ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   نحو سلامة مرورية (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331030)

ابوالوليد المسلم 07-09-2026 10:46 AM

نحو سلامة مرورية
 
نحو سلامة مرورية [1]

الشيخ محمد بن إبراهيم السبر

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ مَا فِيهِ سَلَامَةُ الْعِبَادِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مَا يُصْلِحُ الْبِلَادَ وَالْمَعَادَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَانَ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ، وَفَرَضَ مَا يَضْمَنُ وِقَايَتَهَا؛ فَحَرَّمَ ضُرُوبَ الِاسْتِهْتَارِ وَالْفَسَادِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَقْوَمُ النَّاسِ فِي سَيْرِهِ وَسِيرَتِهِ، وَأَرْعَاهُمْ لِحُقُوقِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ.

أمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ جِمَاعُ كُلِّ صَلَاحٍ وَخَيْرٍ، وَبِهَا ذَهَابُ كُلِّ شَرٍّ وَضَيْرٍ. وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ نِعَمًا لَا تُحْصَى، وَآلَاءً لَا تُسْتَقْصَى؛ وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ فِي هَذَا الْعَصْرِ: وَسَائِلَ النَّقْلِ وَالْمَوَاصَلَاتِ، فَقَدْ طَوَتِ الشَّاسِعَ مِنَ الْمِهَادِ، وَقَرَّبَتِ الْبَعِيدَ لِلْعِبَادِ؛ إِذْ يَسَّرَ اللَّهُ لِسَيْرِهَا سُبُلًا مُعَبَّدَةً مُمَهَّدَةً، نِعْمَةً مِنْهُ وَفَضْلًا. وَإِنَّ النِّعَمَ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ تَبْقَى وَتَزِيدُ، إِذَا اسْتُعْمِلَتِ الِاسْتِعْمَالَ الرَّشِيدَ؛ ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].


وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ حِفْظَ النَّفْسِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَكَدِ الْمَقَاصِدِ الْمَرْعِيَّةِ؛ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: 32]. فَأَيُّ اعْتِدَاءٍ عَلَيهَا، يُعَدُّ جَرِيمَةً نَكْرَاءَ، وَفَعْلَةً شَنْعَاءَ، تَبِعَاتُهَا أَلِيمَةٌ، وَنَتَائِجُهَا وَخِيمَةٌ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الِالْتِزَامَ بِأَنْظِمَةِ الْمُرُورِ وَتَعْلِيمَاتِهِ، وَإِرْشَادَاتِهِ وَإِشَارَاتِهِ، هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ مَرْعِيٌّ، يَدْخُلُ فِي بَابِ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]. وَلْيَعْلَمِ الْمُسْلِمُ أَنَّ مُخَالَفَتَهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ غَرَامَةٍ مَالِيَّةٍ تَنْتَهِي، بَلْ هِيَ مُخَالَفَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَأْثَمُ بِهَا النَّفْسُ؛ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "الْأَنْظِمَةُ الَّتِي وَضَعَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَمِنْهَا الْمُرُورُ طَاعَتُهَا وَاجِبَةٌ وَمُخَالَفَتُهَا إِثْمٌ"؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ مُخَالَفَتُهَا، حِمَايَةً مِنَ الْحَوَادِثِ، وَوِقَايَةً مِنَ الشُّرُور.


عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ لِلطَّرِيقِ حُقُوقًا وَاجِبَةَ الْأَدَاءِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا: كَفُّ الْأَذَى وَالِاعْتِدَاءِ؛ فَلَا يُضَايَقُ سَالِكُهَا، وَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَةُ عَابِرِهَا، وَمَنْ آذَى النَّاسَ فِي طُرُقِهِمْ بِأَيِّ لَوْنٍ مِنَ الْإِيذَاءِ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ؛ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اسْتِعْمَالِ الطَّرِيقِ بِأَنَاةٍ وَهُدُوءٍ هُوَ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان: 63]؛ فَهُمْ يَمْشُونَ وَيَسِيرُونَ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، فَلَا تَصَنُّعَ وَلَا تَكَلُّفَ، وَلَا كِبْرَ وَلَا خُيَلَاءَ. وَالرِّفْقَ أَدَبٌ رَفِيعٌ يُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَتُسْتَمْطَرُ بِهِ نِعَمُهُ وَعَطَايَاهُ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الرِّفْقُ وَالْهُدُوءُ فِي قِيَادَتِهِ؛ لِيَسْلَمَ مِنَ الْمَلَامَةِ، وَيَبْلُغَ مَقَامَ السَّلَامَةِ.


عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ مُعْظَمَ حَوَادِثِ السَّيْرِ أَلْحَقَتْ أَضْرَارًا جَسِيمَةً، وَأَدَّتْ إِلَى إِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ، وَتَخْرِيبِ الْمُمْتَلَكَاتِ، وَهَدْرِ الْأَمْوَالِ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ الْإِهْمَالِ، وَسُوءِ التَّصَرُّفِ، وَنَقْصِ الْوَعْيِ، وَمُخَالَفَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَالسُّرْعَةِ الزَّائِدَةِ، وَقَطْعِ الْإِشَارَةِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْجَوَّالِ، وَالْقِيَادَةِ بِدُونِ رُخْصَةٍ أَوْ تَأْمِينٍ؛ فَهِيَ خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَاعْتِدَاءٌ عَلَى الْحَيَاةِ الْآمِنَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190]. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَا تَقِفُ جَرِيرَةُ هَذَا الِاعْتِدَاءِ عِنْدَ التَّقْصِيرِ الذَّاتِيِّ، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى التَّخَلِّي عَنِ الْمَسْؤُولِيَّةِ بِتَسْلِيمِ السَّيَّارَةِ لِلْأَطْفَالِ وَالْأَغْرَارِ وَالْـمُسْتَهْتِرِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5]، وَنَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ.

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ السَّائِقَ الْوَاعِيَ يَدْرِكُ أَنَّ الطَّرِيقَ حَقٌّ لِلْجَمِيعِ، فَيَحْتَرِمُ تَعْلِيمَاتِ الْمُرُورِ، وَإِشَارَاتِ الْعُبُورِ، وَيَلْتَزِمُ بِالسُّرْعَةِ، وَيَتْرُكُ مَسَافَةَ الْأَمَانِ، وَيُعْطِي الْأَوْلَوِيَّةَ لِلْمُشَاةِ.


إِنَّ الْقِيَادَةَ وَفْقَ الْأَنْظِمَةِ تَعْكِسُ وَعْيَ الْمُجْتَمَعِ وَثَقَافَتَهُ، وَسُلُوكَهُ الْحَضَارِيَّ الَّذِي أَقَرَّتْهُ الشَّرِيعَةُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَرْوَاحِ؛ فَتَحْقِيقُ السَّلَامَةِ الْمُرُورِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ لِنَشْرِ ثَقَافَةِ الِاحْتِرَامِ وَالْوَعْيِ بِأَهَمِّيَّةِ الْأَنْظِمَةِ الْمُرُورِيَّةِ.


فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- فِي أَنْفُسِكُمْ، وَاحْذَرُوا مَا فِيهِ أَذًى لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمْ، وَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ؛ تَحْمُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ كُلِّ ضَيْرٍ وَمَشَقَّةٍ.


اللَّهُمَّ احْفَظْ نُفُوسَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَاعْصِمْنَا مِنْ الْعَجَلَةِ وَالْغُرُورِ، وَاجْعَلْ طُرُقَاتِنَا آمِنَةً سَالِمَةً مِنَ الْمَخَاطِرِ وَالشُّرُورِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.



الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ؛ فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلًا عَلِيمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادَمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهِمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.


عِبَادَ اللَّهِ: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

[1] للشيخ محمد السبر قناة التلغرامhttps://t.me/alsaberm








الساعة الآن : 10:18 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 12.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 12.33 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.75%)]