ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   الملتقى العلمي والثقافي (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54)
-   -   دردشة على فنجان قهوة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331842)

ابوالوليد المسلم 25-09-2026 05:15 PM

دردشة على فنجان قهوة
 
دردشة على فنجان قهوة

سهاد عكيلة
ونحن نُنهي أعمال السنة الأخيرة من تخصُّصِنا[1]، تتراءى لكلٍّ منا صورةٌ ترسم ملامحَ المرحلة المقبلة، وتحدِّد أُطُرَ المستقبل القريب، وتزدحم في مخيِّلتنا الأفكارُ، لتتساءل: ترى كيف نتلمَّسُ خُطانا، ونثبِّتُ أقدامَنا في هذا العالم الواسع المسمَّى: الإعلام؟

بعد التخرُّج سينطلق كلٌّ منا إلى سوق العمل، ليصنع مستقبله، ويبني مجْدَه، ولكلٍّ أسلوبُه في البناء، وهذا مطلوب؛ لأن الاختلاف من طبيعة البشر، ولأنه يُضفي على الحياة ألوانًا أخرى، فيزيدها رونقًا وجاذبية، ويحقِّق من خلالها التكاملَ في الجهد البشري وفي ميادين الحياة، وهو ثروة حقيقية إنِ الْتزم المختلفون قواعدَه.

ولكن الاختلاف لا يعني القفزَ على أصول المهنة، وهو لا يعني العصيانَ على أصالة القيم التي تربَّيْنا عليها، والاختلافُ أيضًا لا يعني أن نلقي بأخلاقنا وراءَ ظهورِنا، ونمضي لنحقِّق ما نهوى؛ فللمهنة أدبياتٌ، ما نجح في حياته النجاحَ الحقيقي، وما بنى المجدَ الذي يستحق، إلا مَن تعلَّمها، وحرَصَ على تطبيقها.

ومهما غيَّرنا وبدَّلنا من وسائلَ، واخترنا من أساليبَ في حياتنا العملية، تبقى الحقيقةُ واحدةً لا تتغير ولا تتلوَّن.

فلا نقع في شَرَكِ تملُّق الزعماء، فنَدَعَ القلمَ يشرِّق ويغرِّب، ولا نقع في فخِّ الدعم المادي، فلا أحد منهم يدفع "لوجه الله"، سيكون دعمه في الغالب مشروطًا، والصحفي الحر هو الذي يؤسِّس لقلمٍ حرٍّ نزيه، قويٍّ عصيٍّ على التكسُّر، ولا نقع في حُفَر المناصب والمراكز الموعودة، مقابلَ تزييف حقيقة، أو تلوين خبر؛ فأنت وأنا، وهو وهي، سنكون أعمدةَ الإعلام المسؤول، وعلينا تقع مسؤوليةُ استكمال عملية البناء على أُسُسٍ متينة، من خلال الاستفادة من خبرات مَن سبَقَنا والإضافة عليها، وتصحيح مسار ما انحرف منها.

ما أودُّ قولَه - ونحن نودِّع مقاعدَ الدراسة، وزملاءَ التخصص، وأساتذة المهنة، والصرح العلمي الكبير الذي ضمَّنا أربع سنوات -: أن المالَ والشهرة والمناصب كلُّها جميلة ومغرية، ولكن مهما اشتدَّ سِحرُها، فإنها ستبقى قشورًا هشَّة، لا تلبث أن يَسْتَبِينَ ما تحتها من عَفَنٍ، وسيأتي يومٌ على كل مَن امتطى صهوتَها يتهاوى ليعود إلى نقطة البداية، ويا ليته يتعلَّمُ كيف يبتدئ من جديد.

دعكم من ثرثرتي قليلاً، فقد وعدتُكم بالقهوة، هل سمعتم بقصة القهوة والفنجان؟ إذًا، استمتعوا معي بنكهة هذه القصة.

الْتَقَى بعضُ خريجي إحدى الجامعات في منزل أستاذهم العجوز، بعد سنوات طويلة من التخرج، حقَّقوا فيها نجاحاتٍ كبيرةً في حياتهم العمليَّة، ونالوا أرفع المناصب، وحقَّقوا الاستقرار المادي والاجتماعي.

وبعد عبارات التحية والمجاملة، بدأ كلٌّ منهم يتأفف من ضغوط العمل والحياة، التي تسبِّبُ له الكثيرَ من التوتر.

وغاب الأستاذُ عنهم قليلاً، ثم عاد يحمل إبريقًا كبيرًا من القهوة، ومعه أكوابٌ من كل شكل ولون: صيني فاخر، ميلامين، زجاج عادي، كريستال، بلاستيك... بعضُ الأكواب كانت في منتهى الفخامة والجمال، وبعضُها الآخر كان من النوع الذي نجده في البيوت الفقيرة، وقال لهم أستاذهم: "تفضلوا، كلُّ واحد منكم يسكب لنفسه القهوة"، وعندما أمسك كلٌّ منهم بكوبه.

تكلم الأستاذ مجددًا:
"هل لاحظتم أن الأكواب الجميلة فقط هي التي وقع عليها اختيارُكم، وأنكم تجنَّبتُم الأكوابَ العادية؟ ومن الطبيعي أن يتطلَّعَ الواحد منكم إلى ما هو أفضل، وهذا بالضبط ما يسبِّب لكم القلقَ والتوتر، ما كنتم بحاجة إليه فعلاً هو القهوةُ، وليس الكوبَ، ولكنكم تهافتُّم على الأكواب الجميلة الثمينة، وعَيْنُ كل واحد منكم على كوب صديقه، فلو كانت الحياة هي القهوةَ، فإن الوظيفة، والمال، والمكانةَ الاجتماعية، هي الأكوابُ، وهي بالتالي مجردُ أدوات و"مواعين" تحوي الحياة، ونوعيةُ الحياة (القهوة) هي هي لا تتغير، وبالتركيز فقط على الكوب نضيِّع فرصة الاستمتاع بالقهوة".

وبعدُ، فلن أزيد على حكمة مَن فَهِمَ الحياةَ وخَبَرَها.

وإنما أقول: لعلنا نلتقي في أيام الحياة، لنحكي لبعضنا قصة الإعلام الذي شَرُف بإضافتنا إليه، ولم نكن حرفًا زائدًا عليه.

ــــــــــــــــــــ
[1] هذه مقالة كتبتُها في السنة التي تخرجتُ فيها في جامعة بيروت العربية (تخصص إعلام)، ضمن مشروع التخرج الذي كان عبارة عن مجلة اسمها "أصداء".









الساعة الآن : 11:46 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 7.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 7.08 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]