من وحي الهجرة: أو مخرجي هم؟!
من وحي الهجرة: أو مُخرجي هم؟! صلاح خليل هجر النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت عليه قريش من جاهلية، وحبب إليه الخلاء في غار حراء، فكان يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد، حتى فاجأه جبريل عليه السلام ذات يوم وهو في الغار فغطَّه إليه ثلاث مرات، يأمره في كل مرة "اقرأ"، والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب في كل مرة: "ما أنا بقارئ"، فقال له في الثالثة: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]. نقطة التحول: رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الغار إلى زوجه خديجة يرجف فؤادُه، وقصَّ عليها ما سمع، وما رأى، فهَدَّأت رضي الله عنها من روعه، وأخذته إلى ابن عمِّها "ورقة بن نوفل" وكان شيخًا كبيرًا عالمًا بالتوراة والإنجيل وقالت له: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك"، فقال "ورقة" للنبي صلى الله عليه وسلم: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجُك قومك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أو مُخرجي هم؟!" قال: نعم، لم يأتِ رجل قط بما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث "ورقة" أن توفي، وفتر الوحي. فكان ما قاله "ورقة" للنبي صلى الله عليه وسلم نقطة التحول الكبرى في حياته صلى الله عليه وسلم. وضوح الرؤية وفهم الرسالة: لقد كان حديث "ورقة" للنبي صلى الله عليه وسلم بمثابة عمل "وضوح الرؤية"، فهم النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها عظمة الرسالة وثقل التبعة، وطبيعة الطريق، وما تحتاج إليه الدعوة من استعداد، وإعداد، ولخَّصت له صلى الله عليه وسلم سيرته ومسيرته. الإعلام بالنبوَّة: لقد فك "ورقة" أول "شفرة" للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى "أي: هذا الذي رأيت هو جبريل أمين الوحي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام، فأنت النبي الخاتم الذي كان ينتظره أهل الكتاب...أنت النبي الذي كانت تنتظره البشرية ليخرجها من الظلمات إلى النور بعدما عانت من وطأة الشرك قرونًا طويلةً. هذا الإعلام من "ورقة" له قيمته ووزنه؛ فورقة عالم بالتوراة والإنجيل، وليس رجلًا عاديًّا لا يؤبه لقوله، وهو شيخ كبير عركته الحياة، وليس شابًّا غِرًّا يتبع الهوى. النبوَّة والهجرة صِنْوان: "ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجُك قومك" سمعها النبي صلى الله عليه وسلم من "ورقة" فقال متعجبًا: "أو مُخرجي هم؟!" قال: نعم. في اللحظة التي علم فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه النبي الذي اصطفاه الله ليختم به الرسالات، علم أنه مُخرَج، ومهاجر من أرضه، فالهجرة والنبوَّة صِنْوان، أو توأمان. والهجرة سُنَّة الأنبياء والرسل، فقد هاجر أبو الأنبياء إبراهيم من العراق إلى الشام، ومنها إلى مصر، ثم إلى الشام مرة أخرى حيث استقر به المقام في مدينة "الخليل". وهاجر نوح عليه السلام، وهاجر موسى عليه السلام بقومه من مصر قاصِدًا الأرض المقدَّسة، لكن شاءت إرادة الله أن تنتهي رحلته في أرض سيناء، قال سبحانه وتعالى عن هجرة الأنبياء: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ [إبراهيم: 13]، ولست- يا حبيبي يا رسول الله- بدعًا من الرسل. الابتلاء سُنَّة من سُنَن الدعوات: لما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: "أو مُخرجي هم؟!"، علم "ورقة" أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد معرفة سبب إخراجه من أحب البلاد إليه، فبيَّن له "ورقة" طبيعة الطريق فقال: "لم يأتِ رجل قطُّ بما جئت به إلَّا عُودِي"، وهل يأتي النبي بما يستوجب العداوة؟! النبي لا يأتي إلا بالخير من ربه، فلماذا يواجه بالإساءة؟! لأن الفطرة انتكست، فسجد الإنسان لما صنعت يداه، واختلَّ ميزان العدل، فأكل القويُّ الضعيفَ، وفسدت الأخلاق؛ ففسد كل شيء، وأينعت رؤوس في الفساد؛ فصارت سادة أفسدت، وحكمت فتحكمت، ودهست نفوس الضعفاء، واستعبدتهم لتحقيق مصالح السادة الأغنياء والأقوياء. فلما جاء نوح لإصلاح العقيدة وقال: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأعراف: 59، 60]، ولما جاء شعيب لإصلاح الاقتصاد والنهي عن الغش في التجارة، وقال لقومه: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 85] ردَّ قومُه: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ [الأعراف: 88]. ولما جاء لوط لإصلاح الأخلاق وينهى عن الْمِثْليَّة، والشذوذ، وقال لقومه: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: 54، 55]، كان جواب قومه: ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: 56]. النبي يأتي بالتغيير، والسادة يريدون الحفاظ على استقرار الوضع القائم، وبقاء الحال على ما هو عليه من الفساد للحفاظ على مكاسبهم الدنيويَّة. حاجة الدعوة إلى الأنصار: آخر ما قاله "ورقة" للنبي صلى الله عليه وسلم، "وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"، وهذه رسالة إلى أصحاب الدعوات، تقول: ما دام طريقُ الدعوة محفوفًا بالمخاطر والأعداء متربصون، والمؤمنون مستهدفون، فلا بدَّ من استعداد، وإعداد لرجال تتربَّى على عين الداعية تربية ربانية، يحملون الدعوة، وينصرون الحق. "ورقة" من السابقين الأولين: لقد آمن "ورقة" بالنبي صلى الله عليه وسلم وأعلن عن استعداده لنصرته، وتمنَّى لو يعود شابًّا لينصر النبي نصرًا مؤزرًا، فكان بذلك من السابقين الأوَّلين الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد زوجه "خديجة" رضي الله عنها لم يلبث "ورقة" إن توفي وقد وضحت الرؤية تمامًا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أنه صلى الله عليه وسلم قد وضح هذه الرؤية لأصحابه، فاستشعروا عظمة الرسالة، وثقل التبعة، وعبء المسئولية الملقاة على عاتقهم، ولمَ لا وقد قال قائدهم صلى الله عليه وسلم: "مضى عهد النوم يا خديجة"؟ إن الحديث عن الهجرة لا يبدأ من العام الثالث عشر من البعثة، وإنما يجب أن يبدأ من اليوم الأول من البعثة. سؤال وجيه: قد يسأل سائل: ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم من أول يوم أن قومه سيخرجونه، فلماذا انتظر حتى اشتدَّ تضييق قريش على الدعوة، واشتدَّ تعذيبها لصحابته حتى مات منهم من مات تحت التعذيب؟ أليس لو كان هاجر مبكرًا، لجنَّب أصحابه الكثير من المتاعب والآلام؟ أقول: أولًا: ليست الهجرة مرتبطة بالتعذيب والإيذاء- وإن كان ذلك من أسبابها- لكنها مرتبطة قبل كل شيء بالوحي، فقرار الهجرة ليس بيد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يهاجر إلَّا أن يأذن له ربُّه، ولقد رأينا ما حدث ليونس عليه السلام حين غضب على قومه فهجرهم بدون إذن من الله فابتلاه ربُّه والتقمه الحوت، وظل يونس عليه السلام يُسبِّح ربَّه ويستغفره حتى نجَّاه، يقول الله عز وجل: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88]. لذلك انتظر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أراه الله دار الهجرة، وأنها المدينة، فأمَرَ أصحابه بالخروج إليها. ثانيًا: لقد استقر في يقين الصحابة أن الابتلاء سُنَّة الدعوات، وأنهم لا بُدَّ أن يمرُّوا بفترات شِدَّة وابتلاء، يختبر الله بها إيمانهم؛ علموا ذلك من القرآن المكي في سورة البروج، والمطفِّفِين، والفَجْر، علموه نظريًّا، وهم يتدارسون القرآن في مدرسة "دار الأرقم"، وذاقوه عمليًّا تحت التعذيب، فكان ذلك تربيةً لهم على الصبر وقوة التحمُّل، لتكمل تربيتهم عقديًّا، وإيمانيًّا، ونفسيًّا، وبدنيًّا، وهي تربية ضرورية لإعداد الرجال للهجرة من أجل إقامة الدين. الهدف من الهجرة: لم يكن الهدف من الهجرة مجرد استنقاذ الأرواح، والحفاظ على الأفراد، فهذا هدفٌ قريبٌ، أما الهدف الأسمى، فهو نشر الدعوة، وإقامة الدولة؛ لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، وكان فيهم من أشراف الصحابة من لم يتعرَّض لما تعرَّض له الضعفاء من التعذيب، فنَشَروا الدعوة في بلاد الحبشة، خارج القارة التي ظهر فيها الإسلام ما يدل على عالمية الإسلام، وظل الصحابة في الحبشة حتى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة. أما إقامة الدولة فهي ضرورة لإقامة الدين؛ لأن الإسلام لا يطبق في فراغ، وإنما لا بُدَّ له من مجتمع يُقام فيه، ولكي يتحقق ذلك، كان لا بُدَّ من هذه الأسس: 1- منهج ورسالة (القرآن والإسلام). 2- قائد وحاكم يطبق المنهج ويحكم بالإسلام (الرسول صلى الله عليه وسلم). 3- جماعة أو أمة يطبق عليها المنهج، وتحمل الرسالة. 4- جيش وقوة تحمي المنهج والرسالة. 5- جغرافية تحتضن المنهج، وتربة خصبة تؤتي فيها الدعوة أُكُلها (أرض يُقام عليها المنهج). وقد توفر قبل الهجرة، المنهج والرسالة، والقائد والحاكم، وأما الجماعة المؤمنة فكانت مُقَسمة بين أرضَيْنِ (المهاجرين في مكة، والأنصار في المدينة)، والنواة التي سيتشكل منها الجيش ليحمي المنهج والرسالة، كانت موجودة لكن في أرضَيْنِ (سيوف المهاجرين في مكة، وسيوف الأنصار في المدينة). لم يبق سوى الجغرافية الحاضنة، والتربة الخصبة، والأرض الجامعة للأمة المؤمنة، والقوة الحامية، فكانت الهجرة إلى المدينة المنورة، فاكتملت أُسُس إقامة الدولة التي من خلالها يُقام الدين، وانساح المسلمون في أرض الله يحملون مشاعل الهداية والنور، يدعون إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا. |
| الساعة الآن : 08:58 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour