ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   بين رغد العيش وخشية الزلل (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=332310)

ابوالوليد المسلم 19-10-2026 05:41 PM

بين رغد العيش وخشية الزلل
 
بين رغد العيش وخشية الزلل

الشيخ أحمد إبراهيم الجوني

الخطبة الأولى
الحمد لله الذي صبَّ علينا النعم صبًّا، ووسَّع علينا الفضل فضلًا، ونستغفره استغفار من يعترف بالتقصير، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جلَّ عن الشبيه والنظير، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، النذير البشير، والخير الكثير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإنها الأنس في الوحشة، والزاد يوم العقدة، قال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

أيها الأحبة في الله، قفوا معي بقلوبكم لحظةً عند هذا المشهد الذي ينبض بالخشية، حكاه لنا الإمام البخاري في صحيحه: عن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، أن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: «قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كفن في بردة، إن غُطي رأسه بَدَتْ رِجْلاه، وإن غُطي رِجْلاه بدا رأسُه- وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني- ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط- أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا»، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام؛ (البخاري برقم 1275).

فتأملوا أيها الأحباب: هذا القلب الحي؛ يُقدَّم له طعام إفطاره وهو صائم، فما يشغله لذيذ الطعام، بل تشغله ذكريات التضحية! يبكي خوفًا من أن تكون نعم الدنيا حسنات مُعجَّلة، وهو من أسبق الناس إلى الجنة.

فيا عجبًا لحالنا اليوم!
النعم من الله تتوالى، وكثير من القلوب تقسو! نأكل من أطيب الثمار التي تُجلَب لنا من مشارق الأرض ومغاربها، ونلبس أحدث وأرقى الثياب، ونركب الفاره من المراكب، ونسكن المنيع من القصور، وننام على أوثر الفرش.. ثم نتساءل: أين الشكر؟

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].

فأيها الأحباب، شتان بين الحالين: كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يجمعون بين إحسان العمل والوجل من عدم القبول، وصرنا نجمع بين الإساءة والأمن من مكر الله! نرفل في النعم، ونبارزه بالتقصير والتهاون. وليس العجب من غرق الناس في ملذَّات الدنيا وشاشاتها وملاعبها ومشاريعها؛ إنما العجب من استثقال بضع دقائق في الصلاة، يناجي فيها العبد ربَّه! تجد المرء يقف بالساعات الشداد متابعًا لمباراة أو مشغوفًا بترفيه، بصوت جهير وجسد نشط، حتى إذا نودي: "حي على الصلاة"، تثاقلت الأقدام، وحسبت الدقائق، وضاق الصدر بالركوع والسجود!

وأعظم من ذلك خطرًا وأشد جرمًا أن يتحول هذا التثاقل إلى "غمز ولمز" بشعائر الدين أو المستمسكين بها، أو الاستهانة بأحكام الشريعة تحت مُسَمَّى "المزاح" و"قطع الوقت".

تذكروا حادثة تبوك: "حين قال رجل في مجلس- على سبيل المزاح وقطع الطريق- كلمات في حق القراء ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة؛ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسُنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق! لأُخبرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُخبِره، فوجد القرآن قد سبقه! فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، يعتذر ويتعَلَّق بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب! والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول: ﴿ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66]"؛ (أخرج أصله الطبري في تفسيره برقم 16983، وابن أبي حاتم، وحسن الإسناد الشيخ الألباني في صحيح السيرة النبوية).

عباد الله، إن الكلمة قد تهوي بصاحبها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكَلَّم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكَلَّم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم»؛ (البخاري برقم 6478).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:
أيها المسلمون، إن حفظ اللسان هو حصن الإيمان، وحماية العقل والقلب من الانزلاق.

وتأملوا التفصيل الدقيق الذي قرره علماء الأمة في حقيقة السخرية:
النوع الأول (المحرم): السخرية بالأشخاص لصفاتهم الخلقية أو الخلقية أو أفعالهم الدنيوية، وهذا ذنب عظيم ومعصية قبيحة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ [الحجرات: 11].

النوع الثاني (الناقض للإيمان): الاستهزاء بشيء من دين الله، أو بسُنَّة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو التنقُّص من الصالحين لأجل استقامتهم وتطبيقهم لشرع الله؛ فهذا ليس مجرد معصية، بل هو طعن في الدين وردة عن الملَّة والعياذ بالله؛ لأن الخَلَل ههنا يعود إلى الشريعة ذاتها.

فيا أخي المبارك، إذا رأيت من إخوانك مقصرًا فادْعُ له بالهداية، وإذا رأيت مستمسكًا بالحق فاشدُدْ على يده، وإياك ثم إياك أن يصبح لسانُك شبكةً تصطاد بها حسناتك.

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم اهدِنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يَهْدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنَّا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم أوزِعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا، وأوزعنا أن نعمل صالحًا ترضاه، واحفظ ألسنتنا من الزَّلَل، وقلوبنا من الخَلَل، وثبِّتْنا على الإيمان حتى نَلْقاك وأنت راضٍ عنَّا. اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين.






الساعة الآن : 07:55 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 9.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 9.80 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.95%)]