{يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ نايف عبوش من أعظم ما يوقظ في الإنسان وعيه بذاته، ويهذب سلوكه، أن يستشعر أن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، فهو العليم بما تُظهره الجوارح، وما تضمره القلوب، وما تخفيه الصدور. وقد جاء هذا المعنى جليًا في قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]. وهكذا تضع الآية الكريمة الإنسان أمام حقيقة لا يستطيع أن يتجاوزها، فالعلم الإلهي لا يقف عند حدود الكلام والأفعال الظاهرة، وإنما ينفذ إلى أعماق النفس، فيعلم النظرة التي يختلسها صاحبها، والنية التي يخفيها، والخواطر التي يستبطنها القلب، والمشاعر التي لا يبوح بها اللسان. وياتي التعبير القرآني (خائنة الأعين) بالغ الدلالة؛ فالعين قد تقول ما لا يريد اللسان قوله، وقد تفضح ما يحاول الإنسان ستره. إذ أن نظرة عابرة قد تحمل إعجابًا أو حسدًا أو رغبة أو استهانة، وقد يظن صاحبها أنها مرت دون أن يلحظها أحد، لكنها ليست غائبة عن علم الله تعالى. أما (ما تخفي الصدور) فهي أوسع وأعمق دلالة، إذ تشمل ما استقر في النفس من نيات، ومقاصد، ومشاعر، وأسرار. فقد يستطيع الإنسان أن يجمل صورته أمام الناس، وأن ينتقي كلماته، وأن يخفي بعض مواقفه، لكنه لا يستطيع أن يخفي حقيقة ما في قلبه عن خالق القلب، والعالم بأسراره. ومن هنا تتجلى أهمية مراقبة الإنسان لنفسه قبل مراقبة الآخرين له. فالمؤمن الحق لا يكتفي بأن يكون سلوكه صالحًا في أعين الناس، وإنما يحرص على أن يكون باطنه منسجمًا مع ظاهره، ونيته صافية بقدر استطاعته، لأن قيمة العمل لا تنفصل عن المقصد الذي يقف وراءه. إن استحضار هذه الحقيقة لا ينبغي أن يكون باعثًا على الخوف وحده، بل هو أيضًا دعوة إلى الطمأنينة؛ فالله الذي يعلم خفايا الصدور يعلم كذلك ما يختلج في النفس من ألم لا يُقال، ودعاء لا يُسمع، وصبر لا يراه الناس، وخير أراده الإنسان ولم يستطع فعله. وما يضيع عند الله شيء. وفي زمن كثرت فيه المظاهر الزائفة، وأصبح الإنسان قادرًا على صناعة صورة له أمام الآخرين عبر الكلام والصورة والفضاء الرقمي، تزداد الحاجة إلى هذه البصيرة القرآنية. فليس المهم كيف نبدو للناس فقط، وإنما من نحن حين لا يرانا أحد، وما الذي تختزنه نفوسنا حين تسقط الأقنعة وتنتهي المجاملات. إن قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19] ليس مجرد إخبار عن علم الله، بل هو تربية للضمير، ودعوة إلى الصدق مع النفس، وإصلاح السريرة، وتنقية القلب من كل ما يشوه صفاءه. فما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يستشعر رقابة الله، فيحفظ عينه من الخيانة، ولسانه من الأذى، وقلبه من الضغينة، ونيته من السوء، وأن يجعل خلوته أجمل من جلوته، وسريرته أنقى من علانيته. وحين يبلغ الإنسان هذه المرتبة من الوعي، يصبح أكثر صدقًا مع نفسه، وأقل حاجة إلى التظاهر أمام الآخرين، لأنه يدرك أن الحكم الحقيقي ليس لما تراه العيون، وإنما لما يعلمه رب العيون والصدور. وهكذا تظل الآية الكريمة مرآة للإنسان، تُذكره بأن ما يخفيه عن الناس ليس خافيًا عن الله، وأن صلاح الظاهر يكتمل بصلاح الباطن، وأن أجمل ما يملكه المرء قلبٌ لا يخجل من أن ينكشف أمره أمام علام الغيوب. |
| الساعة الآن : 06:33 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour