ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القصة والعبرة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=32)
-   -   مخموم القلب (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331329)

ابوالوليد المسلم 13-09-2026 01:55 PM

مخموم القلب
 
مخموم القلب

نورة سليمان عبدالله

قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ [الأعراف: 43]، وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودًا في قلوبهم، والتنافس الذي بينهم، أن اللّه يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانًا متحابِّين، وأخِلَّاء متصافين؛ فهم يدخلون الجنة بقلوب سليمة، زاخرة بالتوادِّ والتعاطف، حال كونهم تجري من تحتهم الأنهار فيرونها وهم في غرفات قصورهم فيزداد سرورهم وحبورهم.

كما في قوله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47]، فالنزع: القلع، يقال: نزع فلان هذا الشيء من مكانه إذا قلعه منه، وفعله من باب ضرب. والغِلُّ: الحقد والضغينة، وأصله من الغلالة، وهي ما يُلبس بين الثوبين: الشعار والدثار، أو من الغلل وهو الماء المتخلل بين الأشجار. ويقال: غلَّ صدر فلان يغِلُّ -بالكسر- غِلًّا إذا كان ذا غشٍّ، أو ضغن، أو حقد.

وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان». قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد».

"كلُّ مَخْمومِ القلبِ"؛ أي: سَليمِ القَلبِ نَظيفِه، وهو مِن تَخميمِ البَيتِ، أي: كَنْسِه وتَنظيفِه، والمعنى: أن يكونَ قلبُه نَظيفًا خاليًا مِن سيِّئِ الأخلاقِ. فمخموم القلب هو "التَّقيُّ"؛ أي: الخائفُ مِن اللهِ في سرِّه وعلَنِه، والمُراقِب له في كلِّ أعمالِه، "النَّقيُّ"؛ أي: نقيُّ القلبِ، وطاهِرُ الباطِنِ، "لا إثْمَ فيه"- وفي روايةٍ: "لا إثْمَ عليه"- أي: لا يوجَدُ به سوءٌ مِن الحِقْدِ والغِلِّ؛ فإنَّه مَحفوظٌ بحِفظِ اللهِ وعِنايتِه. وقولُه: "ولا بغْيَ"؛ أي: لا ظُلْمَ فيه ولا مَيْلَ عن الحقِّ، "لا غِلَّ"؛ أي: لا حِقْدَ، "ولا حَسَدَ"؛ أي: ولا يتمَنَّى زوالَ نِعْمَةِ الغَيْرِ.

فسلامة الصَّدْر من الصِّفاتِ الخبيثةِ كالغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ، وغيرِ ذلك مطلب لكل مسلم؛ لأن اللهَ سبحانه يَنظرُ إلى القلوبِ والأعمالِ، فيُجازي على ما يَطَّلِعُ عليه في قلبِ عبده مِن الإحسانِ أو غيرِه.

وكيف نسعى لمجاهدة أنفسنا وتخليصها من أدران الغل والحقد؟ هذه بعض أسباب تُعِين على ذلك:
1. الدعاء، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10]، فالمؤمنون ينتفع بعضُهم ببعض، ويدعو بعضُهم لبعض، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوَّة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضُهم لبعض، وأن يحب بعضُهم بعضًا. ومن الأمثلة على بعض الأدعية: "اللهم اهْدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسلُل سخيمة قلبي"، و"اللهم طهِّر قلبي من كل خلق لا يرضيك، اللهم طهِّر قلبي من الغل والحقد والحسد والكبر، اللهم طهِّر قلبي من كل سوء، من كل أذى".

2. الإكثار من الاستغفار والذكر، فهو غسيل القلوب من كل الأدران والأحقاد، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33]، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس قال لربِّه: بعزَّتِك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم. فقال الله تعالى: فبعزَّتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني"؛ [رواه الإمام أحمد والحاكم وصحَّحه].

3. حسن الخُلُق، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم ببسط الوجه وحُسْن الخُلُق».

4. إفشاء السلام وإهداء الهدايا: قال صلى الله عليه وسلم: «أَلا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السَّلامَ بينَكم»، فالسلام يزيل جفاء القلوب والضغائن.

5. التعوُّذ من الشيطان: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ فهو الذي يُحرِّش بين الناس ويُلقِي العداوة والغِلَّ في القلوب.

6. الرضا والقناعة والنظر إلى من هو دونك في أمور الدنيا، والنظر إلى من هو فوقك في أمور الدين، مما يمنع تولُّد الحسد الذي هو أصل الغِلِّ.

7. مجاهدة النفس وتذكيرها بأن سلامة الصدر تجلب راحة البال، وتطهير القلب من الغِلِّ هو سبيل للنجاة والفوز برضا الله.

8. التذكُّر والتفَكُّر في النِّعَم التي بين أيدينا وأداء شُكْرها، فبالشُكْر تدوم النِّعَم.

وهذه مقولة للإمام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) تضع ميزانًا أخلاقيًّا دقيقًا لسلوك المظلوم (أو صاحب الحق) تجاه ظالمه عندما تتوفر لديه القدرة على ردِّ الإساءة، قال: "للمحقود ثلاثة أحوال عند القدرة: أحدها: أن يستوفي حقَّه الذي يستحقُّه من غير زيادة أو نقصان، وهو العدل. الثاني: أن يحسن إليه بالعفو والصلة، وذلك هو الفضل. الثالث: أن يظلمه بما لا يستحقه وهو الجور، وهو اختيار الأراذل، والثاني هو اختيار الصديقين، والأول هو منتهى درجات الصالحين".

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










الساعة الآن : 08:24 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 8.74 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 8.65 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.07%)]