الإيمان بالملائكة وأثره في حياة المسلم
الإيمان بالملائكة وأثره في حياة المسلم ياسر عبدالله محمد الحوري الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.أما بعد، أيها الإخوة الكرام: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل. وأسأله سبحانه وتعالى -بمنّه وكرمه- كما جمعنا في هذا المسجد المبارك على طاعته، أن يجمعنا وإياكم في مستقر رحمته، إخوانًا على سرر متقابلين. أيها المسلمون: ما زلنا نعيش في رحاب أصول الإيمان، وعقيدة التوحيد، وبعد أن فرغنا من الركن الأول وهو "الإيمان بالله"، ننتقل اليوم إلى الركن الثاني من أركان الإيمان الستة، ألا وهو: الإيمان بالملائكة. والملائكة عالم غيبي، خلقهم الله عز وجل من نور، كما ثبت في الحديث: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ» (رواه مسلم). وهم عباد مكرمون جُبلوا على الطاعة التامة، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، وقد منحهم الله سبحانه القوة العظيمة والقدرة على التنفيذ والتشكل بسائر الصور الحسنة بإذنه. إنهم يعبدون الله سبحانه وتعالى عبادة متواصلة لا يعرفون معها كَلَلًا ولا مَلَلًا، كما قال جل شأنه: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾ [الأنبياء: 20]. وقال سبحانه في وصف غلظتهم وشدتهم في طاعة أمره: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6]. عباد الله: إن الملائكة معصومون مفطورون على الطاعة والعبادة بلا شهوة تصرفهم، أما الإنسان فقد خلقه الله وركّب فيه العقل والشهوة؛ فإذا جاهد المسلم نفسه، وصبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ودافع الشهوات والفتن؛ فإن طاعته هذه بجهاده وصبره ترفعه عند الله مكانًا عليًا، وقد يفوق في منزلته الملائكة؛ لأنه يعبد الله بالرغم من وجود الصوارف والشهوات. أما إذا انقاد العبد لشهواته وعصى ربه، واقترف الموبقات وتولى عن الطاعات، فإنه ينحدر -والعياذ بالله- ليكون أدنى وأرذل من البهائم التي لا عقل لها؛ وفي هذا يقول الله جل جلاله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]. أيها المسلمون: إن الملائكة خلق كثير لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه، ومن الأدلة على كثرة عددهم ما ثبت في حديث الإسراء والمعراج حين رُفع للنبي صلى الله عليه وسلم البيت المعمور في السماء السابعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ». متفق عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ»؛ (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). ومع هذه العبادة الدائمة والعدد العظيم، والخشوع التام لله رب العالمين، فإنهم إذا كان يوم القيامة طأطأوا رؤوسهم وقالوا: «سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ»؛ (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة. فيا عجبًا لإنسان يغتر بعبادته القليلة وبصلاته وصيامه! إن عبادة الثقلين لو جُمعت ما وفت بنعمة واحدة من نعم الله جل وعلا، وكما قال التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "والله لو أنهم صاموا فما أفطروا، وقاموا فما فتروا، ما أدّوا حق نعمة من نعم الله كنعمة السمع والبصر وغيرها". أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن الإيمان بالملائكة الأبرار يتضمن أربعة أمور رئيسية: أولًا: الإيمان بوجودهم حقيقةً كما أخبر الله ورسوله. ثانيًا: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه؛ كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالًا. ثالثًا: الإيمان بما علمنا من صفاتهم الخَلقية؛ كجبريل عليه السلام الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وقد يتشكل الملائكة بأمر الله في هيئة بشر، كما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد (رواه مسلم). رابعًا: الإيمان بما علمنا من أعمالهم ووظائفهم التي يقومون بها بأمر الله: • فجبريل عليه السلام موكل بالوحي للأنبياء. • وميكائيل موكل بالقطر (المطر) والنبات. • وملك الموت موكل بقبض الأرواح ومعه أعوان من الملائكة. • وهناك ملائكة موكلون بكتابة أعمال العباد وحفظهم، وملائكة موكلون بالأجنة في الأرحام؛ فإذا تم للجنين أربعة أشهر بُعث إليه ملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. متفق عليه. عباد الله: إن الملائكة حاضرون في أهم لحظات العبد؛ ألا وهي لحظة الاحتضار والموت. فالمؤمن تبشره الملائكة بالروح والريحان وجنة النعيم، ورضا رب غير غضبان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]. أما الفاجر والكافر -والعياذ بالله- فتبشره الملائكة بالعذاب والسخط والضرب والنكال، كما قال جل وعلا: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93]. وأخيرًا؛ فإن الملائكة موكلون بسؤال العبد في قبره؛ فيأتيه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء. أيها الإخوة في الله: إن للإيمان بالملائكة ثمارًا يانعة وآثارًا عظيمة تظهر في سلوك المؤمن وقلبه؛ من الطمأنينة، والاستقامة، ومراقبة الله في السر والعلن، وسنتحدث عن هذه الثمار والآثار بشيء من التفصيل في الجمعة القادمة إن أحيانا الله جل وعلا. اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تذل الشرك والمشركين. اللهم انصر إخواننا المستضعفين والمرابطين في فلسطين وفي كل مكان، اللهم داوِ جرحاهم، وتقبل شهداءهم، وعجل بفرجهِم، واخذل عدوهم يا قوي يا عزيز. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة. |
| الساعة الآن : 07:28 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour