كاميليا وملحمة التوحيد
(5)
الأحزاب والجماعات الإسلامية والوطنية والأزهر وبطاركته والغالبية الساحقة من المشايخ والعلماء ومن ورائهم المنظمات المدنية والجمعيات الحقوقية والدولة وأجهزتها الأمنية ووسائل الإعلام فضلوا مجتمعين حرب التوريث على حرب التوحيد. أما المظاهرات الشعبية ومظاهرات المساجد وصحيفة المصريون والمرصد الإسلامي لمقاومة التنصير وأمثالهم، على قلتهم، وبعض المفكرين والكتاب والمثقفين ونفر قليل جدا من المشايخ فقد خاضوا حرب التوحيد منفردين. هذه هي المعادلة القائمة حاليا في مصر.
« أصحاب التوريث» سلموا طواعية الدولة وهوية الأمة وميراثها إلى الكنيسة، وقبلوا أن يمارسوا طوفانا من الكذب والزور والبهتان والنفاق والتواطؤ والغدر. هؤلاء هم أدوات الفتنة وأساطينها الذين وضعوا البلاد والعباد تحت الوصاية الأمنية والسياسية للكنيسة بزعامة البابا شنودة. ولكي يخفوا معالم أعظم جريمة نكراء ارتكبوها في حق الأمة والدين تمترسوا، جبنا وعجزا وخبثا وخَوَراً مقززا، خلف شعار الزور المسمى بالوحدة الوطنية.
ما من عاقل أو مغبون يمكن أن يسلِّم بمصالح وحقوق 96% من المسلمين في مصر إلى أقلية قبطية لا تزيد نسبتها في البلاد عن الـ 5% أغلبهم يعارضون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية!!! لكن إذا كان على المسلمين في مصر أن يختاروا ما بين الوحدة الوطنية والفتنة فليعلم « أصحاب التوريث» أنه ما من أبله يمكن أن يبتلع هذه المعادلة الظالمة والمهينة التي لا يمكن أن تجد لها في العقل والفطرة أي حضور ولا بأدنى نسبة حتى لو ولج الجمل في سم الخياط.
« أصحاب التوريث» الذين يزعمون الحرص على الوحدة الوطنية وإغلاق باب الفتنة هم من ينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾! إذ أن أعجب ما فيهم أنه لا يجمع بينهم شيء يذكر إلا لكونهم باتوا يمثلون رأس الفساد والإفساد وأركان الجريمة بكل تفاصيلها، وصناع الفتنة نفسها. لذا فهم أول المشبوهين وأول المتواطئين وأول الغادرين وأول من يستحقون المحاكمة على رؤوس الأشهاد وآخر من يحق له التحدث عن الوحدة الوطنية والفتنة.
هؤلاء الشتَّى قلوبهم معطوفا عليهم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ورموز الشر فيها يعيشون مأزق الذل والخزي والحرج والغضب والحيرة وعمى البصر والبصيرة جزاء ما اقترفت أيديهم الآثمة من ظلم وألسنتهم القبيحة من كذب وقلوبهم السوداء من غيظ يكاد يقتلهم وهم يتخبطون يمنة ويسرة عساهم يجدون مخرجا يحفظ لهم ماء وجوههم الباهتة. يكفي أن يتأمل المرء وجه شيخ الأزهر وهو يجالس شنودة حتى يرى الذل والصغار والهوان يسحق كل خلية فيه سحقا مريرا.
فرغم أن شنودة والمصادر الكنسية صرحت وألمحت أكثر من مرة إلى استحالة ظهور كاميليا إما بسبب ما فعلوه بها من تعذيب أذهب عقلها باعترافاتهم الوحشية أو لأن « كاميليا شأنا كنسيا خالصا» كما يزعمون، إلا أنهم لم يستطيعوا إرغام الناس على النسيان كما تمنوا في أحلام اليقظة عندهم. ولأن الحرج عندهم بلغ مبلغه، والفضيحة لم تعد قابلة للتورية أو السيطرة عليها؛ ولأن « غباء» فعلتهم صار حتى من مفردات علي جمعة فقد سارعت الكنيسة عبر بطرس جيد، نجل شقيق شنودة وكاهن كنيسة العذراء بحي الزيتون شمال القاهرة، إلى محاولة تمييع الاحتقان عبر شريط مرئي قدمت فيه الكنيسة امرأة يقولون بأنها كاميليا شحاتة، أطلق عليها المصريون لقب « دوبليرة».
وفي الشريط الذي نشر على شبكة الانترنت في 8/9 ظهرت الكنيسة على لسان الـ « دوبليرة» كمن يحاول أن يقدم بيانا يدفع به عن نفسه أمام محكمة جنايات ينفي به إسلام كاميليا شحاتة وكل ما حصل لها متجاهلا، في نفس الوقت، كافة الوقائع والتصريحات والشهادات بما فيها صور كاميليا وهي منقبة ورواية الشيخ أبو يحيى والوثائق والمستندات الخاصة بها!! الطريف في الأمر أن الشريط المزيف ظهر بالتوازي مع تصريحات نقلتها صحيفة « الأهرام» المصرية عن البابا شنودة يزعم فيها، كما الشريط، بأن: « كاميليا لم تعتنق الإسلام .. وليس من حق أحد معرفة مكان تواجد كاميليا أو السؤال: أين هي؟». ومن الواضح أن تصريحات شنودة مثلت جواز مرور للشريط رغم صمت الكنيسة عن التعليق المباشر عليه طوال يوم كامل. لكن لأن الشريط استهدف محاصرة التوتر فلم يصمد أكثر من يوم حتى عند الكنيسة التي اضطرت إلى نفي صلتها به، وتبرأت من أية مسؤولية عما ورد فيه. فقد تلقت صحيفة « القدس العربي» تصريحات أدلى بها الأنبا مرقص جدد فيها موقف الكاتدرائية القاضي بعدم السماح بظهور كاميليا للرأي العام أو الإعلام.
فضيحة الـ « دوبليرة» الكنسية هذه كانت مصممة كبالون اختبار. فإذا نجح سيهدأ الرأي العام أو على الأقل ستحدث بلبلة بحيث يتمزق التعاطف الإسلامي الجارف حول مأساة كاميليا. وبعد ذلك سيبدأ التعامل مع الحدث بناء على وقائع جديدة ومعطيات جديدة كلها تهون مقابل الورطة الحالية. أما إذا فشل فلأن بالون الاختبار هذا صمم ليوم واحد فقط هو يوم العيد، بدليل احتوائه على تناقضات عجيبة كذبت ما سبق واعترف به قساوسة حول ما أسموه بتأثر كاميليا في الإسلام وتعرضها لغسيل مخ، وأنهم بصدد غسل المغسول، بينما نفت الـ « دوبليرة» تعرضها لمثل هذا الغسيل وسخرت منه، مما يعني أن الشريط لن يصمد أكثر من يوم حتى تنهار أية مصداقية له مع مرور الوقت. ولأنه – الشريط - فشل في منع مظاهرات العيد عبر مسجد عمرو بن العاص الذي ردد رواده شعارات جهادية ودينية وثانية تساءلت، باستنكار، عن دور الإخوان، وأخرى سخرت من شنودة، « يا شنودة لا قداسة أنت رمز للنجاسة»، فإن خطط الكنيسة تكون قد فشلت برمتها، تبعا لذلك، وعمقت من مأزقها.
وما لا ينبغي تجاهله هو ملاحظة أن الكنيسة بدأت تراوغ إعلاميا في محاولات بائسة لإفقاد الحدث بريقه عبر سلسلة من التصريحات والتصريحات المضادة. فالأداء الإعلامي لها عشية العيد وقع بين التشدد بعدم ظهور كاميليا من جهة أو محاولات إظهار اللّين عبر شرائط مزورة مدعومة بتصريحات كنسية أو مقربين منها تعبر عن نشوتها بظهور الشريط قبل أن تطبق صمتا مع صدور النفي الرسمي من الكنيسة. بل أن بعض وسائل الإعلام القريبة من الكنيسة نقلت عن مصادر مسؤولة في الكنيسة الأرثوذكسية (9/9) قولها أن شنودة قرر السماح لكاميليا بالظهور في التلفزيون المصري خلال الساعات القليلة المقبلة، لتوضيح موقفها. وكما قالت صحيفة « المصري اليوم» أنه من المرجح أن تظهر كاميليا فى « شريط مسجل» يذيعه التليفزيون المصري خلال يومين على الأكثر.
لكن كل هذه المراوغات لا يبدو أنها تلقى أدنى قبول من الشارع الإسلامي. ففي مظاهرة مسجد عمرو بن العاص الصاخبة هدد المنظمون والمشاركون بها بتنظيم مسيرة مليونية باتجاه الكاتدرائية لتحرير كاميليا شحاتة، وفي خطبة جمعة العيد بمصلى الدعوة السلفية بمنطقة المندرة بالإسكندرية استنكر الشيخ د. أحمد فريد بشدة تسليم امرأة مسلمة إلى الكنيسة بما يخالف الشرع، وفيما بدا أقوى رد شرعي يصدر من أحد المشايخ على اختطاف الكنيسة لكاميليا شحاته ذكََر الشيخ بالجهاد باعتباره الوسيلة الوحيدة لرفع الظلم عن المسلمين، ودعا مشايخ المنابر والفضائيات إلى الجهر بكلمة الحق أو الجلوس في بيوتهم وعدم التلبيس على الأمة في دينها.
بقي أن نقول أنه حتى لو ظهرت كاميليا على التلفزيون المصري فلن تتوقف الاحتجاجات ولن تجد المشكلة طريقا لها إلى الحل. لأنه لن يكون مقبولا لعامة المسلمين أن يكون الظهور بالتنسيق بين الدولة والكنيسة خاصة أن كلاهما متورطان في الجريمة. فالمسألة من ناحية قانونية هي مسألة جنائية صرفة تورط بها أكثر من طرف. ونجم عن مثل هذه الجرائم ضحايا سابقين وضحايا لاحقين. وهي من ناحية شرعية جريمة تضع مرتكبيها من المسلمين أو المشاركين فيها، بحسب فتاوى شرعية للعلماء، بين الفاسق والمرتد. فماذا يفيد ظهور كاميليا دون معرفة الحقائق كاملة عمن ألحق بها الأذى وبغيرها ما لم يكن هناك ردا واضحا للحقوق وعقابا صارما للمتورطين وحتى للصامتين والمتخاذلين والمتواطئين؟ أما شنودة فلا شك أنها نهايته خاصة وقد جعل من كنيسته وقساوستها بركانا يغلي من الداخل قد ينفجر في أية لحظة بسبب سياساته المتغطرسة والاستعلائية.
كل عام وكاميليا وأخواتها وإخواننا من المغيبين في سجون الأديرة بخير والله المستعان
نشر بتاريخ 12-09-2010