أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ نايف عبوش لا ريب أن القرآن الكريم هو كتاب هداية، وتدبر، أنزله الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليوقظ العقل، ويهذب القلب، ويعيد للإنسان صلته بخالقه، وبذاته، وبالناس من حوله، ومن هنا يأتي الاستفهام القرآني البليغ: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]. وتجدر الإشارة إلى أن تدبر القرآن، ليس مجرد قراءة متأنية لآياته، وإنما هو انتقال من سماع النص إلى وعي معنى النص، ومن معرفة الحكم إلى استشعار أثره، ومن تلاوة الآيات إلى استحضار مقاصدها في السلوك، والمواقف، فالقرآن حين يخاطب الإنسان، إنما يخاطب عقله، ووجدانه، وضميره، ويدعوه إلى أن يرى في آياته ما يعيد ترتيب نظرته إلى الحياة. ولذلك فإن السؤال القرآني ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾، يحمل في جوهره دعوة إلى تجاوز القراءة السطحية، والبحث عن المعاني التي تقف وراء الألفاظ، واستحضار الحكمة التي تقود الإنسان إلى الرشد، فليست الغاية أن تمر الآيات على الأسماع ثم تنتهي، بل أن تنفذ إلى القلب، فتحدث فيه تحولًا ملموسًا، ينعكس في فكر نير، وسلوك رشيد. ويلفت قوله تعالى: ﴿ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، الانتباه إلى أن المشكلة قد لا تكون في وضوح الحقيقة، وإنما في استعداد الإنسان التام لاستقبالها، فقد يرى المرء الحق واضحًا ولا يتبعه، ويسمع الموعظة قاطعة ولا ينتفع بها، ويعرف الصواب واضحًا، ثم يحول بينه وبين نفسه هوى، أو تعصب، أو غفلةٌ، وهنا تصبح أقفال القلب أشد حجبًا للحقيقة من أي عائق خارجي. وفي زمن تتزاحم فيه الأصوات والمعلومات، ويزداد فيه انشغال الإنسان بالمظاهر على حساب جواهر الأشياء، تشتد الحاجة إلى العودة إلى القرآن الكريم عودة تدبر، ووعي، لا عودة عادة سطحية رتيبة، فحسب، فقد يقرأ الإنسان السورة مرات كثيرة، ثم يكتشف في لحظة صفاء معنى جديدًا يخاطب واقعه، وكأنه يسمعه للمرة الأولى. وهكذا ينبغي ألَّا يتحول القرآن لدى القارئ إلى مجرد ألفاظ مألوفة، لا تحرك له قلبًا، ولا تصحح له سلوكًا، ولا تدفعه إلى خير، وإنما ينبغي أن يظل المقصود من التلاوة زيادة بصيرة القلب، واستقامة السلوك. ولذلك يتطلب الأمر أن تقوم العلاقة بين الإنسان والقرآن على الإصغاء التام، قبل التلاوة، وعلى الفهم العميق، قبل الحكم، وعلى العمل الخالص بهديه بعد المعرفة، تصحيحًا لمساره، كلما طوحت الحياة به بعيدًا عن الطريق القويم. |
| الساعة الآن : 05:51 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour