ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   باب فضل صلة الرحم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331395)

ابوالوليد المسلم 14-09-2026 07:31 PM

باب فضل صلة الرحم
 
باب فضل صلة الرحم

د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني

قال تعالى:﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75].


تفسير الآية:
قوله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة، الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث، كالخالة، والخال، والعمة، وأولاد البنات، وأولاد الأخوات، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات[1].


قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22].

تفسير الآية:
قوله: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: عن الجهاد، ونكلتم عنه، ﴿ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [محمد: 23]،وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال، والأفعال، وبذل الأموال[2].


في الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[3].


معاني المفردات:
أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ: أي يزاد في رزقه.
يُنْسَأَ لَهُ فِيأَثَرِهِ: أي يؤخَّر في عمره.
فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ: أي بالإحسان إليهم، وإكرامهم.


في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾[محمد: 22][4].


معاني المفردات:
حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ: أي لما انتهى من خلقهم.


قَامَتْ الرَّحِمُ: يحتمل أن يكون هذا على الحقيقة، فتتجسد، وتتكلم بإذن الله تعالى.


هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِبِكَ: هذه الإشارة إلى المقام أي قيامي، وهو زجر مصروف إلى المُستَعَاذ منه وهو القاطِعُ لا إلى المُسْتَعاذِ به تبارك وتعالى.


مِنِ الْقَطِيعَةِ: أي من قطع الرحم.


نَعَمْ: أي لك ما قلتِ.


أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ: أي هل ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟


بَلَى: أي نعم أرضى بأن تصل من وصلني وتقطع من قطعني؛ و«بلى» يجاب بها عن السؤال المنفي عند الإثبات.


فَذَاكِ لَكِ: بكسر كاف المخاطبة، أي وصل الواصل، وقطع القاطع.


اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: أي تصديقا لكلامي.


روى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»[5].


معاني المفردات:
لَيْسَ الْوَاصِلُ: أي الواصل لرحمه.


بِالمُكَافِئِ: أي المجازي لأقاربه إن وصلوه وصلهم نظير صلتهم له، وإن قطعوه قطعهم.


وَلَكِنِ الْوَاصِلُ: أي الذي يعتد بوصله.


الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا: أي إذا قطعوه وصلهم.


في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[6].


معاني المفردات:
مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ: أي إيمانًا كاملًا المُنجي من عذاب الله الموصل إلى رضاه.


بِاللهِ: أي ربا وإلها لا يستحق العبادة إلا هو جل وعلا.


وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: أي يوم القيامة، وسمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، وقيل: لأنه آخر يوم في الدنيا.


خَيْرًا: الخير اسم جامع لكل ما يحبه الله.


فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ: أي بالإحسان إليه وكف الأذى عنه، وغير ذلك من وجوه الإكرام.


فَلْيُكْرِمْضَيْفَهُ: أي بالبِشر في وجهه، وطيب الحديث معه، وإحضار المتيسر، ونحوه.


في الصحيحينعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ»[7].


معاني المفردات:
الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ:أيمستمسكة بعرش الرحمن، متعلقة بذيله، مستجيرة من القطيعة، مخبرة عن حكم الصلة.


تَقُولُ:أي بطريق الإخبار روايةً، وحكايةً، وتلذذا بما سمعت من الله تعالى، أو على سبيل الدعاء.


مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ: أي بحسن رعايته، وبجميل حمايته.


وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ: أي عن رحمته، ورأفته.


في الصحيحينعن مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ رضي الله عنها، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»[8].

معاني المفردات:
أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً: أي أَمَةً.


يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ: أي يبيت عندها فيه.


أَشَعَرْتَ؟: أي أعلمتَ؟


أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ: أي أكثر ثوابا لك.


ما يستفاد مما سبق:
1- تعظيم شأن الرحم، والحث على وصلها.
2- فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق.
3- عظيم إثم قاطعي أرحامهم.
4- مشروعية تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها.
5- من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر أن يقول المرء خيرًا، أو يسكت.
6- الحث على مراقبة اللسان، وإكرام الضيف، والجار.
7- التحذير من آفات اللسان.
8- الإسلام يسعى إلى إقامة مجتمع مترابط متماسك.
9- الإيمان باليوم الآخر أصل كل خير.
10- الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.


11- الأعمال من الإيمان، ولذلك ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الأعمال مع الإيمان بالله واليوم الآخر.


12- تقرير توحيد الربوبية.


13- قاطع الرحم لا يدخل الجنة إن أنفذ الله عليه الوعيد، لإجماع أهل السنة على أن الله تعالى في وعيده لعصاة المسلمين بالخيار إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم.


قال العلماء: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب لو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلا.


واختلف العلماء في حد الرحم التي تجب صلتها، فقيل: هو كل رحم محرَم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام، ولا أولاد الأخوال.


وقيل: هو عام في كل رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي المحرم وغيره، وهذا هو الصواب، ومما يدل عليه الحديث في أهل مصر: «فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا»[9]، وحديث: «إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ صِلَةُ الْوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ»[10]، مع أنه لا محرمية[11].

[1] انظر: تفسير ابن كثير (4/ 99-100).

[2] انظر: تفسير ابن كثير (7/ 317-318).

[3] متفق عليه: رواه البخاري (5986)، ومسلم (2557).

[4] متفق عليه: رواه البخاري (5987)، ومسلم (2554).

[5] صحيح: رواه البخاري (5991).

[6] متفق عليه: رواه البخاري (6138)، ومسلم (47).

[7] متفق عليه: رواه البخاري (5989)، ومسلم (2555)، واللفظ له.

[8] متفق عليه: رواه البخاري (2592)، ومسلم (999).

[9] صحيح: رواه مسلم (2543)، عن أبي ذر رضي الله عنه .

[10] صحيح: رواه مسلم (2552)، عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[11] انظر: شرح صحيح مسلم (16/ 113).









الساعة الآن : 06:17 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 19.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.44 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.48%)]