ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=81)
-   -   عام دراسي مختلف (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=330837)

ابوالوليد المسلم 02-09-2026 09:45 AM

عام دراسي مختلف
 
عام دراسي مختلف
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه..


﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].


﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].


أما بعد: فإن أحسن الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


معاشر المؤمنين الكرام: ها نحن على أعتابِ عامٍ دراسيٍّ جديد، وها هو قطارُ التعليم يعاود انطلاقته المباركة بإذن الله، فنسأل الله أن يكون عامَ خيرٍ وبركة وتوفيق.


أيها الأحبة الكرام: من عادة الإنسان أن يتطلع إلى البدايات المهمة بتفاؤلٍ وأمل.. فمع بداية كل عامٍ دراسيٍ جديد، تُشرقُ في النفوس الآمال، وتتحركُ في القلوب الأماني، وكلٌّ يحدثُ نفسه أن يكون قادمَ أيامه خيرًا مما مضى.


يقولُ الطالب لنفسه: سأسعى أن يكون هذا العام أفضلَ وأحسن، سأحافظ على أوقاتي، وسأرتب أولوياتي، وسأنظم مهامي وواجباتي، وبالتأكيد لن أكرر أخطاء العام الماضي!


ويقول الأب لنفسه: في هذا العام سأكون أقربَ إلى أبنائي وبناتي، سأتابع دروسهم، وسأتعرف على أحوالهم، وسأعينهم فيما يعجزون عنه من مهامهم، ولن أتركهم يسيرون وحدهم.


هكذا هو الإنسانُ مع كل بدايةٍ هامة؛ يؤمّلُ آمالًا طويلة، ويرسمُ أحلامًا جميلة، ويتمنى على الله الأماني..


ثم تمضي الأيام، وتتوالى الأسابيع، والشهور، فإذا بتلك الأحلام تتبخر، وإذا به لم يحقق مما أمَّل شيئًا يذكر، وإذا بالعام الذي اُستقبِلَ بالأماني والآمال، يودعُ بالندم والحسرات!


والسؤالُ الذي ينبغي أن نقفَ عنده مليًّا: ماذا نفعلُ حتى يكونَ عامُنا هذا أفضلَ من الأعوامِ السابقة؟!.


كيف نجعلُ بداية هذا العامِ بدايةً موفقةً جادة؟


كيف نجعل هذا العام عامًا متميزًا؟.


عامًا مليئًا بالجد والاجتهاد..


أيها الأحبة الكرام: لقد علَّمنا ربُنا سُبحانهُ أنَّ التغييرَ الحقيقي لا يبدأُ من خارج الإنسان، وإنما يبدأُ من داخله، فقال جلّ وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].. فإذا أردتَ نتيجةً مختلفة، فلا بد أن تسلُك طريقًا مختلفًا..


وإن أردتَ نجاحًا لم تحققه من قبل، فلا بد أن تعمل عملًا لم تكن تعملهُ من قبل..


وإن أردتَ أن يكون أبناؤك في آخر هذا العام غيرَ ما كانوا عليه سابقًا، فلا بد أن تتغير طريقةَ تربيتك ومتابعتك واهتمامك بهم..


فالأماني وحدها لا تصنع نجاحًا، والنيات الطيبة بدون بذل الجهدِ لن تحققَ الأهدافَ المنشودة..


نعم أيها الكرام: لا بد مع الأماني الجميلة، من عزيمةٍ صادقة، ومن عملٍ جادٍ طويل، وصبرٍ جميل.. فالله تعالى يقول: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾ [النجم: 39، 40].. ويقول جل وعلا: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 105].


ويقول سبحانه وبحمده: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].


وحيث أن النيةَ هي أساسُ العمل، ومدارُ قبوله ورده، فإنها هي أولُ ما ينبغي أن نبدأ بتصحيحه وتعاهده.. ففي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل أمري ما نوى".. فما هي نيتُكَ وأنت تذهبُ يوميًا لكي تتعلم؟.. ما الغايةُ التي من أجلها تقضي الساعات الطويلة على مقاعد الدراسة؟


تأمل ما يقوله الرب الجليل، في محكم التنزيل: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].


فشتان شتان، بين من يعمل للدنيا وحدِها، ومن يجعلُ دُنياه طريقًا إلى رضوان الله، ولرفعةِ درجاته في الآخرة.. ففي صحيح مُسلم، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «مَن سَلَكَ طَريقًا يَلتَمِسُ فيه عِلمًا سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ»..


فطالبُ العلمِ الموفق، يجعلُ مع كل خطوة يخطوها لمدرسته نيةً صالحة، ومع كل صفحةٍ يقرؤها نيةً صالحة، ومع كل جلسة مذاكرةٍ أو مراجعةٍ نيةً صالحة..


طالب العلم الموفق: يتعلمُ بنيةِ إزالةِ الجهلِ عن نفسه، ويتعلمُ بنية أن يعبد اللهَ على بصيرة، ويتعلمُ بنية أن ينفعَ نفسهُ وأهله ومجتمعه وأمته، ويتعلمُ بنية أن يرفع منزلتهُ عند الله، ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].. ويتعلمُ بنية أن ينالَ الخيريةَ في الدنيا والآخرة، (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).. ويتعلمُ بنية أن يساهم في توعية الناس ودلالتهم على الخير: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]..


لقد نوه الله جل وعلا بمكانة أهل العلم فقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن سَلَكَ طريقًا يَطلُبُ فيه علمًا، سَلَكَ اللهُ به طريقًا من طُرُقِ الجنة، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العلم، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له مَن في السماواتِ ومَن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماء، وإنَّ فضلَ العالِمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذَ بحظٍّ وافر»..


ولنتأمَّلْ ما يقولهُ الامام ابن القيم عن فضل طلب العلم: "العلم: حياةُ القلوب، ونورُ البصائر، وشفاءُ الصدور، ورياضُ العقول، ولذَّةُ الأرواح، وأنسُ النفوس، ثم يقول رحمه الله: هو الصاحبُ في الغربة، والمحدثُ في الخلوة، والأنيسُ في الوحشة، والكاشفُ عن الشبهة، مذاكرتهُ تسبيح، والبحثُ عنه جهاد، وطلبهُ قربة، وبذلهُ صدقة، ومدارستهُ عبادة، والحاجةُ إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب"..


فيا له من غبنٍ عظيم، وخسارةٍ كبيرة، أن تكون الشهادة فقط هي الغاية من مشوار التعليم الطويل..


فشرف العلم أن يكو طريقًا إلى رضوانِ الله وجناتِه..


فإذا صحَّحت نيتك، وعرفت لماذا تتعلم، فهناك أمرٌ آخرَ لا بدَّ منه، وهو أن تحدد أهدافكَ بدقةٍ ووضوحٍ..


فاختيارُ الأهدافِ وتحديدها بدقةٍ ووضوح، هو الفارقُ الحقيقي بين الناجح والفاشل.. وبين المنجزِ المنتج، وبين المشتتِ الضائع..


فمن أرادَ أن يكونَ في حياته ناجحًا، مُنجزًا، مُتميزًا، فعليه أن يُحدد أهدافهُ بكل دقةٍ ووضوح، وبالورقة والقلم..


أوليس من العجب يا عباد الله، أنّ الملاعبَ على كثرتها وتنوعها، لا يمكنُ أن يخلو مَلعبٌ منها من أهدافٍ، يتمحور اللعبُ كُلهُ حولها؟!


وبدون هذه الأهداف، لا يدري اللاعبون ماذا يفعلون، ولا إلى أين يتجهون..


فإذا كانت اللعبة لا تستقيم بلا هدفٍ واضحٍ محدد، فكيف تستقيمُ حياةٌ كاملةٌ بلا أهدافٍ ولا غايات؟!..


وإنّ من أعجبِ ما في الأمرِ أن يخطّطَ الانسانُ لرحلةٍ قصيرة، فيحددَ وِجهتهُ بكل دقةٍ، ويحددَ الطريقَ التي سيسلكها، وموعدَ بِدءِ الرحلةِ وطولها، ومتى العودة، ويحددَ جميعَ مُتطلبات الرحلةِ وميزانيتها، وكلَّ ما يحتاجُه فيها، من بدايتها إلى نهايتها.. لكنه في المقابل يعيشُ سنواتَ عمرهِ الطويلةِ دونَ أن يُحددَ لها أهدافًا ولا غايات.. في صحيح مسلم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»..


فيا طالب العلم: لا تدخل عامك الدراسي الجديد بلا أهدافٍ واضحة..


فتحديد الأهداف له فوائدَ كثيرة، منها أنه يُعطِي شُعورًا إيجابيًا مُريحًا بأنَّ المرءَ يَسيرُ في الاتجاهِ الصحيحِ.. كما أنَّ الأهدافَ الواضحةَ تُساهِمُ في أنْ يُنجِزَ الانسان في وقتٍ قصيرٍ أضعَافَ ما يُنجِزهُ غيرُهُ في وقت أطولَ؛ بل إن الدراسات المتخصصة تؤكد أنهُ بمجرد تَبيُّنِ الهدفِ واتِّضاحِه، فإنَّ إمكاناتِ المرءِ تتضاعفُ، ونشاطُهُ يزدادُ، وانتاجِيتهُ تعلو، ويَتيقَّظُ عقلُه وتتسع مَداركه، ويَتحسَنُ مَزاجُه ونفسِيتُه، وتَتحرَّكُ دَوافعُه ورغباتُه، وتَتولَّدُ لديهِ الأفكارُ التي تَخدُمُ غَرضَهُ، وتُسهِلُ الوصول إليه..


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 35]..


أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده...
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا من الصادقين.. وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18]..


معاشر المؤمنين الكرام: الناسُ يتفاوتون في مقاماتهم ومنازلهم بتفاوت صفتين أساسيتين: العلم والعزيمة.. فالعلم هو الذي يُبصِرُ الإنسانَ بطريقه، والعزيمةُ هي التي تدفعهُ لسلوكه.. ولذا كانَ من أكثرِ دعاءِ النبي الأكرمِ صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشد".. الثباتَ في الأمر هو ثمرةُ العلم، والرُّشْدُ هو صَلاحُ الأحوالِ واستقامَةُ الأمُورِ.. وكلاهما بإذن الله وعَونهِ سِرُّ النَّجاحِ في الحياة، إلا أنَّ العزيمةَ على الرُّشدِ لا يَقدِرُ عَليها إلا القليلُ من الرجِالِ، الذين إذا توجَّهوا إلى شيءٍ وصلُوا إليه، وإذا أرادوا أمرًا نَفَّذُوهُ، وإذا حدَّدوا هَدفًا حَققُوه..


العزيمةُ على الرُّشدِ: تَتطلَبُ من الإنسانِ أنْ يَرقَى بنفسِهِ من الحال التي هو عليها، إلى ما يليق به من الحال الأكملِ والأفضل.. ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]..


فقوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمة.. من أعظم أسباب النجاح في الحياة: بينما ضعف الإرادة، وخور العزيمةِ من أبرز اسبابِ الفشلِ والتردي.. ولذا يقول المتنبي في بيته المشهور: ولم أرَ في عيوب الناس عيبًا.. كعجز القادرين على التمام.. ويقول آخر: إذا كنت ذا رأيٍ فكُنْ ذا عَزيمةٍ.. فإنًّ فَسادَ الرأيِ أنْ تَتردَّدا..


وفي صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمِنُ القويُ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمِنِ الضعِيفِ، وفي كُلٍّ خيرٍ، احْرَصْ على ما يَنفَعُكَ واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجَزْ، وإنْ أصَابَكَ شَيءٌ فلا تَقلْ: لو أنَّي فَعلتُ كانَ كذا وكذا ولكن قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وما شَاءَ فَعلَ، فإنَّ لوْ تَفتَحُ عَملَ الشَّيطَان"..


المؤمِنُ القويُ خيرٌ وأحبُّ إلى اللِه: لأنَّهُ يَأخُذُ أمرهُ بعزيمةٍ لا رخاوةَ مَعها، ومَضاءٍ لا تَراجُعَ فيهِ: قال تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [البقرة: 63].. وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]..


المؤمن القوي: تَظهرُ قوته في أعمالِه كُلَّها، فإذا تكلَّمَ كانَ واثِقًا، وإذا عَزمَ كانَ مَاضِيًا، وإذا عَمِلَ كانَ ثَابِتًا، وإذا جَادلَ كانَ واضِحًا، وإذا فَكّرَ كانَ مُطمئِنًا، يَأخذُ أموره بكل ثقةٍ وقوة: ﴿ يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: 12]..


المؤمِنُ القويُ واضحُ الهدفِ، بينُ العزيمةَ، مُجتمِعُ النَّيةِ، مُتماسِكُ البُنيةِ، يَسيرُ في طريقهِ على بَصيرةٍ من أمرهِ، إذا رأى النَّاس على الحقِّ أعانهم، وإنْ رآهُم على الخطأِ جَانَبهُم، مَتمثلًا قول ابن مسعود رضي الله عنه: " لا يكُن أحدكُم إمَّعةً يقولُ: إن أحسنَ الناسُ أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطّنوا أنفسَكُم إن أحسنَ الناسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا أن تتجنبوا إساءتهم"..


والعزيمةُ على الرُّشدِ من صِفاتِ الصفوةِ.. قال الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]..


ألا إنَّ مفتاح النجاح، ومِعْراج الفلاح، وجماع الخيرِ كله، أن تربّي نفسك على المعالي والأهداف العظيمة، أن تعرف قيمتك، وأن تنعتق من الدَّورانِ حولَ نفسك.. فالإسلامَ يأبى لأتباعه أن يُمضوا حياتهم سبهللا.. وأن تتصرم أيامهم سُدى.. ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115]..


فعليك يا رعاك الله، بعُلوِ الهمَّةِ، وقوةِ الإرادةِ، وسموِ النفسِ، فعلى قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ.. وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ.. ومن تكُنِ العلياءُ همَّةَ نفسهِ.. فكلُّ الذي يلقاهُ فيها محبَّبُ.. ومن كانت له نفسٌ تواقةٌ.. طارت به نحو المعالي.. ومن لم تكن له بدايةٌ محرقةٌ.. فلن تكون له نهاية مشرقة، ومن يتهيب صعود الجبال.. يعِش أبدَ الدَّهرِ بين الحُفر..


فأخلص نيتك لربك، وحدد أهدافك، وجهز أدواتك، واستعن بالله ولا تعجز، وسر على بركة الله وتوفيقه.. ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]..


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]..


ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.



الساعة الآن : 10:25 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 20.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 20.34 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.46%)]