ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى حراس الفضيلة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=103)
-   -   باب فضل العفو عن القاتل والجاني والظالم (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331199)

ابوالوليد المسلم 10-09-2026 04:46 PM

باب فضل العفو عن القاتل والجاني والظالم
 
باب: فضل العفو عن القاتل والجاني والظالم

د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني

قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ [البقرة: 178].

تفسير الآية:
قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أي: فمن ترك له من أخيه شيئا يعني: بعد أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية، ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ أي: من القاتل من غير ضرر ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ أي: إنما شرع لكم أخذ الدية في القتل العمد تخفيفا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو[1].

قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45].

تفسير الآية:
هذا مما وُبخت به اليهود وقُرِّعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة: أن النفس بالنفس، وهم يخالفون ذلك عمدا وعنادا، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار؛ ولهذا قال هناك: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44] ؛ لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا، وقال هاهنا: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾؛ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدى بعضهم على بعض[2].

روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»[3].


معاني المفردات:
مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ: أي أنه يبارك فيه، ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرَك بالحس والعادة، وقيل: إنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبرٌ لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة، ولا بأس أن يُحمل على المعنيين كليهما.


وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا: أي من عفا سَادَ وعظُم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه، وقيل: المراد أجره في الآخرة، وعزه هناك، ولا بأس أن يُحمل على المعنيين كليهما.


وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ: أي يرفعه الله في الدنيا، ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس، ويجل مكانه، وقيل: المراد ثوابه في الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا، ولا بأس أن يُحمل على المعنيين كليهما.


ما يستفاد مما سبق:
1- الصدقة لا تُنقص المالَ شيئا، وإنما تزيده بركة، ونماء.


2- الحث على العفو؛ فإنه سبب للعزة في الدنيا والآخرة.


3- الحث على التواضع؛ فإنه سبب للرِّفعة في الدنيا، والآخرة.


4- مشروعية القصاص في النفس وما دونها كالعين والسن والأنف والأذن والجروح.


5- استحباب العفو عند المقدرة، وتعظيم أجر من يعفو عن إخوانه.


6- عفو العبد عن إخوانه لا يزيده إلا عزًّا في الدنيا والآخرة.


7- من محاسن الشريعة أن حثت المسلمين على التراحم ولو في حال الأذى الشديد، وعظمت أجر أهلها حتى تقوى روابط الأخوة بين المؤمنين؛ فالعفو من أسباب ازدياد الود بين المسلمين.

[1] انظر: تفسير ابن كثير (1 /490-491).

[2] انظر: تفسير ابن كثير (3 /120).

[3] صحيح: رواه مسلم (2588).







الساعة الآن : 01:00 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 8.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 8.34 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (1.11%)]