ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الأخت المسلمة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=45)
-   -   الأنثى.. بين الماضي والحاضر (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331948)

ابوالوليد المسلم 27-09-2026 09:08 PM

الأنثى.. بين الماضي والحاضر
 
الأنثى.. بين الماضي والحاضر




إيمان مغازي الشرقاوي



حمل فأسه، والشرر يتطاير من عينيه، لكنه ما لبث أن انطفأ، وحلّت محله دموع يخفيها خلف نظارة استكباره وعاره المتوهَّم، فما زال في أعماق فطرته بصيص من نور يتردد بين ثنايا وجدانه وروحه، لكنه سرعان ما يصطدم بالواقع المؤسف الذي يعيشه، والعقيدة المشوهة التي يحملها، والبيئة الفاسدة التي يحيا فيها، والتقليد الأعمى الذي فرضه على نفسه، وأقرّه المجتمع من حوله.
وفي حالة من الذهول، رفع يديه بالفأس تارة، وخفضهما أخرى، حتى وقف أمام منخفض عميق في الأرض، وحفرة سحيقة تكفي للمهمة التي عزم عليها.
أما هي، فما زالت تتألم وتلعق جراحها التي لم تندمل بعد، وتئن من شدة الألم الممزوج بقسوة الجاحدين لنعم مولاهم، الرافضين عطاء خالقهم، المتمردين على هداياه، الزاهدين فيها.
وانخلع قلبها مع صرخة دوّت رغماً عنها، وهم ينتزعون منها فلذة كبدها انتزاعًا، وهي لا تزال بدمائها تتمخض، وبأناتها تزفر، فقد آن للعروس الصغيرة الوليدة، التي دخلت عالم الدنيا منذ قليل، وطرقت بابها منذ لحظات، ورأت النور لتوّها، أن تلتحم بالتراب، وتحتضن حبيباته، وتتوسد ذراته، وتعانق تربته في سبات عميق، بعيدًا عن وجوه هؤلاء القساة الذين دسوها في غياهبه وظلامه رغمًا عنها، وهي لا تملك لنفسها شيئًا.
لم يرحموا ضعفها، ولم يقدّروا قدرها، وهي النسمة الطاهرة التي لم ترتكب إثمًا ولم تقترف ذنبًا، وكما أطلقت صرخة الحياة الأولى، أطلقت صرختها الأخيرة في صمت، لتفقد معها هذه الحياة!
وكأنها تنادي: بأي ذنب قُتلت يا أبتاه؟! إنك لأشد قسوة من الحجارة، وإن التراب الذي غيّبتني فيه كان أحنّ عليّ منك!
أما هو، فقد انصرف بعدما أدى مهمته بنجاح، كما يظن! ونسي أن الله تعالى لا يرضى بالظلم، ولو كان واقعًا على وليدة صغيرة لم تنطق بعد، وأنها ستقف بين يدي الله سبحانه وتعالى تشكو إليه هذا الظلم: يا رب، سل هذا: لِمَ ظلمني؟ وفيمَ قتلني؟!
إن هذه الصورة المقيتة كانت من سمات الجاهلية، حين كان الرجل يتسخط لولادة الأنثى، فيئد ابنته خشية العار أو الفقر، ويظلم زوجته ويقهرها بانتزاع ابنتها منها، ولم يدرك قيمة الهبة التي وهبها الله له؛ فهو سبحانه المعطي الوهاب: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ {49} أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى).
رحمة الإسلام بالأنثى

جاء الإسلام يحمل الرحمة مع تشريعاته الربانية الحكيمة، فحفظ للأنثى حياتها، وصانها من الظلم، وجعل لها حقوقًا منذ كونها جنينًا في بطن أمها، وإلى أن تلقى ربها، وكرّمها في مختلف أحوالها؛ ابنةً وأختًا، وزوجة وأمًّا، وعمة وخالة وجدة.
فإذا جهل البعض هذه الحقوق أو تجاهلوها، ضاعت، وضاع معها حق الأنثى، وتعرضت للظلم بأشكاله المختلفة.
وللأسف، يحدث ذلك في عصرنا الحاضر، الذي يوصف بالتحضر، ويُرفع فيه شعار العدل، وتُدعى فيه المجتمعات إلى المساواة! فمن نظر في أحوال بعض الإناث في مختلف البلدان، وجد منهن من تموت كل يوم وهي لا تزال على قيد الحياة، وقد تتعرض للظلم مرة بعد أخرى.
وقد يقع الظلم عليها من أبيها أو أخيها، أو زوجها أو أبنائها، عمدًا أو تقصيرًا، وقد يكون من مديرها في العمل بتسلطه عليها، أو من المجتمع بسبب عادات وتقاليد مخالفة لشرع الله عز وجل، تُمارس ضدها بقصد أو بغير قصد.
فهل تفكرنا في هذه الصور من الظلم؟ وهل عرفنا للأنثى حقها، وأدركنا دورها العظيم في بناء الأسرة والمجتمع والأمة؟
الأنثى في الحاضر

في عالمنا الحاضر، تتعدد صور ضياع حق الأنثى، كليًا أو جزئيًا؛ فقد يكون الظلم واضحًا بيّنًا، وقد يكون خفيًا في ثنايا المعاملة أو التربية الخاطئة.
ومن أبرز صور الظلم التي قد تتعرض لها الأنثى:
1- إجهاضها وهي جنين لأنها أنثى: رغبة في إنجاب الذكر بدلًا منها، أو التسخط عند ولادتها وتمني أن تكون ذكرًا.
2- تفضيل الذكر عليها: في المعاملة والمحبة والعطية والميراث، وقد قال الله تعالى: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) (النساء: 7)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (متفق عليه).
3- إهمال تربيتها على الإيمان والتوحيد: وكذلك إهمال تربيتها على العفة والستر ومكارم الأخلاق، وانشغال الوالدين عنها بسبب العمل أو غيره.
4- تربيتها على الترف الزائد: مع التقصير في إعدادها لتكون ابنة بارة، وزوجة صالحة، وأمًّا واعية، وربة بيت مسؤولة، ولبنة قوية نافعة في المجتمع.
5- حرمانها من التعليم المناسب: إهمال الجانب الشرعي في تعليمها، وتركها تتخبط في ظلمات الجهل، مع أن طلب العلم من أعظم ما يُصان به الإنسان ويُبنى به المجتمع.
6- تزويجها قسرًا دون رضاها: تزويجها من رجل فاسق طمعًا في ماله أو منصبه أو مكانته، أو تزويجها في سن مبكرة لا تستطيع معها تحمل أعباء الحياة الزوجية.
7- عضلها عن الزواج: من قِبل وليها؛ طمعًا في مالها، أو رغبة في بقائها لخدمته.
8- تعرضها للعنف الأسري: من الزوج أو من بعض أفراد الأسرة.
9- استيلاء بعض الأولياء على مالها: ومنعها من التصرف فيه بما كفله لها الشرع.
10- إثقالها بأعباء العمل على حساب دورها الأسري: وحرمانها من ممارسة الأمومة بصورة متوازنة وحقيقية.
11- إقحامها في أعمال شاقة أو مهينة: عدم إنصافها في الأجر والحقوق الوظيفية.
12- إضرار بعض الأزواج بالزوجة: عدم معاشرتها بالمعروف، والتضييق عليها حتى تفتدي نفسها منه بمالها، أو تتنازل عن بعض حقوقها.
13- حرمان المطلقة من حقوقها: أو من أولادها، أو التضييق عليها في الزواج مرة أخرى، وإحاطتها بنظرة اجتماعية جائرة.
14- التغرير بها وإغراقها في عالم الموضة والأزياء: والعمليات التجميلية، والتلاعب بجسدها وإشعارها الدائم بعدم الرضا عن مظهرها.
15- استغلالها في الإعلانات: إبراز مفاتنها وجمالها للترويج لمختلف المنتجات والسلع.
16- إقحامها في بعض الرياضات أو الممارسات: التي قد لا تناسب طبيعتها الجسدية أو تعرضها للأذى.
17- وقوع بعض الإناث في براثن المخدرات والتدخين وسائر السلوكيات الضارة: نتيجة الضغوط أو ضعف التربية وغياب الوازع الديني ومراقبة الله عز وجل.
18- استغلالها من قِبل العصابات الإجرامية: في التسول والسرقة والاتجار بالبشر والدعارة وسائر الأعمال المشينة.
19- تجويعها وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية: في الغذاء والمسكن الآمن، أو الاتجار بها بسبب الفقر الذي خلّفته الحروب والصراعات، التي قد يمتد أثرها لسنوات طويلة.
20- تعرضها للقتل والاعتداء في الحروب: التي لا تراعي حرمة ولا تفرق بين صغير وكبير، فضلًا عن الاعتداء على عفتها وكرامتها.
ومن أقسى صور الظلم ما تتعرض له الأنثى في الحروب التي تسلبها كل شيء، حتى حياتها؛ طفلة كانت أو امرأة كبيرة، وقد تُجبر على مشاهدة أبيها يُقتل أمام عينيها، أو يُعتدى عليه أو يُختطف أو يُعتقل، وترى بيتها يتحول إلى ركام وحطام، فتجد نفسها في الشارع بلا مأوى، بعد أن فقدت البيت والأهل والجيران والصديقات.
وهكذا تتعدد صور الظلم وتختلف من شخص إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، إلا أن نتيجتها واحدة؛ قهر الأنثى والتعدي على حقها في حياة كريمة تحفظ إنسانيتها وتصون كرامتها، كما أراد لها الله عز وجل.
فالأنثى ليست عبئًا ينبغي التخلص منه، ولا تابعًا يُهدر حقه، وإنما هي إنسان كرّمه الله، وأودع فيه من القدرات والطاقات ما يجعلها شريكًا أصيلًا في بناء الأسرة والمجتمع والأمة، وقد جاء الإسلام ليخرجها من ظلمات الظلم والامتهان إلى رحاب التكريم والرعاية والعدل، ويضع لها من الحقوق والواجبات ما يحفظ كرامتها ويصون فطرتها.

ويبقى التحدي الحقيقي في أن تتحول هذه المبادئ من نصوص تُتلى وشعارات تُرفع إلى واقع يُعاش؛ فتُحفظ للأنثى حقوقها، وتُصان كرامتها، وتُربى على الإيمان والعلم والعفة والمسؤولية، لتؤدي رسالتها في الحياة وهي مكرّمة آمنة، لا مظلومة مقهورة.





الساعة الآن : 01:42 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 12.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 12.56 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.74%)]