فضل من حفظ فرجه خوفا من الله تعالى
فضل من حفظ فرجه خوفًا من الله تعالى د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]. تفسير الآية: أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة[1]. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 5 - 11]. تفسير الآيات: ذكر الله عز وجل في هذه الآيات بعض صفات المؤمنين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من الإماء، ومن فعل ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج؛ ولهذا قال: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾ أي: غير الأزواج والإماء، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ أي: المعتدون،﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ أي: يواظبون عليها في مواقيتها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، ولما وصفهم الله تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال:﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم كلهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له -أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل، بل أبلغ من هذا أيضا[2]. قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ [النور: 30، 31]. تفسير الآيات: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعا، ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهام سم إلى القلب؛ ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾، وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: «من حفظ بصره، أورثه الله نورا في قلبه». ثم أمر الله تعالى النساء المؤمنات، غيرة منه لأزواجهن، عباده المؤمنين، وتمييزًا لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات، فقال تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ أي: عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. وقوله: ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ أي: عن الفواحش، وقيل: عما لا يحل لهن[3]. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]. تفسير الآية: قوله تعالى:﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾هذا دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه، ﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ أي: المطيعين، والقنوت هو الطاعة في سكون،﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ ﴾ هذا في الأقوال، وفي إيمانهم وفيما ساءهم وسرَّهم، فإن الصدق خصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة لم تجرب عليه كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا،﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ ﴾أي: على ما أمر الله به، وهذه سجية الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وتلقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها، ﴿ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ ﴾أي: المتواضعين، والخشوع هو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته، ﴿ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ﴾أي: مما رزقهم الله، والصدقة هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كسب لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال طاعة لله، وإحسانا إلى خلقه،﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ ﴾،ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة ناسب أن يذكر بعده: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ﴾ أي: عن المحارم والمآثم إلا عن المباح،﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ﴾، ولا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرا عظيما، وهو الجنة[4]. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾[النازعات: 40، 41] تفسير الآيات: أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها ﴿ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء[5]. روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ»[6]. معاني المفردات: مَنْ يَضْمَنْ لِي:أي يحفظه ويؤدي حقه. مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ:أي لسانه عن الكلام الفاحش، ولحييه مثنى لحي، وهو العظم في جانب الفم. وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ:أي فرجه عن الزنا. أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ: أي دخولها. روى الإمام أحمد وحسنه الألباني عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»[7]. معاني المفردات: اضْمَنُوا لِي:أي تكفلوا لأجلي. سِتًّا:أي من الخصال. مِنْ أَنْفُسِكُمْ:أي من خصالها، أو من أجل منفعتها. أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ:أي دخولها مع الفائزين، أو وصولها إلى أعلى درجات المقربين. اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ: أي تكلموا بالصدق إذا أخبرتم. وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ: أي عهدتم. وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ: أي أدوا الأمانة وأعطوا الشهادة. وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ: أي عن الزنا ونحوه. وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ: أي غمضوها عن النظر إلى ما لا يجوز. وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ: أي أمسكوا أنفسكم عن الظلم. روى ابن حبان وصححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ»[8]. معاني المفردات: إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا: أي المكتوبات الخمس. وَصَامَتْ شَهْرَهَا: أي رمضان غير أيام الحيض إن كان. وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا: أي عن الجماع المحرم والسِّحاق. وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا: أي زوجها في غير معصية. دَخَلَتْ:لم يقل تدخل إشارة إلى تحقق الدخول. مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ:أي إن اجتنبت مع ذلك بقية الكبائر، أو تابت توبة نصوحا، أو عفي عنها، والمراد مع السابقين الأولين وإلا فكل مسلم لا بد أن يدخل الجنة، وإن دخل النار. واقتصر على الصوم والصلاة، ولم يذكر بقية الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها؛ لغلبة تفريط النساء في الصلاة والصوم، وغلبة الفساد فيهن، وعصيان الزوج، ولأن الغالب أن المرأة لا مال لها تجب زكاته، ويتحتم فيه الحج، فأناط الحكم بالغالب، وحثها على مواظبة فعل ما هو لازم لها بكل حال والحفظ والصون والحراسة[9]. في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»[10]. معاني المفردات: سَبْعَةٌ: أي سبعة أصناف من الناس. فِي ظِلِّهِ: أي ظل عرشه. إِلَّا ظِلُّهُ: أي ظل عرشه. الإِمَامُ العَادِلُ: أي أحدهم إمام عادل، والمراد به صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين، فعدل فيه. وَشَابٌّ: خص الشاب؛ لأن العبادة في الشباب أشق لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات. نَشَأَ: أي نما، وتربى، وشب. فِي عِبَادَةِ الله: أي حتى توفي على ذلك. وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ:كالمصباح مثلًا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه. تَحَابَّا: أي اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارًا فقط. فِي الله: أي في طلب رضاه، أو لأجله لا لغرض دنيوي. اجْتَمَعَا عَلَيْهِ: أي على الحب في الله إن اجتمعا. وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ: أي على الحب إن تفرقا، يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة. وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ:أي دعته إلى نفسها. ذَاتُ مَنْصِبٍ: أي صاحبة مكانة عظيمة في المجتمع. وَجَمَالٍ: أي صاحبة جمال فتان. أَخَافُ الله: أي أخاف معصية الله، وعقابه. مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ: أي ما تخرج يده اليمنى، وهذا من المبالغة في إخفاء الصدقة. وَرَجلٌ ذَكَرَ اللهَ: أي بلسانه، أو بقلبه. خَالِيًا: أي في موضع ليس فيه أحد من الناس، أو خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى ولو كان في ملأ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ: أي سالت بالدموع. في الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا، وَلَا مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ»، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا»، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ»[11]. معاني المفردات: رَهْطٍ: أي ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة. لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا: أي ما كنت أقدم عليهما أحدا في شرب نصيبهما من اللبن الذي يشربانه. فَنَأَى بِي:أي بعد. غَبُوقَهُمَا: الغبوق وهو شرب العشي. حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ:أي ظهر الضياء. فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا: كناية عن طلب الجماع. أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ: أي نزلت بها سنة من سني القحط فأحوجتها. أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ: أي تكسره، وهو كناية عن افتضاض عذرة البكر، وقد يطلق على الوطء الحرام. إِلَّا بِحَقِّهِ: أي لا أحل لك أن تقربني إلا بتزويج صحيح. فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ:أي نمَّيت. الرَّقِيقِ: أي العبيد. ما يستفاد مما سبق: 1- وجوب تقوى الله عز وجل والصدق في السر والعلن. 2- عظم أجر الصابرين في الدنيا والآخرة. 3- الصادقين والصادقات يغفر الله لهم. 4- الحث على الفزع إلى الله عز وجل عند حدوث المصائب. 5- مشروعية الاستشفاع بالأعمال الصالحة لرفع البلاء. 6- بر الوالدين سبب لتفريج الهموم والمصائب. 7- تقوى الله سبحانه وتعالى في الرخاء سبب لنجاة العبد من الشدائد في الدنيا والآخرة. 8- الإخلاص لله تبارك وتعالى من أسباب نجاة العبد في المصائب. 9- تأدية الأمانة إلى أهلها من أسباب محبة الله تعالى. 10- اجتناب الكبائر سبب في تجاوز الله تعالى عن الصغائر. 11- حفظ الفرج من أعظم الأعمال التي يُثاب عليها المرء. 12- الأمر بغض البصر للوجوب. 13- من محاسن الشريعة أن حرمت كل مقدمات الزنا كالخلوة بالنساء، والدخول عليهن، والخضوع بالقول، والتبرج والسفور، وأوجبت تغطية المرأة بدنها، وغض البصر. 14- الحافظون لفروجهم لهم مغفرة من الله وأجر عظيم يوم القيامة. 15- مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة. [1] انظر: تفسير ابن كثير (2/ 271). [2] انظر: تفسير ابن كثير (5/ 462-465). [3] انظر: تفسير ابن كثير (6/ 41-45). [4] انظر: تفسير البغوي (6/ 353)، وتفسير ابن كثير (6/ 418-421). [5] انظر: تفسير ابن كثير (8/ 318). [6] صحيح: رواه البخاري (6474). [7] حسن: رواه أحمد (22757)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1018). [8] صحيح: رواه أحمد (1661)، وابن حبان (4163)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (660). [9] انظر: فيض القدير (1/ 392). [10] متفق عليه: رواه البخاري (660)، ومسلم (1031). [11] متفق عليه: رواه البخاري (2272)، ومسلم (2743). |
| الساعة الآن : 02:07 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour