تهاوي الأوثان وإشراق التوحيد
تهاوي الأوثان وإشراق التوحيد عبدالله بن إبراهيم الحضريتي الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، الناصح الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن التقوى هي الحبل الوثيق الذي لا ينقطع، والدرع الحصين الذي لا يخترق،﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]. أيها المسلمون، يُولَد الإنسان في هذه الدنيا ضعيفًا عاجزًا، وفي دروب الحياة الوعرة يظل يبحث عن ركن شديد يأوي إليه، وسند يتكئ عليه؛ فتراه تارةً يتعلق بجاه أو منصب، وتارةً يلوذ ببشر مخلوق مثله، وأخرى يسكن إلى الأسباب المادية المحضة ويظنها حبل النجاة الأوحد، حتى تُباغِتُه الأيام بتقلُّبِها، وتصدمه الخطوب بحقائقها، فيدرك- حين لا ينفع الذهول- أن كل سند غير الله مائل، وأن كل ركن دون ركنه تائه زائل. وفي خِضَمِّ هذا التَّيْه الإنساني، ونزوع النفوس إلى التعلُّق بالسراب، تُطالِعنا في سورة الأنبياء صيحةُ حقٍّ تهزُّ أركان الوهم، وتقتلع جذور التعَلُّق بغير الله من قلوب البشر؛ يقول الحق جل في علاه: ﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ [الأنبياء: 43]. عباد الله، إنها آية عظيمة تعيد صياغة الوعي الإنساني، وتضع الكائنات كلها في حجمها الضئيل أمام عظمة الخالق سبحانه وتعالى. وحين يتأمل المتدبِّر هذا البيان المعجز، ينكشف له زيفُ كل قوة يظن أنها تغني عن الله؛ فالمخلوق القاصر لا يملك لنفسه في الحقيقة نفعًا ولا دفعًا، فكيف يملك لغيره نصرًا أو أمانًا؟! إن التعلُّق بالناس في نهاية المطاف خيبة وانكسار، والاعتماد التام على الوسائل المادية دون مسببها عجز وخذلان؛ إذ كيف يصحبنا ويمدنا بالأمان من لا يملك لنفسه من أمر الله شيئًا؟ فالنجاة والتوفيق ليسا نتاجًا ذاتيًّا للأسباب، بل هما منحة ربانية تجري بمشيئة مُسبِّبها الذي بيده وحده مقاليد الأمور. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدي ولوالديكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية أيها المسلمون، حتى لا يظل هذا اليقين مجرد فكرة تدور في العقول، أو كلمات تتردَّد على الألسنة والشِّفاه؛ بل يتحوَّل إلى واقع حي نعيشه ونمارسه، فإن هذه الآية تدعونا ببيانها إلى تَمْتِين حبال التوكُّل على الله، بحيث يسير المؤمن في هذه الدنيا ببدنه وجوارحه بين الأسباب، ولكن قلبه مُعَلَّق بالخالِق وحده، دائم الافتقار والانكسار بسؤال الله العون والملاذ في كل لمحة ونفس. إخوة الإيمان، إذا ضاقت عليكم الدوائر، وهبَّت في وجوهكم عواصف الشدائد، واشتدَّت الكروب؛ فليكن فزعكم الأول، وملجأكم الأصدق، وبابكم الأعظم هو الدعاء والابتهال إلى الله تضرُّعًا وخفيةً. انطرحوا بين يديه أولًا، ثم تحركوا بعد ذلك بجوارحكم في طلب الحلول الدنيوية المتاحة التي شرعها الله، مستعينين به لا بها، لاهجين بلسان اليقين النابض من أعماق الأفئدة: «حسبي الله ونعم الوكيل». ففي هذا الحصن الحصين كفاية العبد، وتفويض أمره إلى الله العلي القدير، لتسكن الروح في طُمَأْنينة راسخة لا تزلزلها خطوب الأيام، وتنأى بنفسها عن الذل والاضطرار لغير الله، عيشًا في ظلال التوحيد الخالص، واعتصامًا بحبل الله المتين. عباد الله، إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثَنَّى بملائكته المسبِّحة بقُدْسه، وأيَّهَ بكم أيها المؤمنون من جنِّه وإنْسِه، فقال ممتدحًا وقائلًا عليمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصَّحْب والتابِعينَ، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم اجعل قلوبنا مُعَلَّقةً بك وحدك، ولا تَكِلْنا إلى أنفسِنا ولا إلى أحدٍ مِن خلقِك طرفةَ عَيْنٍ. اللهم صُبَّ علينا الطُّمَأْنينة صَبًّا، واجعل التوحيد لنا حصنًا وأمْنًا، واكفِنا بحلالِك عن حرامِك، وبفضلِكَ عمَّن سِواك، واجعل آخِرَ كلامِنا مِن الدُّنْيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ اللهِ. عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يزدكم، ولذكرُ اللهِ أكبرُ، والله يعلم ما تصنعون. |
| الساعة الآن : 06:41 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour