عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 16-10-2010, 12:51 AM
رياض123 رياض123 غير متصل
قلم برونزي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
مكان الإقامة: ........
الجنس :
المشاركات: 1,867
افتراضي رد: ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»


رابعا: تداعيات منهجية

لا ريب أن تفعيل ناظم «الولاء والبراء» من قبل التيار، بصورة غير مسبوقة وعلى كل مستوى، تَسَبب في إحالة كافة الشبهات والمسائل الخلافية وحتى ما بدا بديهيات طوال قرون أو عقود إلى الدليل للتحقق منه ثانية. فالسلفية بوصفها منهجا وليست مذهبا لا تتقبل غير سلطة الدليل الشرعي للحكم على اختياراتها وأفعالها[1]. والأكيد أن هذا الانحياز للدليل لم يكن متبلورا بمضمونه الواسع والصارم لدى الجماعات الإسلامية سابقا، حتى وإنْ كان جزء من التراث الفكري والعقدي كما عبرت عنه أطروحات سيد قطب ود. صالح سرية والشيخ عمر عبد الرحمن وعبد السلام فرج وغيرهم. لكن حين دخلت السلفية ساحات الجهاد بعد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان (27 /12/1978) بعشرات الآلاف من المتطوعين والعلماء والمشايخ وطلبة العلم انكشف تراث الدعوة الوهابية برمته، عقيدةً ومنهجاً، ليصبح في متناول كافة القوى والجماعات الإسلامية في شتى بقاع العالم، وليصير بالنسبة للكثير منها بمثابة الأساس العلمي لتلقي الدين والمنطلق المنهجي الحاسم سواء في بنائها أو توجهاتها أو في علاقاتها بالغير أو في استراتيجياتها ومستقبلها.

هذا الانحياز للتراث السلفي، الذي يقرأ واقع الأمة عبر مفهوم «التوحيد»، يجد صداه في تاريخية الدعوة الوهابية التي ظهرت في بيئة كادت تجرفها الوثنية التي لم يكن من الممكن مواجهتها إلا عبر سلطة « الدليل الشرعي» الذي نجح بتجريد مفهوم «التوحيد» من كل الشركيات والبدع والخرافات والشعوذات التي علقت به على مدى قرون ماضية. لذا فإن كتاب «التوحيد» للشيخ محمد عبد الوهاب يعد الأكثر أهمية من بين 22 مؤلفا وضعها خاصة وأنه حدد فيه نواقض الإيمان. وهكذا سار علماء الدعوة النجدية من أخلاف الشيخ على نهجه إلى أن ثبتت السلفية بوصفها منهجا علميا يلتزم الدليل كسلطة في الحكم على النوازل التي تحل في الأمة في شتى مجالات السلوك والاعتقاد. وهكذا أيضا صار تراث الدعوة برمته موضع ثقة ومرجعية لدى التيارات الإسلاميةلا يقل مكانة عن تراث السابقين من «السلف الصالح» لمواجهة كل ما يستجد في مسائل:

· الفرد والمجتمع والدولة؛
· الحزب والجماعة والحركة؛
· العقائد والفلسفات والمذاهب؛
· الدساتير والقوانين والشرائع المحلية والدولية؛
· الأخلاق والقيم والأعراف والتقاليد؛
· العلاقات والمواقف والاتجاهات والتحالفات والاستراتيجيات ... .

لكن كل هذه النوازل وغيرها لا يكفي أن تخضع إلى سلطة الدليل دون مراقبة، ذلك أن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع غالبا ما يصطدم باعتراضات وتأويلات ذات طابع شرعي مخلفة وراءها فيضا من «الشبهات»، ولحل هذا الإشكال تلجأ السلفية الجهادية إلى «الولاء والبراء»كمعيار حاسم في اختبار دقة تطبيقات الحكم الشرعي للحيلولة دون ما تراه تلاعبا في الحكم الشرعي أو تمييعا له أو تلبيسا، ظاهرا أو خفيا، يستهدف العامة.

لا شك أن الإشكال قد لا يكون، واقعا بالضرورة، في الأطروحة السلفية بحد ذاتها خاصة وأن مصادرها الشرعية تقع في رحاب التراث الإسلامي العقدي، ولكن في تنزيل الحكم الشرعي من جهة، والأهم في القدرة على تحمل الأطروحة العقدية بكل تبعاتها من جهة أخرى. فالمواقف التضامنية والسياسات في العالم الإسلامي وغيره تجري صياغتها على قاعدة المصالح والمنافع وما تحققه من مكاسب لهذا الطرف أو ذاك وليس على أسس عقدية، وهذا هو جوهر الإشكال بين السلفية وغيرها. وعليه فلا يجوز أن نقرأ الظاهرة بمقتضى ما تهوى الأنفس. فما يهمنا ليس قبول أو رفض الأطروحة ولا الاستسلام لما تفرضه سلطة الواقع بقدر ما يهمنا الحرص على دراستها وسبر أغوارها طبقا لمرجعياتها وأدائها. وهذا معطى منهجي حاسم يتقرر بموجبه:

1) النظر إلى الجماعات الإسلامية، بما فيها الجهادية، على أنها جماعات سياسية وطنية ذات طابع دعوي أو جهادي لا فرق، لكنها بالتأكيد ليست جماعات ذات مرجعية شرعية خالصة، كونها تعمل في إطار المنظومات القانونية والسياسية المحلية والدولية السائدة، وتستعمل نفس مصطلحاتها ومفاهيمها الوضعية ومؤسساتها، بخلاف السلفية الجهادية التي لا تقبل بغير المعطى الشرعي كمعيار لفهم اختياراتها والحكم على توجهاتها السياسية. وهذه فرضية حاسمة لمن يرغب في التعرف على لغة السلفية الجهادية وأطروحاتها وحتى على نشأتها وأدائها.

2) وجوب التخلي، موضوعيا، عن معايير التوصيف التقليدية التي اتبعت في دراسة الجماعات السياسية السابقة عليها سواء كانت علمانية أو إسلامية. أما لماذا يتوجب علينا الالتزام بهذه الخطوة المنهجية الحاسمة فلأن استعمال مصطلحات وضعية في تحليل خطاب يستند إلى السياسة الشرعية سيؤدي قطعا إلى نتائج خاطئة.

3) التوقف عن فكرة حصر التيار بتنظيم القاعدة أو برموزها لأنها لم تعد ذات جدوى بعد تضخم وانتشار الأدوات الضاربة له في عدة بلدان إسلامية وظهور قيادات جديدة. كما أن التيار لم يعد مقتصرا على أولئك الذين يحملون السلاح. إذ أن الحديث يجري عن أطروحة عقدية تتموضع في شتى التشكيلات الاجتماعية والسياسية وحتى الأمنية، ولم تعد حكرا على القاعدة ولا تنظيماتها المسلحة، ولعل في هذا ما يفسر إلى حد كبير تضخم التيار واستمراريته.

4) إجادة فهم لغة السلفية الجهادية على مستوى العقيدة والمنهج. وهذا لا يتأتى إلا عبر فهم مماثل، ولو بالحد الأدنى، للغة وتاريخ الجماعات والفرق الإسلامية الفاعلة والشائعة كالإخوان المسلمين وحزب التحرير والتبليغ والدعوة والصوفية وغيرها، بالإضافة إلى فهم لغة وتاريخ الجماعات السياسية العلمانية. ودون ذلك سيكون من الصعب جدا ملاحظة التمايزات الدقيقة والكبيرة بين هذه القوى.

5) استعمال المنهج الوصفي الذي نعني به التشخيص الدقيق للظاهرة كما تعبر عن نفسها لا كما تبدو ظاهرة للعيان، وبعيدا عن أي تدخل أيديولوجي، مع وجوب التمييز بين الدراسات الأمنية التي تستهدف محاربة الظاهرة وتلك التي تسعى إلى تقديم أطروحة أكاديمية قدر الإمكان.

6) ضبط مفاهيم الأطروحة ومصطلحاتها اعتمادا على خطاب الرموز من القيادات السياسية والعسكرية والشرعية بنفس القدر الذي يستوجب ضبط ذات المفاهيم لدى الجماعات والفرق الإسلامية الأخرى اعتمادا على وثائقها ومصادرها الرسمية، لكن بحيادية وأمانة وقدر عال من الدقة والموضوعية. وحين القيام بالمقارنة لاستخلاص الفوارق الجوهرية لا بأس من الاستعانة بمصادر ثانوية تفسر ما استعصى فهمه في المصادر الرئيسية.

7) رصد التغيرات التي تطرأ على أداء التيار بكل مستوياتها الأمنية والشرعية والسياسية والعسكرية، والتي تكسبه الجاذبية وتمكنه من الاستمرارية والانتشار والتكيف السريع مع المستجدات رغم كل ما يتعرض له من حملات استئصال شديدة محليا ودوليا. بمعنى أن التيار يستفيد ولا شك من أخطائه ويعيد قراءة واقعه باستمرار بما في ذلك النظر في تطبيقات بعض المفاهيم الشرعية في ضوء السياسة الشرعية وما تفرضه من التزام بالمصالح والمفاسد.



سؤال

لنقل بصراحة: إذا كنا لا نحتمل، بعْد، مدخلات البحث العلمي ولو في صيغة التوصيف فأي منهجية تجيز لنا نقد الأطروحة قبل أن نفهم منطقها أو منزلتها التاريخية؟ حتى هذه اللحظة يبقى أس المشكلة ليس في عناد التيار الجهادي الذي لا يأبه لأية ردود فعل أو تداعيات يتحملها مهما بلغت قسوتها عليه بل في تناول ظاهرة التيار بالحيادية المطلوبة التي تتيح قدرا معقولا من الفهم. ذلك أن الحياد في ظاهرة منبوذة سياسيا وأمنيا وحتى إعلاميا يعد ضربا من ضروب الانحياز. ولا شك أن مثل هذه الرؤى، فضلا عن الصعوبات التي تطرحها الظاهرة، ما من مبرر لها إلا عرقلة أية محاولات جدية في اقتحامها ووضعها تحت المجهر.

ولسنا ندري بالضبط كيف يمكن تجاهل ظاهرة بهذا الحجم الذي يشغل العالم أجمع؟ وكيف لا تجد من يتعامل معها إلا بالصيغ الأمنية والمواجهات العسكرية؟! ربما يكمن السبب، نسبيا، في ذات الأطروحة التي لم تتح هامشا لدعاتها ولا حتى لأقرانهم.

هكذا بات لسان حال التيار الجهادي يقول: لن نتنازل أو نتفاهم أو نساوم على العقيدة، وبلغة بن لادن: « سندور حيث تدور العقيدة».

أما بلسان الأعداء والخصوم فالمعادلة تقول: إذا كان الصدام مع السلفية الجهادية واقع لا محالة فليكن منذ اللحظة الأولى وقبل أن يشتد عوده.

وهذا يعني أن الطرفين وصلا إلى نقطة اللاعودة. لكن على الأطراف المتضررة من التيار (أعداء وخصوما) أن تجيب على السؤال التالي: كيف يمكن التصرف مع التيار وأدواته الضاربة وخلاياه المنتظرة إذا فشلت الوسائل الإعلامية والشرعية والسياسية والأمنية وغيرها في احتوائه؛ وإذا ما واصلت الظاهرة تقدمها؟ سؤال عويص يحتاج إلى إجابة يبدو أنها غير متوفرة حتى اللحظة!











[1] قارن مع الجمحي الذي يسوقملاحظة جديرة بالذكر: « أما السلفية الجهادية فهم لا يعبؤون في التسمية، بل ويعترضون عليها، لأن السلفية عندهم هي سلفية المنهج، والتي تعني تحري الدليل والالتزام باتباعه وليست السلفية هي مذهب، ولا ينبغي أن تتخذ مذهبا». أنظر: « تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. »، مرجع سابق، ص 200.




قائمة المصادر والمراجع




1) الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27ذي القعدة سنة 1427هـ.
2) أبو حمزة المهاجر (وزير دفاع دولة العراق الإسلامية): « قل موتوا بغيظكم»، ( مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان»، خطاب صوتي، 5/5/2007).
3) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية): « وإن تنتهوا فهو خير لكم»، (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ « دولة العراق الإسلامية»، خطاب صوتي، 7/8/2007).
4) أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية): «وقل جاء الحق وزهق الباطل»، (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ « دولة العراق الإسلامية»، خطاب صوتي، 22/12/2006).
5) أسامة بن لادن، بيان بعنوان: «إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب»،نوفمبر سنة 1996.
6) أسامة بن لادن: « العلم للعمل- الجزء الثاني»، ( مركز الفجر، مؤسسة «السحاب» التابعة لتنظيم القاعدة، شريط مرئي، 7/9/2006). وهو الشريط الذي بثته «القاعدة» بمناسبة الذكرى الخامسة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي اشتهر بـ « شريط التوثيق لأحداث سبتمبر».
7) أسامة بن لادن: ( مركز الفجر، مؤسسة «السحاب»، شريط مرئي، 17أو18/2/2006).
8) أكرم حجازي (دراسة): « مدخل إلى السلفية الجهادية ومشروعها الجهادي: نموذج العراق»،(عمان – الأردن، المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية، 11 شباط / فبراير 2008).
9) أكرم حجازي (دراسة):« مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية: من التوحيد إلى صناعة القيادة»، تشرين أول / أكتوبر 2007، موقع الباحث: http://www.almoraqeb.net/main/mobiles-action-show-id-12.htm.
10) سعيد علي عبيد الجمحي، « تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. الامتداد (اليمن أنموذجا)»، ط1، (القاهرة – مصر، مكتبة مدبولي، 2008).
11) عبدالله النفيسي، أحداث سبتمبر والهزة التاريخية في الفكر الأوروبي والأمريكي، مجلة العصر الإلكترونية، 10/9/2006. على الشبكة:http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&*******ID=8200
ناجح إبراهيم، « تنظيم القاعدة: دعوة للمراجعة»، 4/12/2007، موقع الجماعة الإسلامية، http://www.egyptianislamicgroup.com/...96523334.shtml، وقد نشر المقال قبل ذلك على موقع الإسلام اليوم بتاريخ 19/11/2007: http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-42-10770.htm

انتهى
http://www.almoraqeb.net/main/mobile...show-id-47.htm
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.85 كيلو بايت... تم توفير 0.60 كيلو بايت...بمعدل (1.91%)]