أم حكيم بنت الحارث.. بطلة في مواجهة الروم
أم حكيم بنت الحارث.. بطلة في مواجهة الروم د. رولا الحيت امرأة استثنائية استطاعت تطويع الأزمات الكبرى وتحويل الفواجع الشخصية إلى طاقة بناءة وقوة قتالية تذهل كل من يقرأ عنها في التاريخ الإسلامي. أم حكيم بنت الحارث خرجت من بيت كان يتصدر العداء للدعوة الإسلامية؛ فوالدها الحارث بن هشام وعمها أبو جهل. أسلمت يوم «فتح مكة» 8هـ، كانت قبل ذلك معادية للإسلام كبقية نساء قريش البارزات، وكانت متزوجة من عكرمة بن أبي جهل، الذي كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن مع دخول جيوش المسلمين مكة، شرح الله صدرها للإسلام فبايعت النبي صلى الله عليه وسلم مع جماعة من النساء. الجانب الأكثر إثارة وإلهاماً في قصتها ليس مجرد إسلامها، بل ما فعلته بعد ذلك مباشرة، بعد الفتح، أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم زوجها عكرمة بن أبي جهل لفرط جرائمه، ففرّ عكرمة باتجاه اليمن هرباً، أم حكيم لم تقف مكتوفة الأيدي؛ بل ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأمنته له (أي طلبت له الأمان)، فوهبها النبي صلى الله عليه وسلم أمانه. لم تكتفِ بأخذ الأمان شفاهة، بل انطلقت بمفردها مع غلام لها في رحلة شاقة وخطيرة للحاق بزوجها قبل أن يركب البحر، أدركته وهو على ساحل البحر في منطقة تهامة، وقالت له جملتها الشهيرة: «يا ابن عم، جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، فلا تهلك نفسك». بفضل إصرارها، عاد عكرمة إلى مكة، وحين اقترب، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه»، فأسلم عكرمة وحسن إسلامه واستشهد لاحقاً في معركة «اليرموك» وكانت معه زوجته أم حكيم تقاتل معه تحت لواء واحد في الجيش. تدوير الألم أم حكيم بنت الحارث لم يكن حضورها في صدر الإسلام مجرد حضور ثانوي، بل كان حضوراً محورياً ساهم في صياغة التاريخ السياسي والعسكري، قدمت فيه أم حكيم رضي الله عنها نموذجاً للمرأة التي استطاعت تطويع الأزمات الكبرى وتحويل الفواجع الشخصية إلى طاقة بناءة وقوة قتالية أذهلت المؤرخين. ولو تأملنا في حياة أم حكيم لوجدناها مليئة بالصدمات التي تزلزل أعتى الرجال؛ فقد فقدت أم حكيم في معارك «اليرموك» و«أجنادين» و«مرج الصفر» أعز أقاربها؛ والدها وأخاها وزوجها عكرمة، لكنها لم تقبل بالانكفاء على الحزن والندب، بل كانت تعيد تدوير ألمها ليتحول إلى إصرار ميداني، هذا التصرف منها يسمى في علم النفس «Post-Traumatic Growth»؛ أي النمو ما بعد الصدمة. هذا المفهوم لا يعني العودة إلى ما كنت عليه، بل يعني التحول إلى نسخة أقوى وأعمق نتيجة المرور بالمعاناة، وهذا يدل على قوة الشخصية، بمعنى إدراك الشخص لمعدنه الحقيقي، وشعوره بعبارة «إذا نجوت من هذا، يمكنني مواجهة أي شيء»، وهذا لا يعني أن الصدمة لم تكن مؤلمة أو أن الشخص سعيد بحدوثها، بل القدرة على جعل النمو والتغير الإيجابي والوجع تتعايش جنباً إلى جنب. سيكولوجية المواجهة استطاعت أم حكيم تدوير ألمها إلى عمل تعبوي وشجاعة مبهرة رفعت الروح المعنوية للجيش كله في «مرج الصفر». حيث إنها بعد استشهاد زوجها عكرمة خطبها بعد فترة القائد خالد بن سعيد بن العاص، وفي طريق الجيش إلى دمشق نزلوا في «مرج الصفر» وأراد البناء بها، وفي صبيحة عرسها وقبل أن تغادر خيمتها هجم الروم واستشهد زوجها خالد. هنا لم تهرع أم حكيم للبكاء أو الفرار، بل تجلت عبقريتها في إدارة الموارد المتاحة، اقتلعت عمود الخيمة وهو سلاح بدائي غير تقليدي، واقتحمت صفوف الروم. وتشير المصادر التاريخية إلى أنها قتلت بذاك العمود سبعة من الروم، وأطلق اسم قنطرة أم حكيم على المكان الذي قاتلت فيه تخليداً لذكراها. في علم النفس، يسمى هذا التصرف الذي قامت به أم حكيم في معركة «مرج الصفر» «سيكولوجية المواجهة»؛ هذه الصحابية الجليلة هي تجسيد حي لكيفية إعادة صياغة الذات بعد الانكسار والأزمات. وفي علم النفس تدرس مثل هذه الأمور لمعرفة الكيفية التي يتفاعل فيها الأفراد مع المواقف الضاغطة والصراعات أو التحديات المباشرة. وإذا طبقنا هذه الدراسة على تصرفات أم حكيم بنت الحارث نجد أنها امرأة قادرة على التعامل المباشر مع مصدر القلق والمشكلة، ومحاولة حل المشكلة بوعي وهدوء وعدم الهروب من المواقف الصعبة، بل مواجهتها بشكل صحيح وتقديم الحلول السريعة لإنهائها. بطولة عسكرية إن قصة أم حكيم بنت الحارث في معركة «مرج الصفر» لا تقف عند حدود البطولات العسكرية، بل هي تجسيد حي لكيفية إعادة صياغة الذات بعد انكسار وأزمة؛ فاقتلاعها لعمود خيمتها اكتشاف لمنفعة وسط الركام، وهو خيار القوة الذي ينقل الإنسان من ضيق الفقد إلى سعة التأثير. أم حكيم بنت الحارث رمز للمرأة التي لم تهزمها الظروف، بل طوعت التاريخ بإرادتها، من مفاوضة سياسية حكيمة، إلى زوجة وفية، وصولاً إلى مقاتلة استثنائية بعمود خيمتها في «مرج الصفر». وهي تخبرنا عبر العصور أن الصدمات قد تكسر البعض، لكنها تصقل البعض الآخر ليصبحوا منارات تهتدي بها الأجيال، مؤكدة أن البطولة لا ترتبط بنوع السلاح، بل بالروح التي تحمله. وهي واحدة من أكثر الشخصيات النسائية في التاريخ الإسلامي حنكةً، وشجاعةً، ورجاحة عقل، فهي ليست مجرد صحابية شهدت الوقائع، وإنما نموذج للمرأة التي تمتلك الوعي الإستراتيجي والقدرة على التأثير في أصعب الظروف. إن إنزال مواقفها على واقعنا المعاصر يجعل منها نموذجاً للمرأة المسلمة في 3 محاور: أولها: الوعي السياسي والقدرة على بناء الجسور عندما طلبت الأمان لزوجها من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قطعت الفيافي والقفار لتلحق بزوجها وتعيده مسلماً، لتكون امرأة مبادرة فعالة، ليست تابعة تنتظر تشكيل قدرها، بل هي صانعة قرار في أسرتها ومجتمعها. الأمر الثاني: كيف نتعامل ونتعايش في عصر الأزمات المتلاحقة، نموذج أم حكيم يعلم المرأة أن الأنوثة لا تعني الهشاشة، بل قوة داخلية تظهر وقت الشدائد لحماية القيم والمبادئ. ثم ها هي تعلمنا كيف نستثمر المتاح؛ فلم يكن معها سيف، فاستخدمت عمود الخيمة، هذا يعلمنا فقه المتاح؛ أن تقدم المرأة المسلمة نفعاً لمجتمعها وأمتها بما تملكه من أدوات ومهارات، حتى لو كانت بسيطة. أم حكيم كذلك كانت تعرف كيف توازن بين العقل والعاطفة، وتعلمنا البعد في النظر إلى الأمور ونهاياتها، فحين ذهبت لاسترداد زوجها، لم يحركها العشق المجرد، بل الرغبة في نجاته من الكفر والهلاك، وحين قاتلت، لم يحركها الانتقام العشوائي، بل الدفاع عن حياض المسلمين. نحتاج في وقتنا الحاضر إلى المرأة كقوة عاقلة، في زمن الانفجار المعلوماتي والعاطفي، نحتاج للمرأة التي تزن الأمور بميزان المصلحة العليا (الدين، الأسرة، المجتمع) وليس بميزان الانفعال اللحظي. نموذج أم حكيم يكسر الصورة النمطية التي تحاول حصر المرأة المسلمة بين خيارين؛ إما الانغلاق التام أو الذوبان في الثقافة الغربية، فأم حكيم تقول لنا: يمكنكِ أن تكوني قمة في الالتزام، وقمة في الشجاعة، وقمة في التأثير السياسي والاجتماعي، دون أن تفقدي هويتكِ أو أنوثتكِ. إنها نموذج «المرأة المحاربة» بالمعنى الحضاري، التي تبني بيتاً وتدير أزمة وتصنع تاريخاً. |
| الساعة الآن : 04:14 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour