أسئلة يسأل عنها العبد في الآخرة
أسئلةٌ يسأل عنها العبدُ في الآخرة د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري الحمد لله رب العالمين، الحمد لله أبدعَ ما أوجدَ، وأتقنَ ما صنَعَ، وكلُّ شيءٍ لجبروته ذلَّ ولعظمته خضَعَ، سبحانه وبحمده في رحمته الرجاء، وفي عفوِه الطمعُ، وأُثنِي عليه وأشكُره؛ فكم من خيرٍ أفاضَ ومكروهٍ دفَع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعالى في مجده وتقدَّس، وفي خلقِه تفرَّد وأبدَع، وأشهد أن سيدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ مُقتدًى به وأكملُ مُتَّبَع، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أهلُ الفضلِ والتّقَى والورَع، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ولنهجِ الحق لزِم واتَّبَع، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. أيها المؤمنون: يعيش أبنائنا الطلاب هذه الأيام أجواء الاختبارات، نسأل الله المعين أن يعينهم، ونسأل الله الفتاح أن يفتح عليهم المغاليق، ونسأل الله العليم أن يعلمهم ما ينفعهم وينفعهم بما علمهم، ويزيدهم علمًا وفهمًا وفقهًا في دينهم، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا نخشاه كأننا نراه، وأول وسيلة للعلم يا عباد الله هو تقواه سبحانه وتعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]. واعلموا يا عباد الله: أن كل واحدٍ منا صغيرنا وكبيرنا لا بد أن يسأل، وإذا كبر سنه وتجاوز عمره سن المقاعد الدراسية والاختبارات النهائية، فهنالك قاعات للاختبارات تنتظره ولا بد. فالعبد يوم القيامة يُسأل عن كل شيء فعله في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 93]، وقال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92، 93]، فما من واحد منا إلا وسوف يسألُ عن الشهادة: لا إله إلا الله، هل تم تحقيقها أم لا؟ نسأل الله الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: « والذي لا إله غيره، ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم، ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم، ماذا عملتَ فيما علمت؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟»، فيسأل العباد كلهم عن خُلَّتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين؟ وإذا كان هنالك من الطلاب من يدخل إلى قاعات الاختبارات وللأسف لم يتجهز للاختبار ولم يتهيأ له ولم يذاكر مذاكرة الرجل الجاد الحريص على مستقبله وعلى حياته، فإن من عباد الله من يدخل اختبار الآخرة وهو فاقد لبطاقة النجاة، لم يعمل في الدنيا بما يؤهله للاجتياز في الآخرة ولو بشفاعة الشافعين، فلا ينفعه لا قريب ولا مسؤولٌ ولا مشفقٌ ولا محب، فمن كان منزوعُ الإيمان في الدنيا، فهو منزوع الرحمة في الآخرة، ومن جعل لله ندًا وشريكًا ومثيلًا وشبيهًا وشريكًا فهو مثله مثل الذي يدخل إلى قاعة الاختبار ولم يتصفح صفحةً واحدةً من الكتاب الذي سوف يسألُ عنه، قال الله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ [النحل: 56]، وقال الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [النحل: 27]، وهم الذين انتقصوا من قدر الله تعالى وعظمته وكبريائه فافتروا على الله الكذب، ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف: 19]، فلا إله إلا الله شهادةً نوقن بها صدقًا وحقًا لنلقى بها ربنا، فنتجاوز بها اختبارات الآخرة. عباد الله: نحن نحث طلابنا دائمًا وأبدًا على تنظيم أوقاتهم، وترتيب أولوياتهم، وحصاد العلم المطالبين به حصادًا جيدًا، ويسخروا جهدهم في الاستذكار والفهم والحفظ والاتقان حتى يدخلوا قاعات الاختبار وهم على أكمل جاهزية لأي سؤالٍ يفاجؤهم، فالأسئلةُ غير معروفةٍ هل هي من السهولة بمكان، أم تحتاج إلى تفكيرٍ عميق، وتحليلٍ دقيق، وتركيزٍ عالٍ للوصول إلى الإجابة الصحيحة؟ قد يتعرض الإنسان إلى نسيان معلومةٍ قد فهمها وحفظها وراجعها قبل دخوله الاختبار، ولكن بقدر الله تغلق عليه المغاليق في الاختبار، اللهم يا معلم آدم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، ويا مؤتي لقمان الحكمة آتنا الحكمة وفصل الخطاب. ولكن أسئلة الآخرة واضحةٌ جلية معروفةٌ لا تخفى على أحد، فحين يدخل الإنسان قبره، وهي أول منازل الآخرة وأول قاعات الاختبار للحياو البرزخية، فإن الأسئلة ثلاثةٌ لا رابع لها. فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَنَزَّلَتْ إِلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ كَأَنَّ عَلَى وُجُوهِهِمُ الشَّمْسَ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَنٌ وَحَنُوطٌ، فَجَلَسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، حَتَّى إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ، صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلاَّ وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ: أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ قَالُوا: رَبِّ عَبْدُكَ فُلاَنٌ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُوهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ: فَإِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ، إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ، فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلاَمُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27]، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلاَمُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ يَأْتِيهِ آتٍ حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِكَرَامَةٍ مِنَ اللهِ وَنَعِيمٍ مُقِيمٍ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ، مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، كُنْتَ وَاللَّهِ سَرِيعًا فِي طَاعَةِ اللهِ، بَطِيئًا عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَبَابٌ مِنَ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ عَصَيْتَ اللَّهَ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ هَذَا، فَإِذَا رَأَى مَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ: رَبِّ عَجِّلْ قِيَامَ السَّاعَةِ كَيْمَا أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي، فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ، فَانْتَزَعُوا رُوحَهُ، كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الْكَثِيرُ الشِّعْبِ مِنَ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ، وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ، فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ، إِلاَّ وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ: أَنْ لاَ تَعْرُجَ رُوحُهُ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَإِذَا عُرِجَ بِرُوحِهِ، قَالُوا: رَبِّ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ عَبْدُكَ، قَالَ: أَرْجِعُوهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، قَالَ: فَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِ أَصْحَابِهِ، إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ آتٍ فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، فَيَقُولُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَوْتَ، وَيَأْتِيهِ آتٍ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِهَوَانٍ مِنَ اللهِ، وَعَذَابٍ مُقِيمٍ، فَيَقُولُ: وَأَنْتَ، فَبَشَّرَكَ اللَّهُ بِالشَّرِّ مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، كُنْتَ بَطِيئًا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، سَرِيعًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، فَجَزَاكَ اللَّهُ شَرًّا، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ أَبْكَمُ فِي يَدِهِ مِرْزَبَةٌ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ كَانَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ وَيُمَهَّدُ مِنْ فُرُشِ النَّارِ. كما نسأل الله أن يوفق أبناءنا الطلاب ويفتح عليهم ويسددهم ويبلغهم أعالي الدرجات، فنسأله سبحانه وتعالى أن يثبتنا عند السؤال في قبورنا ويفتح علينا الإجابة السديدة فيجيرنا من فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن عذاب جهنم إن عذابها كان غراما. استغفروا الله عباد الله وتوبوا إليه وتهيأوا للعرض الأكبر يوم القيامة تنجوا، فربكم غفور رحيم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله حمدًا ييسر بها سؤلنا في الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، دلنا على الصحيح من الجواب بفصل الخطاب، وحذرنا من الزيغِ والضلال والانحراف عن الصراط المستقيم لكيلا نقف موقفَ التائه والمضيع للجواب.عباد الله: ثبت في القرآن والسنة أن الإنسان إذا مات فإنه يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة عملها في الدنيا من خير أو شر فالخير يجزى عليه والشر يعاقب عليه، وأول ما يحاسب عليه الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمَّها أم نقصها؟ فإن كانت تامة: كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا: قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع: قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم ". ويسأل العبد يوم القيامة عن أمور أربعة: فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَنْ تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ))، فوقتك يا عباد الله سوف تحاسب عليه يا عباد الله، كيف استثمرته؟ وفيم تستثمره؟ فمنا من يعمره بالطاعات، ومنا من يعمره بالمعاصي والخطيئات، ومنا من يعمره فيما لا ينفعه لا دنيا حصد ولا آخرةً جنى، فيسهب في ضياع وقته في المباحات نومٌ كثير وأكلٌ وفير وجل أوقاته تقضى في التنزه واللهو واللعب وإن كان مباحًا، وإن كان يسأل عن عمره كله فيما أفناه، فإنه يسأل أيضًا عن شبابه فيما أبلاه، لأن سن الشباب هو سنُّ القوة العقلية والجسدية، فإذا مضى عمره ضعفت قواه الصحيةِ والذهنية، وكلٌ سوف يسأل أيضًا عن ماله من أين اكتسبه؟ أمن طريق حلال أم من طريق محرم؟ أهو بعرق الجبين أم بتحايلٍ وغش وخداع وغرر؟ عباد الله: وإن من أسئلة الآخرة الواضحة البينة المعروفة لكل إنسان ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر:8]، وسؤال الله تعالى عن هذا النَّعيم؛ ليقرر عبده بما أنعم به عليه، وهل أدَّى حقَّ هذه النعم أم لا؟ وحقها شكرها، فإذا كان من الشاكرين لله تعالى، بأن تحدث بنعمة الله تعالى، واستخدمها في طاعته، وفيما هو مباح؛ فقد أدَّى حقها، ونال رضا الله تعالى، وإن لم يشكر الله تعالى كان جاحدًا لها، ففي صحيح مسلم من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللّه لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا". وإن من الأسئلة التي يسأل بها العبد يوم القيامة: ما قاله الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، فسوف يسأل الإنسان عن مسموعاته، ومشاهداته، وأيضًا معتقداته. وأيضًا سوف يسأل الإنسان أيضًا عن مسموعات ومشاهدات ومعلومات ادعاها ببهتانٍ وعلى غير حق، قال قتادة رحمه الله تعالى: (( لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله )). ومما سوف يسأل عنه العبد يوم القيامة أيضًا يا عباد الله: عهوده ومواثيقه هل وفى بها أم نقضها ولم يؤدي حقها؟ قال الله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء:34]. والسؤال الأخير يا عباد الله، تسألُ الأممُ يوم القيامة: ﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 65]، هل اتبعتم رسولكم الذي أرسل إليكم فصدقتموه فيما أخبر، وأطعتموه فيما أمر، وانتهيتم عما نهى عنه وزجر؟ هل اقتديتم بهديه وتأسيتم بسننه وشريعته؟ صلوا على الحبيب المصطفى، على خير الورى وأطهرهم وأزكاهم، واعلمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ عَبْدِ مُسْلِمٌ أكْثرَ من الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَّا نوَّر اللَّهُ قَلْبَهُ، وغفرذنبه، وَشَرْح صَدْرِه، وَيُسِرّ أَمَرَه فأكثِروا مِنْ الصَّلَاةِ لعَلَّ اللَّه يجعلكم مِن أهلِ مِلَّته، ويستعملكم بِسُنَّتِه، وَيَجْعَلُه رفيقنا جَمِيعًا فِي جنَّتِه، فَهُو المُتفضِّل عَلَيْنَا برحمتِه. الدعاء وتخصيص الأبناء بالدعاء لهم بالتوفيق والسداد. عباد الله: هذه أسئلة معروفة لكل مؤمن سوف يسأل عنها كل إنسان، ثلاثةٌ في القبر، والأخرى يوم القيامة ولن يوفق إلى الإجابة إليها إلا عبدٌ صالحٌ عرفَ مستقبله فعمل لما يسعده ويصلح حاله في الدنيا والآخرة، ومن أراد النجاة فطريقها: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمائه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. |
| الساعة الآن : 11:03 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour