هل نصرنا الله لينصرنا الله؟!
هل نصرنا الله لينصرنا الله؟! الشيخ عبدالله بن محمد البصري الخطبة الأولى أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120].أَيُّهَا المُسلِمُونَ؛ مُنذُ وَجِدَ الإِنسَانُ عَلَى هَذِهِ الأَرضِ، وَالخِلافَاتُ تَقُومُ بَينَ بَني آدَمَ وَتُوقَدُ نِيرَانُهَا عَلَى مُستَوَيَاتٍ شَتًّى، تَصغُرُ وَتَكبُرُ وَتَضِيقُ وَتَتَّسِعُ، وَيَنتَهِي بَعضُهَا في سَاعَاتٍ أَو أَيَّامٍ، وتَصِلُ بَعضُهَا إلى حُرُوبٍ وَمَعَارِكَ تَستَغرِقُ شُهُورًا، بَل قَد تَمتَدُّ إِلى عِدَّةِ أَعوَامٍ، يَستَحِرُّ فِيهَا القَتلُ وَيُهلَكُ الحَرثُ وَالنَّسلُ، وَلا يَبقَى في النِّهايَةِ إِلاَّ الأَقوَى، نَعَم، لا يَبقَى إِلاَّ الأَعَزُّ وَالأَقوَى، وَحِينَ يَسمَعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِالقُوَّةِ الَّتي يَحصُلُ بِهَا التَّغَلُّبُ عَلَى الآخَرِينَ وَالإِمسَاكُ بِزِمَامِ الأُمُورِ، يَتَّجِهُ ذِهنُهُ إِلى القُوَّةِ المَادِّيَّةِ، وَيَتَذَكَّرُ تَجهِيزَ الأَسلِحَةِ وَإِحضَارَ العَتَادِ، وَوُجُوبَ تَجيِيشِ الجُيُوشِ وَإِلزَامِ الجُنُودِ بِالمُرَابَطَةِ عَلَى الثُّغُورِ وَالحُدُودِ، وَذَلِكَ وَإِن كَانَ حَقًّا لا رَيبَ فِيهِ، وَهُوَ مِن بَذلِ الأَسبَابِ وَإِعدَادِ العُدَّةِ المَأمُورِ بِهِ شَرعًا، فَإِنَّهُ لَيسَ كُلَّ القُوَّةِ وَلا مُنتَهَى الإِعدَادِ، بَل ثَمَّ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَيهِ وَمَا يَكتَنِفُهُ، وَمَا يَجِبُ أَن يَكُونَ حَاضِرًا في الأَذهَانِ قَبلَهُ وَبَعدَهُ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 1 - 11]. إِنَّ الكُفرَ وَأَهلَهُ مَخذُولُونَ، وَالإِيمَانَ وَالمُؤمِنِينَ مَنصُورُونَ، وَأَعمَالَ الكُفَّارِ في ضَلالٍ وَسَعيَهُم في وَبَالٍ، وَأَعمَالَ المُؤمِنِينَ وَتَمَسُّكَهُم بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَثَبَاتَهُم عَلَى الحَقِّ، تَكفِيرٌ لِسَيِّئَاتِهِم وَإِصلاحٌ لأَمرِهِم، وَلا يَستَوِي مُتَّبِعُو البَاطِلِ وَمُتَّبِعُو الحَقِّ، وَلَو شَاءَ اللهُ لانتَصَرَ مِنَ الكُفَّارِ بِعَذَابٍ يُنزِلُهُ عَلَيهِم فَيُهلِكُهُم بِهِ كَمَا أَهلَكَ الأُمَمَ السَّابِقَةَ، وَلَكِنَّ مِن حِكمَتِهِ أَن يَبتَلِيَ المُؤمِنِينَ بِالكُفَّارِ وَالمُتَّقِينَ بِالمُنَافِقِينَ وَالفُجَّارِ، لِيَتَّخِذَ مِنَ المُؤمِنِينَ شُهَدَاءَ يُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ وَيَرفَعُهُم في أَعلَى المَنَازِلِ، وَلِيَعلَمَ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ، وَالصَّابِرَ الثَّابِتَ مِمَّن يَجزَعُ وَيَفشَلُ وَيَتَنَازَلُ. وَمَعَ إِعدَادِ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى وَعَدَ الَّذِينَ يَنصُرُونَهُ سُبحَانَهُ بِالقِيَامِ بِدِينِهِ وَالدَّعوَةِ إِلَيهِ، وَجِهَادِ أَعدَائِهِ قَاصِدِينَ بِذَلِكَ وَجهَهُ، وَعَدَهُم بِأَن يَنصُرَهُم وَيُثَبِّتَ أَقدَامَهُم، وَأَن يَربِطَ عَلَى قُلُوبِهِم بِالصَّبرِ وَيَرزُقَهُمُ الطُّمَأنِينَةَ، وَأَن يُعِينَهُم عَلَى أَعدَائِهِم، وَوَعْدُ الكَرِيمِ سُبحَانَهُ صَادِقٌ لا يُخلَفُ، فَمَن نَصَرَهُ بِالأَقوَالِ وَالأَفعَالِ، فَإِنَّهُ سَيَنصُرُهُ وَيُيَسِّرُ لَهُ أَسبَابَ النَّصرِ المَادِّيَّةَ الظَّاهِرَةَ وَالمَعنَوِيَّةَ البَاطِنَةَ. أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ؛ إِنَّ المُؤمِنِينَ إِذَا امتَثَلُوا أَمرَ اللهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِم، وَاجتَمَعَ لَهُم مَعَ حُسنِ الإِعدَادِ صِحَّةُ الاعتِقَادِ، وَالصِّدقُ في المُرَابَطَةِ وَالجِهَادِ، وَأَظهَرُوا افتِقَارَهُم إِلى القَوِيِّ العَزِيزِ وَحدَهُ وَأَرادُوا أَن تَكُونَ كَلِمَتُهُ هِيَ العُليَا وَدِينُهُ هُوَ المُهِيمِنَ، وَجَدَّدُوا إِيمَانَهُم وَتَعَهَّدُوهُ في قُلُوبِهِم، وَأَطَاعُوا الرَّحمَنِ وَاجتَنَبُوا العِصيَان، وَلم يَغتَرُّوا بِكَثرَتِهِم أَو قُوَّتِهِمُ المَادِّيَّةِ، تَحَقَّقَ لَهُم حِينَئِذٍ النَّصرُ وَالأَمَانُ، وَأَحَاطَت بِهِمُ السَّكِينَةُ وَحَصَلَ لَهُمُ الاطمِئنَانُ، وَكَانُوا أَهلاً لِلنَّصرِ المُبِينِ؛ لأَنَّهُمُ تَوَكَّلُوا عَلَى القَوِيِّ المَتِينِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]، وَإِنَّ الاستِخلافَ في الأَرضِ وَتَمكِينَ الدِّينِ القَوِيمِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ بَعدَ النَّصرِ، لَهِيَ أَعظَمُ مِنَ فَرحَةِ النَّصرِ نَفسِهَا وَأَحلَى مِن لَذَّتِهِ؛ لأَنَّ النَّاسَ قَد يَثبُتُونَ في المِحَنِ وَيَصبِرُونَ عَلَى الاستِضعَافِ، وَيَحتَمِلُونَ البَلاءَ وَالفَقرَ وَالقِلَّةَ، وَلَكِنَّ القَلِيلَ مِنهُم مَن يَثبُتُ عَلَى ما بَعدَ حُصُولِ النَّصرِ وَتَمَامِ النِّعمَةِ، بِدَوَامِ الشُّكرِ وَلُزُومِ طَاعَةِ اللهِ، وَالاستِمرَارِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ، وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 55، 56]، وَقَالَ سُبحانَهُ: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41]. أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَالحَذَرَ الحَذَرَ مِمَّا قَد يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعضُ النَّاسِ مِنَ الفَخرِ بِالقُوَّةِ المَادِّيَّةِ، أَوِ الإِعجَابِ بِمَا قَد يَتَوَفَّرُ مِن سِلاحٍ أَو عَتَادٍ، فَإِنَّ اللهَ وَحدَهُ هُوَ النَّاصِرُ الغَالِبُ؛ كَمَا قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [آل عمران: 160]، وَمَن قَرَأَ التَّارِيخَ عَلِمَ أَنَّ المُسلِمِينَ في كَثِيرٍ مِن غَزَوَاتِهِم وَمَعَارِكِهِم، كَانُوا هُمُ الأَقَلَّ عُدَّةً وَعَدَدًا، وَمَعَ هَذَا هَزَمُوا المُشرِكِينَ في بَدرٍ وَالخَندَقِ، وَأَسقَطُوا عُرُوشَ الفُرسِ وَالرُّومِ في سَنَوَاتٍ، وَلَمَّا أُعجِبُوا في يَومِ حُنَينٍ بِكَثرَتِهِم وَقَالُوا لَن نُغلَبَ اليَومَ مِن قِلَّةٍ، كادُوا يُهزَمُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَمَّا تَوَاضَعُوا لِرَبِّهِم وَعَرَفُوا ضَعفَهُم وَعَاقِبَةَ إِعجَابِهِم، أَنزَلَ اللهُ السَّكِينَةَ عَلَيهِم وَنَصَرَهُم؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:25- 27]. أَلا فَلْنَكُنْ رَبَّانِيِّينَ مُقتَدِينَ بِالصَّالِحِينَ الصَّابِرِينَ، وَلْنَتَأَمَّلْ قَولَ أَحكَمِ الحَاكِمِينَ: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 146 - 148]. الخطبة الثانية أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَاعلَمُوا أَنَّ قَلِيلَ التَّقوَى يَغلِبُ كَثِيرَ الجُيُوشِ، وَأَنَّ القُوَّةَ القَلبِيَّةَ أَجدَرُ بِالنَّصرِ مِنَ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]. فَإِذَا تَمَسَّكَ النَّاسُ بِالدِّينِ، وَتَسَلَّحُوا بِالصَّبرِ وَاليَقِينِ، فَلْيُبشِرُوا بِالعِزِّ وَالتَّمكِينِ، وَأَمَّا مَن تَخَلَّى عَنِ الإِسلامِ وَانشَغَلَ بِالتَّوَافِهِ، وَرَضِيَ بِالمُنكَرَاتِ وَلم يُنكِرْهَا، فَلا يَستَنكِرَنَّ أَن تَتَكَالَبَ عَلَيهِ الأُمَمُ، وَأَن يُسَلَّطَ عَلَيهِ الذُلُّ، ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ [الحج: 18]، وَمَعَ هَذَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ، وَفي ظِلِّ مَا نَعِيشُهُ مِن أَحدَاثٍ، فَاطمَئِنُّوا وَتَذَكَّرُوا قَولَ اللهِ تَعَالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]. نَعَم أَيُّهَا الإِخوَةُ، اِطمَئِنُّوا وَبَشِّرُوا وَانشُرُوا السَّكِينَةَ في قُلُوبِ مَن حَولَكُم، وَتَعَلَّقُوا بِاللهِ العَزِيزِ الجَبَّارِ، وَلا تَهُولَنَّكُمُ الأَنبَاءُ وَالأَخبَارُ، وَأَكثِرُوا مِن عَمَلِ الصَّالِحَاتِ مَعَ الاستِغفَارِ، وَافزَعُوا إِلى الصَّلاةِ وَالدُّعَاءِ وَالإِحسَانِ إِلى الضُّعَفَاءِ وَالفُقَرَاءِ، فَقَد كَانَ رَسُولُنا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى، وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "اُبغُوني الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرزَقُونَ وَتُنصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم"؛ رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ. وَعَن مُصعَبِ بنِ سَعدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ عَن أَبِيهِ، أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضلًا عَلَى مَن دُونَهُ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا يَنصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعوَتِهِم وَصَلاتِهِم وَإِخلاصِهِم"؛ رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبانيُّ. وَأَخِيرًا أَيُّهَا المُسلِمُونَ؛ فَإِنَّ مِن أَهَمِّ مَا يُؤَكَّدُ عَلَيهِ في أَيَّامِ الفِتَنِ وَالمِحَنِ، تَوحِيدَ الصَّفِّ وَتَقوِيَةَ الوَحدَةِ، وَاجتِمَاعَ الكَلِمَةِ عَلَى وُلاةِ الأَمرِ، وَرَدَّ الأُمُورِ إِلَيهِم وَإِلى العُلَمَاءِ، وَالحَذَرَ مِن نَقلِ الشَّائِعَاتِ أَو إِذاعَةِ مَا يُرَوِّعُ أَو يُفزِعُ، فَالأَمرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللهِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 11]. |
| الساعة الآن : 07:55 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour