ثلاث جالبة للهلاك
ثلاث جالبة للهلاك ياسر عبدالله محمد الحوري الخطبة الأولى الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الحمدُ للهِ الذي حذَّرنا سُبُل الهلاكِ والرَّدَى، ودلَّنا على طريقِ الهدى والتُّقَى. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً نعيشُ في ظلِّها ونحيا من أجلِها، ونلقى اللهَ تبارك وتعالى عليها. وأشهدُ أنَّ سيِّدنا وحبيبَنا وعظيمَنا وأستاذَنا ومعلِّمَنا محمدًا رسولُ اللهِ، صلَّى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِه وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّين.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. أما بعدُ؛ فيا أيُّها الأحبابُ الكرامُ في اللهِ: وقفَ النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم- ذاتَ يومٍ أمامَ أصحابِه، فوعظَهم موعظةً عظيمةً، وألقى عليهم كلماتٍ أغلى من الذهبِ، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ -كما في الحديثِ الذي رواه أنسُ بنُ مالكٍ رضي اللهُ عنه وأرضاه، وهو حديثٌ حسن-: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» [رواه البزار والطبراني، وحسنه الألباني]. ولذلكَ -إخوة الإيمانِ- هذه الثلاثُ المهلكاتُ لا تُهلِكُ الإنسانَ في الدنيا فقط، ولا يخسرُ بها الدنيا فقط، بل قد يخسرُ بها دنياه وآخرتَه، وقد يعيشُ في هذه الدنيا -بسببِ هذه المهلكاتِ- في شقاءٍ وهمٍّ وغمٍّ لا يعلمُه إلا اللهُ، رغْمَ ما يملِكُه من كنوزِ الدنيا وزخارفِها! ومَن اتَّصفَ بهذه الصفاتِ الثلاثِ، فتجدُه في شقاءٍ في الدنيا، وفي ضيقٍ وفي هم _ والعياذ باللهِ- وقد يشقى في دنياه وآخرتِه. 1. شُحٌّ مُطَاعٌ: والشُّحُّ -معاشرَ المسلمينَ- لا يُقصَدُ به البخلُ فقط. ففي الحديثِ الصَّحيحِ عنه عليه الصلاةُ والسلامُ لمَّا سُئِلَ: «أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: لَا» [رواه مالك في الموطأ]. فقد يكونُ الإنسانُ بخيلًا في يومٍ ما، لكنَّ الشُّحَّ ليس البخلَ فقط، مع أنَّ البخلَ مذمومٌ، ولكنَّ الشحَّ -إخوةَ الإيمانِ- هو البخلُ مع الحرصِ الشديدِ والطمعِ. وهذه مصيبةٌ؛ فبدلَ من أن يجعلَ الإنسانُ المالَ خادمًا في يدِه، يجعلُ المالَ ملِكًا وسيدًا يملِكُ قلبَه ويتحكَّمُ فيه! هذه هي المصيبةُ؛ عندما يصلُ المالُ إلى سَيِّدٍ يملِكُ قلبَك، بدلَ من أن كان خادمًا في يدِك تُحرِّكُه كيفما تريدُ. هذا هو الشحُّ، وهذا هو الهلاكُ الذي حذَّرنا منه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم. وانظروا يا عباد الله إلى عاقبة الشح المطاع، وكيف أن الطمع يُهلك أهله، واعتبروا بما قصّه الله علينا في كتابه من قصة "أصحاب الجنة"؛ إذ كان لهم والدٌ صالحٌ يتصدق من ثمار جنته وبستانه على المساكين والفقراء، فلما مات، ورثه أبناؤه، فتمكّن الشح من قلوبهم، وأطاعوا طمعهم، وأقسموا فيما بينهم ألا يدخلنّها اليوم عليهم مسكين! لقد أعمى الطمع بصائرهم، فغدوا في الصباح الباكر متخفين حريصين على منع حق الله وحق الفقراء، فماذا كانت النتيجة؟ طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم! تحولت إلى رمادٍ أسود، فلم يجدوا إلا الخسارة والندم، ولات ساعة مندم! قال الله تعالى مبينًا عاقبة شحهم وطمعهم: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17-20]. هكذا يصنع الشح المطاع بنعم الله؛ يُذهبها ويمحق بركتها ويُورث الهلاك. كم من أرحامٍ قُطِعَت بسبب المالِ والشُّحِّ فيه؟ كم من أرواحٍ أُزهِقَت بسبب الشحِّ والبخلِ والحرصِ الشديدِ والطمعِ؟ كم من أُسَرٍ شُرِّدَت بسبب المالِ والحرصِ الشديدِ والبخلِ؟ وقد حذَّرنا النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فقال: «شُحٌّ مُطَاعٌ»، مطاعٌ؛ بدلَ من أن تُسيِّرَه أنت، أصبحَ المالُ هو الذي تأتمرُ بأمرِه وتمشي وراءَه! هذه هي الطامَّةُ وهذه هي المصيبةُ. ولذلك قال اللهُ عزَّ وجلَّ وهو يتحدَّثُ عن الدنيا ويُحذِّرنا منها: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ• أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15-16]. 2. هَوًى مُتَّبَعٌ: يتبَعُ هواه، يُطِيعُ هواه، يجعلُ إلهَه هواه وهو لا يشعرُ! يمشي وراءَ الشهواتِ والملذَّاتِ التي تُغضِبُ اللهَ عزَّ وجلَّ، فما وافقَ هواه وأعجبَه مَشَى وراءَه ولو كان مخالفًا لشرعِ اللهِ! وهذه هي المصيبةُ. فاللهُ عزَّ وجلَّ قال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23]. تخيَّلوا معي، تخيَّل أن يكون إلهُك هواك من غيرِ ما تشعرُ! عندما يجتمعُ في وقتٍ واحدٍ أمرُ اللهِ عزَّ وجلَّ وأمرُ الآخرةِ مع أمرِ الدنيا، فصاحبُ الهوى -والعياذ باللهِ- يُقدِّمُ أمرَ الدنيا على أمرِ الآخرةِ. لكنَّ الذي يتَّبِعُ ما أمرَ اللهُ به ورسولُه عليه الصلاةُ والسلامُ، إذا تعارضَ أمرُ الدنيا مع أمرِ الآخرةِ، قدَّمَ أمرَ الآخرةِ على أمرِ دنياه، ومشى وراءَ الحقِّ ولا يتَّبِعُ هواه أبدًا. 3. إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ: إعجابُ المرءِ بنفسِه؛ فتحَ اللهُ عليه بمالٍ، فيظنُّ أنَّ هذا بتعبِه وكدِّه وبقوَّتِه فيُعجَبُ بنفِسه! فتحَ اللهُ عليه عزَّ وجلَّ من الخزائنِ، فيحتقِرُ الآخرينَ ويُعجَبُ بنفسه، لا؛ فلا يُعجَبُ الإنسانُ بنفسِه. ولهذا خَطِيرٌ أن يُعجَبَ الإنسانُ بمالِه, أو بقوَّتِه، أو بجاهِه، أو بلونِه، أو بطولِه! لا بدَّ أن نتنبَّه: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ». نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُوفِّقنا وإيَّاكم لما يُحبُّه ويرضاه، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفروه فيا فوزَ المستغفرينَ. الخطبة الثانية الحمدُ للهِ وكَفَى، وصلاةً وسلَامًا على عبادِه الذينَ اصْطَفَى.أما بعدُ، إخوةَ الإيمانِ: العلاجُ لهؤلاءِ الثلاثِ المهلكاتِ: علاجُ الشُّحِّ: هو البذلُ والعطاءُ، وأن تعلمَ أنَّ المالَ مالُ اللهِ عزَّ وجلَّ يأخذُه في أيِّ وقتٍ، فليتذكَّر الإنسانُ أنَّه قد ينجو من عذابِ اللهِ بسببِ نصفِ تمرةٍ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» [متفق عليه]. وليتذكَّر الإنسانُ أنَّه بعد مماتِه يتمنَّى أن يعودَ إلى الدنيا ليتصدَّقَ، فيقولُ: ﴿ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [المنافقون: 10]. فليتذكَّر أنَّ الإنفاقَ سيَسعدُ به في الدنيا والآخرةِ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]، وخاصَّةً إذا أنفقتَ على أُسرتِك وأرحامِك وأقاربِك، تكون الأجورُ مضاعفةً، ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩]. علاجُ الهوى: علاجُ الهوى المتَّبَعِ هو أن نتذكَّر الوقوفَ بين يدي اللهِ، وأن نُجاهدَ أنفسَنا على فعلِ الطاعاتِ ومرضاةِ اللهِ. قال اللهُ تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 40-41]. فليتذكَّر صاحبُ الهوى أنَّه إذا جاهدَ نفسه ونهاها عن المعاصي والذنوبِ، فالجزاءُ جنَّةٌ عرضُها السماواتُ والأرضُ. علاجُ الإعجابِ بالنفسِ: نتذكَّر جميعًا إذا أُعجِبنا بأنفسِنا أصلَ خلقتِنا؛ «كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» [رواه الترمذي]. لا فرقَ لأبيضَ على أسودَ، ولا لعربيٍّ على أعجميٍّ إلا بالتقوى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. فلنتذكَّر أصلَ خلقتِنا؛ أوَّلُنا نُطفةٌ مَذِرَةٌ، وآخرُنا جيفةٌ قَذِرَةٌ! لماذا نتكبَّر ونُعجَبُ بأنفسِنا؟ شوكةٌ واحدةٌ صغيرةٌ تجعلُك تنحني رغْمَ قوَّتِك وطولِك وعرضِك! شوكةٌ تجعلُك تتألَّم، فمَن أنا ومَن أنت؟ فلا نُعجَب، ولنتذلَّل بين يدي اللهِ. قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [يس: 77-79]. إذن أختِمُ وأُعيدُ حديثَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ». الدعاء: نسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُوفِّقنا وإيَّاكم لكلِّ خيرٍ، وأن يجعلنا وإيَّاكم من الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه. • اللهمَّ أصلِحنا وأصلِح شبابَ المسلمينَ وبناتِ المسلمينَ، ورُدَّنا إليك ردًّا جميلًا. • اللهمَّ لا تُخرِج هذه الوجوهَ المتوضئةَ من هذا الجامعِ إلا بذنبٍ مغفورٍ، وسعيٍ مشكورٍ، وعملٍ مقبولٍ، وتجارةٍ رابحةٍ لا تبورُ يا ربَّ العالمينَ. • اللهمَّ اجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا رخاءً سخاءً وسائرَ بلادِ المسلمينَ. • مَن أرادنا وأراد بلادَنا ودينَنا بسوءٍ فاللهمَّ اشغلْه بنفسِه، واجعل تدبيرَه في تدميرِه، ورُدَّ كيدَه إلى نحرِه يا مَن أنت على كلِّ شيءٍ قديرٌ. • اللهمَّ كُن لإخوانِنا المستضعفينَ على أرضِ فلسطينَ وسائرِ بلادِ المسلمينَ. • اللهمَّ عليك بأعدائِك أعداءِ الدِّين من اليهودِ والنصارى والمنافقينَ، أَرِنا فيهم عجائبَ قدرتِك يا مَن أنت على كلِّ شيءٍ قديرٌ. عبادَ اللهِ، صلُّوا وسلِّموا على مَن أمركم اللهُ بالصلاةِ والسلامِ عليه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]. اللهمَّ صَلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولِك النبيِّ الأمِّيِّ وعلى آلِه وصحبِه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدِّين... وأقمِ الصلاةَ. |
| الساعة الآن : 12:18 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour