من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟
من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟ عدنان بن سلمان الدريويش بعض المواقف التي تمر على الإنسان تجعله حائرا يتساءل: لماذا تصرّفت هكذا؟، هل كان قراري ثمرة عقلٍ متزن، أم اندفاع عاطفي جارف؟، والحقيقة أن الإنسان لا يُقاد بالعقل وحده، ولا بالعاطفة وحدها، بل بصراعٍ خفيّ بينهما، فإن غلب أحدهما اختلّ الميزان، وإن وُجِّها معًا استقامت الحياة، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، فكان التدبّر وهو عمل العقل مرتبطًا بالقلب وهو موطن العاطفة، وإليكم وقفات مع العقل والعاطفة: أولًا: العاطفة قوة الدفع الأولى، فالعاطفة هي أول ما يتحرك في الإنسان؛ بها يحب، ويغضب، ويخاف، ويطمئن، وهي التي تجعل الفعل يتحرك، قال تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾ [الأنفال: 63]، فالقلوب هي محل التأثير الحقيقي، إخوة يوسف عليه السلام لم يُخطئوا لقلة عقل، بل لغلبة مشاعر الغيرة، فقادهم القلب المنفلت إلى قرار أظلم أعينهم عن العواقب. ثانيًا: العقل بوصلة التوجيه والتقدير، فالعقل يمنح الإنسان القدرة على التفكير في النتائج، والموازنة بين المصالح والمفاسد، قال تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾، تكرار هذا النداء في القرآن دليل على أن الإسلام يريد عقلًا حاضرًا لا معطَّلًا، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الحديبية، كانت العاطفة تميل للقتال، لكن العقل والحكمة قادا القرار إلى الصلح، فكان فتحًا مبينًا. ثالثًا: حين تنفرد العاطفة بالقيادة، إذا تحكّمت العاطفة وحدها، ضاق الأفق، وتسارعت القرارات، قال صلى الله عليه وسلم: " ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ "؛ رواه البخاري، رأى موسى عليه السلام في شبابه الظلم، فتحرّك بدافع العاطفة فنصر المظلوم، لكن اندفاعه أدى إلى القتل الخاطئ، فكانت درسًا في ضرورة توازن العقل مع الشعور. رابعًا: حين يتسلّط العقل بلا عاطفة، العقل المجرد من العاطفة يصنع قرارات باردة، قاسية، قد تكون صحيحة حسابيًا لكنها مؤلمة إنسانيًا، قال تعالى في ذمّ القسوة: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم ﴾ [البقرة: 74]، فرعون لم يكن فاقد العقل، لكنه كان فاقدا للرحمة، فقادته الحسابات المجردة إلى طغيان أعمى فأهلكه. خامسًا: القلب هو القائد الحقيقي، في التصور الإسلامي، القلب هو مركز القيادة، والعقل والعاطفة أدواته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ" رواه البخاري، فالقلب إذا صلح، أصبح العقل حكيمًا، والعاطفة منضبطة، يوسف عليه السلام جمع بين عقل واعٍ وعاطفة قوية، وقلبه كان موصولًا بالله، لما حاولت زليخة أن تغويه بالفاحشة، قال: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾، فانتصر القلب المؤمن، فانقاد العقل والعاطفة معًا للحق. أيها الشباب، إن الإنسان لا يُحسن العيش حين تحكمه العاطفة وحدها، ولا حين يقوده العقل وحده، بل حين يكون القلب موصولًا بالله، فيتحرك العقل بحكمة، والعاطفة بوعي، فالعقل يرشدنا الطريق، والعاطفة تمنحنا الطاقة، والقلب المؤمن يمسك القيادة. |
| الساعة الآن : 04:55 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour