ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331917)

ابوالوليد المسلم 27-09-2026 02:37 PM

{وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا}
 
﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا ﴾ [النحل: 30]

عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، المنزل كتابه هدًى ورحمةً للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإحسان بوابة الفلاح في الدارين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، الداعي إلى دار السلام، والمتمِّم لمكارم الأخلاق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم في موكب حياة متسارع، تتنازع فيه القلوب أهواء الدنيا وزخارفها، ولا عاصم اليوم من حيرتها إلا الاعتصام بنور الوحي الإلهي، الذي يُبدِّد الحُلْكة، ويرسم معالم الطريق إلى الفلاح الأخروي والأمن الدنيوي.

أيها المسلمون، يقف بنا كتاب الله جل وعلا في سورة النحل على مشهد عظيم، يصور حال أهل التقوى واليقين، يقول سبحانه: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: 30].

إنها آية تسكب في النفس السكينة، وتفتح للروح آفاقًا من الجلال والجمال.

فحين يسأل الذين اتقوا ربهم عن الوحي والمنزل، لا تتردَّد أفواههم ولا تضطرب قلوبهم، بل تنطلق إجابتهم في كلمة واحدة تجمع شتات الفضل كله: "خيرًا".

وتأملوا- يا عباد الله- كيف جاءت كلمتهم مجملةً بليغةً، تنضح بالرضا واليقين؛ فلم يقولوا "أنزل أحكامًا" أو "أنزل تكاليف"، بل قالوا: "خيرًا"، فكل ما جاء من عند الله هو خير محض، ورحمة مسداة.

وما أشد الفارق بين مقالة أهل الإيمان ومقالة أهل الطغيان!

فقبل هذه الآية بآيات، يذكر الله حال المستكبرين إذا سئلوا نفس السؤال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النحل: 24]، فشتان بين من يرى الوحي خرافةً تافهةً، وبين من يراه رحمةً وشفاءً ونورًا وعافيةً.

ولله در قتادة- رحمه الله- حين وقف عند هذه الآية، فقال: «عقلواعنالله،فاستيقنواأنماأنزلاللههوالخير،فعملوابه».

إنها عين التعظيم والإجلال، فلا يرى المؤمن في التكاليف مشقةً، بل يراها رحمةً مهداةً، ونورًا مبينًا يتبدد به ظلام الغواية، فيقابل شريعة ربه بالقبول والتسليم المطلق، لسان حاله: "رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا".

عباد الله، تأتي البشارة الإلهية في هذه الآية كقانون ثابت لا يتخلف: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ [النحل: 30]، لتؤكد أن الإحسان ليس نافلةً هامشيةً، بل هو منهج حياة يصوغه العبد في عبادة خالقه كأنه يراه، وفي معاملاته مع الخلق برًّا وصلةً وفضلًا.

وتلك الحسنة المعجلة تتجلى طُمَأْنينةً في القلب، وبركةً في الرزق، وذكرًا طيبًا بين الناس، ليكون الإحسان بوابته لعيش كريم في العاجلة، وفوز عظيم في الآجلة.

أيهاالمسلمون، قفوابقلوبكمهاهناخاشعين،وتأملوامهابةاللفظوجلالالإيج از!

حين قال ربنا العظيم: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: 30]، طوىسبحانهذكراسمهافيهذهالآيةفلميصرحبه، ليذهب الخيال في وصفها كل مذهب، ولتعلم النفوس أن موضع الحذف هنا تعظيم وتفخيم، وأن فيها من النعيم ما لا عين رأتْ، ولا أُذُن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر! دار طابت طينة بنائها، وصفَتْ أنهارُها، ودام نعيمُها، وأمان أهلها فيها أنهم لا يموتون، وشرفهم الأسمى فيها أنهم لربهم ينظرون.

فـيا لعظم الجائزة! ويا لجلال المآل!»

ألا تستحق دار هذا ثناؤها من رب العالمين، أن يبذل في سبيلها الغالي والنفيس؟

ألا تستحق تقوى تفنى في الله أعمارنا لأجلها؟

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه، أما بعد:
أيها المسلمون، إذ تتزين الدنيا بمفاتنها، يأتي التعقيب الإلهي ليضبط بوصلة السائرين: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: 30].

شتان بين متعة زائلة ونعيم مقيم، وبين دار ممرٍّ ودار مقرٍّ! وفي هذا التذكير توجيه بليغ بأن يجعل المؤمن الآخرة هدفه الأسمى؛ فإذا ما عرضت له مصلحة دنيوية عابرة في كفة، واقتضت طاعة الله الوقوف في الكفة الأخرى، انحاز بيقينه إلى ما يقربه إلى دار الخلود، مستصغرًا كل عرض زائل في سبيل رضا المليك المقتدر.

وتأملوا في هذا الميزان الإلهي ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منكانتالآخرةُهمَّه،جعلاللهغناهفيقلبه،وجمعلهشمله،وأ تتهالدنياوهيراغمة».

فيا عباد الله، أين نحن من هذا الميزان في واقعنا؟ حين تزدحم علينا المشاغل، وتتسارع خلفنا الأيام، كم من مصلحة دنيوية عابرة قدمناها على طاعة الله؟ وكم من نداء للحق أخَّرناه انشغالًا بزينة الحياة الدنيا؟

إن المتقي الحقيقي ليس من يعتزل الدنيا، بل هو من يخوض غمارها وقلبه معلق بالآخرة؛ يبيع الفاني بالباقي، ويشتري رضا الله بترك ما يهوى.

إن هذه الآية العظيمة دليل عملي يتجاوز حدود البيان إلى واقع السلوك؛ تبدأ برباط تدبر يومي لا ينفصم مع كتاب الله، وتمر عبر إحسان متدفق في الحياة ببر الوالدين والإحسان إلى الناس، وتثمر ختامًا في مواقف الابتلاء والاختيار، لتتحرك الجوارح والقلوب تطلُّعًا لتلك الدار التي وصفها الله عز وجل بأبلغ ثناء: ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [النحل: 30].

اللهم اجعلنا من المتقين المحسنين، واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا. اللهم آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذاب النار.

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.






الساعة الآن : 12:03 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 10.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 10.08 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.92%)]