كفران النعم ومظاهر الإسراف المعاصر في الأفراح والمناسبات
كفران النعم ومظاهر الإسراف المعاصر في الأفراح والمناسبات الشيخ أحمد إبراهيم الجوني الخطبة الأولى إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، الملكُ الحقُّ المبين، تفرَّد بالنعمِ فما من نعمةٍ بالعبادِ إلا منه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، نبيُّ الهدى، وإمامُ المتقين، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آلِه وصحبِه والتابعين؛ أما بعد:فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ مراقبةَ من يعلمُ السرَّ وأخفى، واشكروا له على ترادفِ نعمِه وآلائِه، واعلموا أنَّ النعمَ صيدٌ والشكرَ قيدُها، وما حُفظتْ موجودةٌ ولا استُجلبتْ مفقودةٌ بمثلِ طاعةِ المنعمِ سبحانَه، يقولُ جلَّ وعلا في كتابِه الكريم: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. وقد جاء في الأثر الإلهي (الحديث القدسي) الذي يرويه الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الجواب الكافي" ومفاده: "وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل منه إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره، ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب"؛ (أخرجه أبو نعيم في الحلية، وذكره ابن القيم في الجواب الكافي صـ 67). أيها الأحبة في الله: إننا نعيشُ في زمنٍ انفتحتْ فيه الدنيا، وبسطَ اللهُ فيه الأرزاقَ، ولكنَّ العجبَ العجابَ أنْ تقابَلَ هذه النعمُ بالتبذيرِ والتباهي، والمظاهرِ الجوفاءِ التي لا ترضي اللهَ ولا رسولَه. لقد غفلَ كثيرٌ من الناسِ عن محاسبةِ أنفسِهم في كيفيةِ إنفاقِ هذا المال، وتناسوا وعيدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللَّهِ بغيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ"؛ (رواه البخاري في صحيحه، رقم: 3118). وإنَّ من أقبحِ صورِ هذا التخوّضِ والإسرافِ ما نراهُ اليومَ في: 1- حفلاتِ الزواجِ والمناسباتِ المستحدثة. 2- البذخ والتباهي وتسابقُ العوائلِ في حجزِ قاعاتِ الأفراحِ الفاخرةِ بأسعارٍ خيالية، والتعاقدِ مع شركاتِ تنظيمِ الحفلاتِ بمبالغَ باهظةٍ، لا لشيءٍ إلا للمباهاةِ، وتصويرِ ذلك عبرَ منصاتِ التواصلِ الاجتماعي استعراضًا أمامَ الناس ورضوخًا لآراء سفهاء الموضة. 3- صناعةُ الموائدِ الضخمةِ وإهدارُ الأطعمةِ بشكلٍ كارثي، وإعدادُ بوفيهاتٍ وموائدَ تفوقُ حاجةَ الحاضرين بأضعاف، ليُنتهى بمئاتِ الكيلوجراماتِ من النعمِ والأقواتِ في حاوياتِ النفايات، في وقتٍ تموتُ فيه أممٌ من الجوع. 4- الحفلات المبتدعة المتكررة: فلم يعدْ الأمرُ مقتصرًا على حفلِ الزواج، بل استحدثَ الناسُ حفلاتٍ لكلِّ حركةٍ وسكنة (حفلة خطوبة، حفلة عقد قران، حفلة توديع عزوبية، استقبال مولود بمظاهر باهظة، حفلات تخرج مصغرة وموسعة)، وكلُّها تستنزفُ الأموالَ وتُهدرُ الأوقاتَ الثمينة. هذا إذا سلِمتْ تلكَ الأفراحُ من المآثمِ الظاهرة، فكيفَ إذا وفدَ إليها المنكرُ من أوسعِ أبوابِه؟ بجلبِ المغنينَ والمغنياتِ بالأثمانِ الباهظة، والوقوعِ في الاختلاطِ والمجاهرة؛ لتنقلبَ المناسبةُ من شكرِ النعمةِ إلى شراءِ الأوزارِ والآثامِ بالمال قال الله تعالى محذرًا من طغيان المال: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾ [سورة العلق: 6-7]. فاتقوا اللهَ يا عبادَ الله، وكونوا لنعمِه شاكرين، وفي نفقاتِكم مقتصدين، والزموا منهجَ الوسطيةِ والاعتدال الذي وصفَ اللهُ به عبادَ الرحمنِ بقولِه: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ [سورة الفرقان: 67]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له في الآخرةِ والأولى، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المصطفى، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وأولِي النُّهى؛ أما بعدُ:فيا أيها المسلمون: اعلموا أنَّ النكاحَ والزواجَ سُنّةٌ مرغَّبٌ فيها، ونعمةٌ عظيمةٌ من نعمِ اللهِ على العباد؛ لما فيه من إعفافِ الفروجِ، وتحصينِ القلوبِ، وتكثيرِ سوادِ الأمةِ، ونشرِ المودةِ والرحمةِ بين الأسر، ولكنَّ المؤسفَ حَقًّا، أنَّ ما أحدثَه الناسُ اليومَ من غلاءِ المهورِ، وإرهاقِ كاهلِ الشبابِ بتكاليفِ الحفلاتِ والاشتراطاتِ التعجيزية، أصبحَ عائقًا كبيرًا أمامَ هذه النعمة، وثبّطَ هِممَ الشبابِ والفتياتِ عن العفة، مما تسببَ في تأخرِ سنِّ الزواجِ وعرقلتِه، وربما قادَ إلى فشلِ الزواجاتِ سريعًا بسببِ ديونِ المصاريفِ الباهظةِ التي بدأتْ بها الحياةُ الزوجية. إنَّ الواجبَ الشرعيَّ والاجتماعيَّ يتحتّمُ على أولي الأحلامِ والنُّهى، وعقلاءِ المجتمعِ، وكبارِ العوائلِ، أنْ يتكاتفوا لإنكارِ هذه المظاهرِ الدخيلة، وأنْ يسعوا جاهدين للتيسيرِ في المهورِ، واختصارِ الحفلاتِ وتكاليفِها. تذكروا دائمًا توجيهَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم المبارك حيث قال: "أعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً"؛ (رواه الإمام أحمد في مسنده، رقم: 24529، والبيهقي في شعب الإيمان). فاتقوا اللهَ يا عبادَ الله، وخذوا على أيدي سفهائِكم، واعلموا أنَّ البركةَ في التيسيرِ لا في التعسير والمباهاة، ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقد قال جلَّ وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين الأربعةِ الأئمةِ المهديين: أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنّا معهم بعفوِك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين… اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، واجعلنا لنعمِك من الشاكرين، ولا تؤاخذنا بما فعلَ السفهاءُ منا. عِبَادَ اللَّهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل: الآية 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) [ سورة العنكبوت آية 45]. |
| الساعة الآن : 07:45 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour