عبارات الإِنذار والترهيب، بسبب كفرهم، فهي تحتاج إلى دقّاتٍ متواليات كدقَات الناقوس، أو أصوات البوق المتواليات المنذرات بالخطر.
فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول): {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)}.
المقامُ مقامُ تهديدٍ ووعيدٍ واستثارة لمخاوف أهل القرى، فاقتضى هذا المقام إعادةَ ألفاظٍ كان يمكن فهم معناها بِدون إعادتها؛ لأنّ هذه الإعادة هي بمثابة الدَّقَات المتواليات التي تثير الانتباه بسبب مخالفتها لما يقتضيه المألوفُ في الأسماع.
رثت ابنة النعمان بن بشير الأنصاري الصاحبي زَوْجَها مالكًا، فعبّرت في رثائها عن فاجعتها بزوجها، فكرَّرتَ عبارة من الممكن فهمها بداهة ولو لم تكرّرها، لكِنَّ التفجُّع في الحُزْنِ الحارّ يَحْسُنُ معَهُ التكرار، فقالت:
وحَدّثَنِي أَصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا * أَقَامَ ونَادَى صَحْبُهُ بَرِحِيلِ
وحَدَّثَنِي أصْحَابُهُ أَنَّ مَالِكًا * ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ نَكُولِ
وحَدَّثَنِي أَصْحابُهُ أَنَّ مَالِكًا * صَرُومٌ كَمَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ
ضَروبٌ: أي: كثير الضرب. غَيْرُ نكُولٍ: أي: غيرُ ضعيفٍ ولا جبانٍ. صَرُوم: حادٌّ شديد المُضَاء قاطع. كماضِي الشفرتين: أي: كسيفٍ ذي حَدَّيْنِ وَهو فيهما ماضٍ حادٌّ قاطع. صَقِيل: أي: مجلوّ يتلامع من شدّة جلائه.
مدحت الشاعر "ليلى الأخيلية" من بني عامر بن صعصعة الحجّاجَ، فقد وفدت عليه مرّات، فكان يُكرمُها ويُقَرِّبُها، فكرَّرتْ بعض العبارات في مدحها له بفنّية جمالية بارعة، لتبني على ما تكرّره تفصيلات يحْسُن لدى ذكرها تكرير العبارة التي تريد أن تبني عليها تفصيلاتها، فقالت:
إِذا هَبَطَ الحجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً * تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الّذي بها * غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبٍ سِجَالُهُ * دِمَاءَ رِجَالٍ حَيْثُ مَالَ حَشَاهَا
إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رَزَّ كَتِيبَةٍ * أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا
أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَة فَارِسِيَّةً * بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلُِبُونَ صَراهَا
أرضًا مَرِيضَةً: تريد أرضًا فيها خارجون على مُلْك بني إميّة، فبخروجهم صارت أرضًا مَرِيضةً "على سبيل الاستعارة". الدّاء الْعُضَال: هو الداء الشديد الذي لا طِبَّ له. سِجَالُه: السجال جمع "السَّجْل" وهي الدلو العظيمة. حشاها: ما في بطونها من أحشاء. رَزّ كتيبة: أي: صوت كتيبة مقاتلة. صَرَاهَا: أي: ما جمعتْ في ضرْعها.
يلاحظ أن معظم عباراتها اعتمدت على الاستعارة، فقد استعارت الشفاء لقتال الخارجين على سُلْطة بني أميّة واستئصالهم، واستعارت "السقيا" لاصطباغ الرماح بدماء الخارجين؛ إذ شبَّهتْها بالظامىء، لكنها ضامئة لدماء أهل الْحِرابة، وشبَّهت عمل جنود الحجّاج بمن يحلب الضروع المصرّاة حين يمسحون الدماء عن نصالها.
وقف الجاهليّ امرؤ القيس على أطلال صاحبته "سلْمَى" وحيّاهُ تحيّة الجاهليّة، ثم توارَدَتْ عليه الذكريات، وأيْأسَهُ ما رأى من واقع عفاء الدّيار، وخلوّها من ساكنيها فقال مكرّرًا عبارة: "وتحسبُ سَلْمَى لا تزال" استئناسًا بإعادة الاسم، عند فقد المسمَّى:
وتَحْسَبُ سَلْمَى لاَ تَزَالُ تَرَى طَلاَ * منَ الْوَحْشِ أَوْ بِيضًا بِمَيْثَاءَ مِحْلالِ
وتَحْسَبُ: سَلْمَى لاَ تَزَالُ كَعَهْدِنا * بِوَادِي الْخُزَامَى أَوْ عَلَى رَأْسِ أَوْ عَال
تَرى طلًا: الطَّلا: الصغير من كلّ شيءٍ، وولد الظبيّةِ، والصغير من الوحش منذ ولادته حتى يشتَدَّ. أو بِيضًا: البيض جَمْعُ أبْيضَ، ولعلّهُ يقْصِدُ ولدانًا بيضًا؛ لأنّ الذكريات عن العهود الغوابر يبرزُ منها ما فيها من صُوَرٍ جماليّة، و أجملُ ما يثبتُ في الذكريات الصغارُ من النَّعَمِ والوحش، والولدان البيض في ملاعبهم.
بِمَيْثَاءَ: الميثَاءُ الرَّمْلَةُ السهلة، والرابية الطيِّبَة، والتَّلْعَةُ العظيمة.
مِحْلاَل: يقال لغةً: مكانٌ مِحْلاَلٌ إِذا كَانَ كثير الرُّوَّاد، ولاَ يكون كذلك إلاَّ لما فيه من صفاتٍ تُرَغَّبُ فيه.
بِوَادِي الْخُزَامَى: أي بالوادي الذي يكثر فيه نبات "الخُزَامَى" في دِيارِ سَلْمَى التي صارت أطلال خالية من ساكنيها الغابِرينَ.
أو على رأس أَوْ عَالٍ: أي: أو على رأْسِ صُخُورٍ مُشْرِفَةٍ فوق القِمَم، شُبِّهَتْ هذه الصُّخور بالأوعال جمع "وَعِل" وهو تَيْسُ الجبل؛ لأنّ الأوعال تَصْعَدُ رؤوس التلال والجبال، وتُشْرِف برؤوسها، وتوجد في المرتفعات صخور تُشْبِهُها، يَصْعَدُ إليها المتنزّهون، ويجلسون عليها، مستمتعين بالارتفاع والمشهد والحديث، وكان لامرىء القيس مجالس هنا لك مع صاحبته سلْمَى.
هذه طائفة من الأمثلة اكتشفنا فيها بعض أغْراض ذكر العنصر الذي يمكن فهمه بوجه عامّ فيما لو حُذِف من الكلام، لكنَّ الداعيَ البلاغِيّ رجَّحَ في ذَوْقِ الأَديب البليغِ ذكره على حذفه، لإِفادة المعنى البلاغيّ الذي قصده.
والدواعي التي لم أورد أمثلة لها من أقوال البلغاء والفصحاء، ليس من الصّعْب وضْعَ أمثلة لها، أو اكتشاف أمثلة لها لدى الاطلاع على النصوص البليغة من النثر والشعر.
فعلى مُحَلل النصوص الآدبيّة البليغة أن يكون على بصيرة بمختلف الأعراض البلاغيّة، وحتى يكون شرحُهُ الأدبيُّ البلاغيُّ للنصوص كاشفًا بِدِقَّةٍ أغراضَ البلغاء.
|