ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى القرآن الكريم والتفسير (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=57)
-   -   تأملات في قوله تعالى {إن جهنم كانت مرصادا} (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=330543)

ابوالوليد المسلم 21-08-2026 04:49 AM

تأملات في قوله تعالى {إن جهنم كانت مرصادا}
 
تأملات في قوله تعالى

﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾

د. أمين بن عبدالله الشقاوي


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحْده لا شريك له، وأشْهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله.

وبعد:
قال تعالى: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ [النبأ: 21 - 30].

يذكُر الله في هذه الآيات الكريمات أحوالَ الأشقِياء، وما يحصُل لهم من النَّكال والعذاب السَّرْمدي في نار جهنَّم، فيقول: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾؛ أي: مرْصدة ومعدَّة للطاغين.

وجهنَّم اسم من أسماء النَّار التي لها أسماء كثيرة، وسمِّيَتْ بهذا الاسم؛ لأنَّها ذات جهمة وظلمة بسوادِها ومقرّها - أعاذنا الله منها.

وقد أعدَّها الله عزَّ وجلَّ من الآن، فهي موجودة، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران:131]، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضِي الله عنْه قال: كنَّا مع رسول الله صلَّى الله عليْه وسلَّم إذ سمِعَ وجْبةً، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليْه وسلَّم: ((أتدْرون ما هذا؟))، قال: قُلْنا: الله ورسولُه أعْلم، قال: ((هذا حجَرٌ رُمِي به في النَّار منذ سبعين خريفًا، فهو يهْوِي في النَّار الآن حتَّى انتهى إلى قعْرِها))[1].

وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضِي الله عنْه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليْه وسلَّم رآها أي: النَّار حين عُرضت عليه في صلاة الكسوف، ورأى النَّار فيها امرأة تُعَذَّب في هرَّة ربطتها، لا هي أطعمتْها، ولا هي تركتها تأكُل من خشاش الأرض[2].

قوله تعالى: ﴿ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴾، الطَّاغون: جمع طاغٍ، والطُّغْيان تجاوُز الحدّ، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ﴾ [الحاقة:11]، والمُراد بالطَّاغين الَّذين تَجاوزوا حدودَ الله استِكْبارًا على ربِّهم، ومآبًا؛ أي: مرجعًا يرجعون إليه، ومسكنًا يَصيرون إليه.

قوله تعالى: ﴿ لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾؛ أي: باقين فيها أحقابًا؛ أي: مُددًا طويلة، وقد وردتْ آياتٌ كثيرة تدلُّ على أنَّها مدد أبديَّة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [النساء: 168، 169]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الأحزاب: 64، 65].

قوله تعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا ﴾ نفى الله - عزَّ وجلَّ - عنهم البرْد الَّذي تكون به برودة ظاهر الجسد، والشَّراب الَّذي تكون به برودة داخل الجسد، فإنَّهم إذا عطشوا واستغاثوا يغاثون بماء كالمُهْل، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا[الكهف:29]، وقال تعالى: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ[محمد:15]، وقال تعالى: ﴿ يُصَبُّ مِنْ فَوقِ رُؤُوسِهِمْ الْحَمِيْمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، فمن كان حاله كذلك فإنَّهم لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا يطفئ حرارةَ بطونِهم، قال بعض السَّلف: عجبتُ للنَّار كيف نام هارِبُها، وعجبت للجنَّة كيف نام طالبها!

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ الحميم هو الماء الحارّ الَّذي انتهى حرُّه وحموه.

وغسَّاقًا: هو شراب منتن الرَّائحة شديد البرودة، قال جمع من المفسّرين: هو ما اجتمع من صديد أهل النَّار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يُستطاع من بردِه، ولا يواجه من نتنِه، فهم يذوقون العذاب من ناحيتَين: الحرارة والبرودة، فإذا اجتمعت الحرارة والبرودة كان ذلك زيادة في مضاعفة العذاب عليْهم، قال تعالى: ﴿ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ: 57، 58 أي: ولهم أصناف وألوان من العذاب - نسأل الله العافية.

قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ يقول تعالى: هذا العقاب الذي عوقب به الكفَّار في الآخرة، فعَلَه بهم ربهم؛ جزاءً لهم على أفعالهم وأقوالهم السيِّئة التي كانوا يعملونها في الدنيا، ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى[النجم:31].

قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾؛ أي: لا يؤمِّلون أن يُحاسبوا، بل كانوا ينكرون الحساب، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ [الجاثية:24]، وقال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن:7].

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّابًا ﴾ كانوا يكذِّبون بحجج الله ودلائله التي أنزلها على رسله، فيقابلونَها بالتَّكذيب والمعاندة، قال تعالى: ﴿ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ [ص:4]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ [الفرقان:5]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 90 - 93].

قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾ يشمل ما يفعله الله - عزَّ وجلَّ - من الخلق والتدبير في الكون، وما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كلَّ صغير وكبير، قال تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ[القمر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف:49]، وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء:47].

روى مسلم في صحيحِه من حديث عبدالله بن عمْرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((كتَبَ الله مقاديرَ الخلائق قبْل أن يَخلُق السَّموات والأرْض بِخَمسين ألفَ سنة - قال: - وعَرْشُه على الماء))[3].

قوله تعالى: ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ هذا الأمر للإهانة والتَّوبيخ، يُقال لهم: ذوقوا عذاب النَّار فلن نُخَفِّفه عنكم، بل لا نزيدكم إلاَّ عذابًا في قوَّته، قال تعالى: ﴿ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الطور:16]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [فاطر:36].

قال العلماء: إنَّ هذه الآية أعظم آيةٍ في التَّرهيب.

قال عبدالله بن المبارك يصِف هذه النَّار:
وَطَارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَيْدِي مُنَشَّرَةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فِيهَا السَّرَائِرُ وَالأَخْبَارُ تُطَّلَعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
عَمَّا قَلِيلٍ وَلا تَدْرِي بِمَا يَقَعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

أَفِي الجِنَانِ وَفَوْزٍ لا انقِطَاعَ لَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
أَمِ الجَحِيمِ فَمَا تُبْقِي وَلا تَدَعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

تَهْوِي بِسَاكِنِهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

طَالَ البُكَاءُ فَلَمْ يَنْفَعْ تَضَرُّعُهُمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
هَيْهَاتَ لا رِقَّةٌ تُغْنِي وَلا جَزَعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

لِيَنْفَع العِلْمُ قَبْلَ المَوْتِ عَالِمَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif



والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحْبِه أجْمعين.

[1]ص 1142 برقم 2844.

[2]ص 352 برقم 904.

[3]ص 1065 برقم 2652.







الساعة الآن : 01:17 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 16.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.27 كيلو بايت... تم توفير 0.09 كيلو بايت...بمعدل (0.57%)]