عبادة الاستغفار في الأسحار
عبادة الاستغفار في الأسحار عدنان بن سلمان الدريويش في آخر الليل، وحين تخفت الأصوات، وتسكن الطرقات، وتغلق الهواتف، وعندما ينام أكثر الناس بعد ساعات طويلة قضوها بين الشاشات، ومقاطع الفيديو، ومنصات التواصل، وأخبار المشاهير، هناك عباد آخرون من شباب وفتيات، قاموا من فرشهم، وتوضؤوا في هدوء، ووقفوا بين يدي رب العباد، ثم ختموا ليلتهم بكلمات قليلة، لكنها عظيمة عند الله: أستغفر الله... أستغفر الله... أستغفر الله، إنها عبادة خفية لا يراها أحد، لكنها تكتب في صحائف أصحابها نورًا ورحمةً ومغفرة، إنها عبادة الاستغفار في الأسحار، قال سبحانه في وصف المتقين: ﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: 17]، وكأن الله يلفت أنظارنا إلى أن هذا الوقت ليس وقت نوم فقط، بل وقت قرب من الله. أيها المبارك، هل سألت نفسك: لماذا السحر؟ هل الجواب: لأن الله لا يسمع دعاءنا في غيره، فالله يسمع دعاء عباده في كل وقت، ولكن الجواب: لأن هذا الوقت اختاره الله ليكون من أشرف ساعات الليل، قال تعالى في وصف عباده الصالحين: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17، 18]، تأمل قوله تعالى: ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18]، علامة على أن الاستغفار في هذا الوقت من علامات أهل الإيمان، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني، فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))؛ [رواه البخاري]، يا لها من دعوة عظيمة! ملك الملوك ينادي عباده كل ليلة: هل من مستغفر؟ فكم من شاب وفتاة استحضر هذا النداء بقلبه؟ وكم من شغل ليله بسهرة طويلة، أو متابعة مسلسل، أو تصفح لا ينتهي؟ أيها الشباب، كثير من الشباب والفتيات يبحثون عن التوفيق في الدراسة، وعن الوظيفة، وآخرون ينتظرون الزواج، ومنهم من أثقلته الديون، وأنهكته الهموم، ولو علموا ما في الاستغفار من الخير، لجعلوا لهم منه نصيبًا كل ليلة؛ قال الله تعالى على لسان نبيه هود عليه السلام: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ [هود: 52]، وقال نوح عليه السلام لقومه: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10 - 12]، فالاستغفار ليس لمحو الذنوب فقط، بل هو باب للبركة والرزق والفرج. يا أخي، كان نبينا صلى الله عليه وسلم وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يكثر من الاستغفار، يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرةً))؛ [رواه البخاري]، وفي رواية أخرى أنه كان يستغفر مائة مرة في اليوم، فإذا كان هذا حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بحالنا نحن؟ وكان الإمام الحسن البصري رحمه الله إذا سُئل عن كثرة الاستغفار قال: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، وكان بعض السلف إذا دخل وقت السحر أيقظ أهل بيته، ويقول: قوموا إلى سوق الآخرة، لأنه يعلم أن هذه الدقائق لا تعوض، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يحيي آخر الليل بالصلاة والدعاء والاستغفار، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. أيها الشباب، إن من أعظم خسائر هذا الزمان أن كثيرًا من الشباب يسهرون حتى قبيل الفجر، ولكن ليس في قيام الليل، ولا في الاستغفار، وإنما أمام شاشة لا تنتهي، فكم من ساعات أهدرت! وكم من مغفرة فاتت! وكم من دعوات لم ترفع! وكم من أبواب خير أغلقت بسبب الغفلة! قال صلى الله عليه وسلم: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة))؛ [رواه البخاري]. أيها الشباب، وأيتها الفتيات، إن الحياة ليست بعدد الساعات التي عشناها، وإنما بما ملأناها من الطاعات، لذا اجعلوا آخر يومكم ينتهي بالاستغفار بين يدي الله، واعلموا أن الاستغفار في الأسحار عبادة خفية لا يعلمها الناس، لكنها معلومة عند رب الناس، تكون بها الذنوب مغفورة، والدرجات مرفوعة، والهموم مكشوفة، والقلوب مطمئنة، فطوبى لمن جعل له في كل سحر موعدًا مع الاستغفار، فإن دقائق السحر قد تغير حياة الإنسان في الدنيا، وتكون سببًا في نجاته يوم يلقى الله. |
| الساعة الآن : 11:26 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour