ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى الأخت المسلمة (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=45)
-   -   من نعيم النساء في الجنة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=330301)

ابوالوليد المسلم 13-08-2026 10:08 PM

من نعيم النساء في الجنة
 
من نعيم النساء في الجنة (1)






كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا شك فيه أن النساء مكلفات في حياتهن كالرجال بلا فرق، وأنهن بالتالي يُجْزَيْنَ في الآخرة على ما قدَّمْنَ في الدنيا من خير أو شر. ومن فازت منهن بدخول الجنة تنال كل ما يناله أصحاب الجنة من النعيم إلى جانب ما تختص به نساء الجنة من الكرامة والفضل في أنفسهن وفي مرافقاتهن وفي علاقاتهن بأزواجهن، ممَّا لا رأته عين ولا يخطر على قلب بشر.
وقد وردت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في بيان أنواع من النعيم الخاص بالنساء في الجنة ممَّا يُحتاج إلى أن يُذكر ويُنشر، وهو ما نحاول أن نشير إليه في هذه العجالة.
آيات قرآنية واردة في نيل المؤمنات للثواب في الآخرة ودخولهن الجنة:
ممَّا لا شك فيه أن النساء المؤمنات يدخلن في عموم كل الآيات الدالة على نيل أهل الإيمان للثواب في الآخرة ودخولهم الجنة؛ إذ إن هذه الآيات تشمل الرجال والنساء على السواء في نيل الثواب على الإيمان والأعمال الصالحة بلا تفريق بينهما، كما في قول الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس: 9- 10)، فهي عامة في الرجال والنساء.
وقوله -تعالى-: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) (آل عمران: 198)، فهي عامة أيضًا في الرجال والنساء. وقوله -تعالى-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: 21). فهي عامة كذلك، وفي غير ذلك من الآيات الكثيرة في عموم نيل أهل الإيمان والعمل الصالح من الرجال والنساء للثواب في الآخرة ودخول الجنة، وهذا المعنى ممَّا لا خلاف فيه قطعًا.
ومع ذلك فقد وردت في القرآن الكريم آيات عديدة تنص صراحة على نيل النساء المؤمنات الثواب الجزيل يوم القيامة ودخولهن الجنة، فمن ذلك:
- قوله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء: 124).
- وقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 35).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد: 18).
- وقوله -تعالى-: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (الفتح: 5).
- وقوله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 71- 72).
- وقوله -تعالى-: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ . فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران: 193- 195).
- وقوله -تعالى-: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الحديد: 12).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 72- 73).
- وقد وردت مضاعفة الثواب والأجر في حق أمهات المؤمنين خاصة لعلو مكانتهن ومسئوليتهن، وفي ذلك أيضًا إثبات الثواب والأجر للنساء لكن مع مضاعفة الثواب والأجر، قال -تعالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) (الأحزاب: 30- 31).
طهارة نساء الجنة:
خُلِقَت النساء وفيهن من الجمال ما فيهن، لكونهن أنيسات لأزواجهن من الرجال، يأنس بهن الرجال، ويسعدون في جوارهن، ويسكنون إليهن، ويملأ قلوبهم المحبة والود لهن، ولهذا كانت النساء من جنس الرجال لا من جنس آخر، ومن ضلع آدم خُلِقَت حواء، قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).
ونساء الجنة آية في الجمال والبهاء، ومن تمام جمالهن أنه لا يكدِّره ما يكدِّر جمال نساء الدنيا ممَّا يصيبهن من الحيض والنفاس، وما يكون من تغوط وتبول، أو يصيبهن من تمخط وبزاق ونحو ذلك، وممَّا يصيبهن من نصب وتعب ووهن، ما يلحقهن من هرم وشيخوخة وضعف بدن ونقص في الجمال والحلاوة مع تقدم العمر، فهن طاهرات منزَّهات عن كل ذلك وما يشابهه. فللنساء في الجنة جمال لا يقاربه ويدانيه جمال غيرهن.
- قال -تعالى-: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 25).
- وقال -تعالى-: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 15).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة آل عمران: "(وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ): أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك ممَّا يعتري نساء الدنيا.
- وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (النساء: 57).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة النساء: "(لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ): أي من الحيض والنفاس والأذى، والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي -رحمهم الله-. وقال مجاهد -رحمه الله-: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة -رحمه الله-: مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف. قلتُ: وقوله: "إنها (مطهرة من المني)؛ لأن الجماع في الجنة يكون بلا مني كما سيأتي. وقوله إنها (مطهرة من الولد)؛ لأن المرأة في الجنة لن تحتاج إلى الولد ولا الولادة كما سيأتي" والله -تعالى- أعلم.
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله- في (مفردات ألفاظ القرآن): "(لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) (النساء: 57) أي: مطهرات من درن الدنيا وأنجاسها. وقيل: من الأخلاق السيئة، بدلالة قوله: (عُرُبًا أَتْرَابًا) (الواقعة: 37).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وقال -تعالى-: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الحيض والنفاس والبول والغائط والبصاق والمخاط، لا يصدر منهن شيء من ذلك، وكذلك طهرت أخلاقها ولحاظها ولباسها وسجيتها" (جزء الفتن والملاحم من البداية والنهاية لابن كثير).
وقد روى أحمد بسنده عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ -وقال لأصحابه إن أقر لي بهذه خصمته- قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ)، فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني). وفي رواية أخرى للحديث قال اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال الحافظ الضياء -رحمه الله-: وهذا عندي على شرط مسلم؛ لأن ثمامة -رحمه الله- ثقة، وقد صرَّح بسماعه من زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
وروى أحمد بسنده عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، طَعَامُهُمْ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ)، وفيه: (قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ) (رواه مسلم). وعند أحمد عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- أيأكل أهل الجنة؟ فقال: (نَعَمْ، وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ فِيهَا وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَنَخَّمُونَ، إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ جُشَاءً وَرَشْحًا كَرَشْحِ الْمِسْكِ، وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) (رواه مسلم).
قلتُ: وقد يُقال طعام الدنيا وشرابها ليس كله مفيد، ففيه ما يفيد البدن وفيه ما لا يفيده، فيستفيد البدن ممَّا يفيده منه، ويتخلص ممَّا لا فائدة للبدن فيه على شكل فضلات سائلة أو غير سائلة، فذلك بول المرء في الدنيا وبرازه. أمَّا طعام وشراب الجنة فكله مفيد للبدن، والفائض منه عن حاجة البدن يخرج من مسام الجلد كريح المسك. والله -تعالى- أعلم.
جمال نساء الجنة:
وردت العديد من الآيات القرآنية في بيان بعض صفات نساء الجنة الدالة على ما هُنَّ عليه من شدة الجمال والحسن والروعة، فمن تلك الآيات:
- قوله -تعالى-: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) (الصافات: 40- 49).
- وقوله -تعالى-: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: 49- 53).
- وقوله -تعالى-: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 46- 61).
- وقوله -تعالى-: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُدْهَامَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 62- 77).
- وقوله -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) (الواقعة: 10- 26).
- وقوله -تعالى-: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ . وَظِلٍّ مَمْدُودٍ . وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (الواقعة: 27- 40).
فمن صفات نساء الجنة الدالة على الحسن والجمال في الخِلْقة والخُلُق كما جاء في تلك الآيات أنهن:
- حُورِ العِين:
(الحور): شدة بياض بياض العين مع شدة سواد سوادها. مع سعة وضخامة في العين، مع شَفْر بمنزلة جناح النسر (الشفر: حرف كل شيء، وشفر الجفن: حرفه الذي ينبت عليه الهُدب (بضم الهاء)، والجمع: أشفار). والحوراء من النساء: البيضاء، لا يقصد بذلك حور عينيها. والحورية: الحسناء (راجع المعجم الوجيز). وذلك هو النهاية في الحسن.
و(حور): جمع أَحْوَر (بسكون الحاء وفتح الواو)، وحَوْرَاء. وقيل: حورت الشيء: بيضته ودورته. (مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني).
- خَيْرَاتٌ حِسَان:
خيرات جمع خيرة، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخُلُق الحسنة الوجه. وقد ورد في الحديث -كما سيأتي إن شاء الله- أن الحور العين في الجنة يغنين: (نَحْنُ الْخَيْرَاتُ الْحِسَانُ خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ). وقرأ البعض في سورة الرحمن (خيِّرات) بتشديد حرف الياء.
- كأنهن الياقوت والمرجان:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الرحمن: "قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم -رحمهم الله- في صفاء الياقوت وبياض المرجان، فجعلوا المرجان هاهنا اللؤلؤ. والياقوت حجر كريم لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه. وعند مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى ضَوْءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) (متفق عليه).
- كأمثال اللؤلؤ المكنون:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الواقعة: "وقوله -تعالى-: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه."
- كأنهن بيض مكنون:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الصافات: "وقوله جل جلاله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان. قال علي بن أبي طلحة -رحمه الله- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: اللؤلؤ المكنون... وقال الحسن -رحمه الله-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يعني محصون لم تمسه الأيدي. وقال السدي -رحمه الله-: يعني بطن البيض. وقال عطاء الخراساني -رحمه الله-: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا (أي قشرة البيض) ولباب البيضة. وقال السدي -رحمه الله-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: بياض البيض حين ينزع قشره. واختاره ابن جرير -رحمه الله- لقوله: (مَكْنُونٌ)، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها. والله أعلم".
قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ): "قيل: إنه بيض النعام المكنون في الرمل، وهو عند العرب أحسن أنواع البياض. وقيل: المراد به اللؤلؤ قبل أن يبرز من صدفه" (الفتن والملاحم).
- أبكارًا لم يغشهن أحد من قبل:
قال -تعالى-: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: 56). وقال -تعالى-: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: 70- 74). وقال -تعالى-: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة: 35- 38).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الرحمن: "(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) أي: بل هن أبكار لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس. وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجِنَّة الجنة، أي: سيدخل مؤمنو الجن الجنة ينكح الجن جنيات، ويدخل مؤمنو الإنس الجنة ينكح الإنس إنسيات".
وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الواقعة: "(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ) أي: أعدناهن في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصًا صرن أبكارًا (عُرُبًا) أي بعد الثيوبة عدن أبكارًا عُرُبًا متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة. والرَّمَص (بفتح الراء وتشديدها مع ميم مفتوحة): وسخ أبيض جامد يجتمع في موق العين. يقال (رمصت) العين رمصًا: اجتمع في موقها وسخ أبيض، فهو أرمص وهي رمصاء. والجمع: رمص (بضم الراء وسكون الميم) (راجع المعجم الوجيز).
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: (إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ) فذهب فصلى، ثم رجع إلى عائشة -رضي الله عنها-، فقالت: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة، قال: (إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَدْخَلَهُنَّ الْجَنَّةَ حَوَّلَهُنَّ أَبْكَارًا) (رواه ابن أبي شيبة عن عائشة -رضي الله عنها-، والترمذي عن الحسن مرسلًا، وحسنه الألباني).
والأبكار: جمع بكر، والبكر هنا: العذراء. وأصل الكلمة هي البكرة التي هي أول النهار، واشتق منها لفظ الفعل، فيقال: بكر فلان بكورًا: إذا خرج بكرة. ففيه معنى التعجيل والتقدم على سائر الأوقات. وسميت التي لم تفتض بكرًا اعتبارًا بالثيب، لتقدمها (أي: البكر) عليها (أي: الثيب) فيما يراد له النساء (مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني). والطمث لغة: دم الحيض، وأيضًا الافتضاض. فالطامث: الحائض، وطمث المرأة: إذا افتضها. ومنها استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا، أي: ما افتضها (مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني).
وجاء في الأثر أن المؤمن في الجنة ما يأتي زوجته من مرة إلا ووجدها عذراء، يُعطى قوة كذا وكذا في النساء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قُبُلُهَا، يُعطى قوة مائة، لا يمل منها ولا تمل منه، إلا أنه لا مني ولا منية (لا موت)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا كما كانت من قبل.
- محبات متحببات لأزواجهن:
وهذا من كمال الجمال في المرأة، فهو جمال في خُلُقها تهنأ به حياتها وحياة من يكون زوجًا لها، وتحلو به حياتهما معًا فيسعدان. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بوصف نساء الجنة بكونهن (عُرُبًا). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- (عُرُبًا): يعني متحببات إلى أزواجهن. وعنه (العُرُب بضم العين): العواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون. وكذا قال عبد الله بن سرجس -رضي الله عنه- ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية وقتادة والحسن والضحاك وغيرهم -رحمهم الله-. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هي الملقة لزوجها. والملق لغة: التودد والتضرع. يقال ملق فلانا أو ملق له ملقًا: تودد بكلام لطيف وتضرع فوق ما ينبغي، فهو ملق. وتملق الرجل: تودد وتضرع فوق ما ينبغي (المعجم الوجيز). وعن عكرمة -رحمه الله-: هي الغنجة. وعنه: الشكلة. وعن عبد الله بن بريدة -رحمه الله-: الشكلة بلغة أهل مكة والغنجة بلغة أهل المدينة. وقال تميم بن حدلم -رحمه الله-: هي حسن التبعل (والتبعل: حسن طاعة الزوجة لزوجها، والبعل: الزوج). وقال زيد بن أسلم -رحمه الله- وابنه عبد الرحمن -رحمه الله-: (العُرُب) حسنات الكلام. (تفسير ابن كثير سورة الواقعة).
- محتفظات بشباب دائم لا ينتهي:
فأجمل ما تكون عليه المرأة ما تكون عليه في عنفوان شبابها، والنساء في الجنة كلهن شابات متساويات في السن، يجمعن بين سن الشباب والعذرية، لا تتأثر أبدانهن بالزمان وإن طال وطال، حيث يحتفظن في الجنة بجمال الشباب وحلاوته، لا ينقطع عنهن، ولا يتأثرن بمرور السنين والقرون والأحقاب مهما طالت عليهن، وكذلك يكون الرجال في الجنة أيضًا. وهو ما ذكره المفسرون للقرآن الكريم في قوله -تعالى- عن نساء الجنة أنهن (أترابًا) أي على ميلاد واحد. ففي معنى (الأتراب) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني في سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة.
وقال مجاهد -رحمه الله-: الأتراب المستويات، وفي رواية عنه: الأمثال. وقال عطية -رحمه الله-: الأقران. وقال السدي -رحمه الله-: (أترابًا) أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات. وعن الحسن -رحمه الله-: المستويات الأسنان يأتلفن جميعًا ويلعبن جميعًا. (راجع المصدر السابق).
وجاء في الأثر أن هناك في الجنة مجتمعًا للحور العين يرفعن أصواتًا لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: "نحن الخالداتُ، فلا نَبِيدُ، ونحن الناعمات، فلا نبأَسُ، ونحن الراضياتُ، فلا نسْخَطُ، طَوبَى لمن كان لنا وكُنَّا له". وذكر من غنائهن في الجنة: "نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام".





ابوالوليد المسلم 21-08-2026 12:54 PM

رد: من نعيم النساء في الجنة
 
من نعيم النساء في الجنة (2)



كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المرأة في ذاتها زينة، وهي أيضًا تحب التجمل والتزين؛ لذا فهي فتنة للرجال، خاصةً إذا كانت شديدة الجمال أو متزينة بالذهب والجواهر أو مرتدية للثياب الزاهية المزركشة؛ لذا كان من الأفضل للمرأة في الدنيا حال مخالطة الرجال من غير محارمها ترك التبرج وإبداء الزينة ما استطاعت بالستر والتغطية؛ قال الله -تعالى- لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- وهن القدوة والأسوة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب: 53).
فخروج المرأة من بيتها وخطابها لغير محارمها لا يكونان إلا لضرورة أو حاجة معتبرة شرعًا، مع التخلق بآداب وأخلاق الإسلام؛ قال -تعالى- لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- وهن القدوة والأسوة اللاتي قال -تعالى- في حقهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) (الأحزاب: 30- 31)، فقال لهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) فلا يليق بهن أن يقع منهن من الذنوب ما يقع من غيرهن من النساء: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (الأحزاب: 32).
وقد طُبع الأسوياء من الرجال على الغيرة على زوجاتهم وبناتهم وأمهاتهم وأخواتهم وعلى النساء من صلة أرحامهم.
ومعنى غار الرجل على امرأته: أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره، أو لانصرافها عنه إلى آخر، فهو غيران وغيور. والغيرة محمودة طالما كانت في محلها.
فهذا في نساء الدنيا، فما بالكم بالحور العين في الجنة؛ لذا جاء في القرآن الكريم أنَّ من صفات النساء في الجنة أنهن بين حور (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) وبين حور (مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لسورة الرحمن: "(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئًا من الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقتادة -رحمه الله-، وعطاء الخراساني -رحمه الله-، وابن زيد -رحمه الله".
وقال أيضًا -رحمه الله-: "(حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ): وهناك قال: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)، ولا شك أنَّ التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصِرت، وإن كن جميعًا مخدَّرات -أي: من ذوات الخدور-". وقصرت الشيء أقصره قصورًا: عجزت عنه ولم أبلغه. وقصرت الشيء على كذا: إذا لم تجاوز به إلى غيره. وامرأة قاصر الطرف: لا تمده إلى غير بعلها. ويقال أيضًا: قصرته: جعلته في قصر.
وأخرج البخاري مرفوعًا: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ). وأخرجه مسلم ولفظه: (إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلٌ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا).
أمَّا تربة الجنة ففي الصحيحين مرفوعًا: (أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ). وعند مسلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن تربة الجنة فقال: (دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ).
ومع اتساع الجنة وعظمتها فقد جاء في وصف ترابها عند البخاري مرفوعًا: (وَلقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَدَمِهِ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا). وعند أحمد -رحمه الله- مرفوعًا: (لَقَيْدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وكما أنَّ من الحور قاصرات طرف أعلى قدرًا من الحور المقصورات في الخيام، فهناك النساء المؤمنات من بنات آدم في الجنة أفضل من الحور العين، ففي الحديث: أنَّ فضل نساء الدنيا على الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، نلن ذلك بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن، يلبس الله -تعالى- وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب. ومن تزوجت منهن في الدنيا أكثر من زوج ثم ماتت فتدخل الجنة ويدخلون هم كذلك الجنة فإنها تخيَّر، فتختار أحسنهم خلقًا، تقول: " أي رَبِّ، إِنَّ هذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِيَ خُلُقاً في دَارِ الدُّنْيَا فَزَوَّجْنِيهِ" (رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وضعفه الألباني).
ثياب أهل الجنة:
- روى ابن أبي الدنيا -رحمه الله- مرفوعًا: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا انْطُلِقَ بِهِ إِلَى طُوبَى فَتُفْتَحُ لَهُ أَكْمَامُهَا، يَأْخُذُ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ شَاءَ، إِنْ شَاءَ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَحْمَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَخْضَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَصْفَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَسْوَدَ، مِثْلَ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ وَأَرَقَّ وَأَحْسَنَ). قال ابن كثير -رحمه الله-: "غريب حسن" (الفتن والملاحم).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها -الأصل العريض للسعف- من ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم".
وعند البخاري مرفوعًا عن نساء الجنة: (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا -يَعْنِي خِمَارَهَا- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
وقال -تعالى- عن أهل الجنة: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 21- 22)، وقال -تعالى-: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) (فاطر: 33). وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف: 31). وفي الصحيحين مرفوعًا: (تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ). وعند أحمد -رحمه الله- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ).
من مساكن النساء في الجنة:
قال -تعالى-: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم: 11).
وروى الطبراني عن فاطمة -رضي الله عنها- أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "أين أمنا خديجة؟" قال: (فِي بَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا لَغْوَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ، بَيْنَ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ). قالت: "أمن هذا القصب؟" قال: (لَا، مِنَ الْقَصَبِ الْمَنْظُومِ بِالدُّرِّ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ). قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو حديث غريب، وله شاهد في الصحيح: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُبَشِّرَ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ)" (الفتن والملاحم).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وأمَّا ذكر مريم وآسية في هذا الحديث ففيه إشعار أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتزوج بهما في الدار الآخرة، وقد حاول بعضهم أن يأخذ ذلك من القرآن من قوله -تعالى- في سورة التحريم: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) (التحريم: 5) ثم ذُكرت آسية ومريم في آخر السورة. وروي مثل هذا عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- وغيره من السلف، والله أعلم" (الفتن والملاحم).
غناء نساء الجنة:
فمن نعيم أهل الجنة المقيم ولذتهم المستمرة الغناء والطرب الذي لم تسمع الآذان بمثله. روى الترمذي عن علي -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ). قال الترمذي: "وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس -رضي الله عنهم-، وحديث علي -رضي الله عنه- غريب" (الفتن والملاحم).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكذا روي من حديث عبد الله بن أبي أوفى وابن عمر وأبي أمامة -رضي الله عنهم أجمعين-" (المصدر السابق).
وروى ابن أبي الدنيا -رحمه الله- عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنَّ الْحُورَ الْعِينَ يُغَنِّينَ فِي الْجَنَّةِ: نَحْنُ الْحُورُ الْحِسَانُ، خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ).
فمما سبق نرى أنَّ الحوراء العيناء هي شابة حسناء جميلة بيضاء، ملكة لها ملك كبير، وعندها وصيفات كثيرات، كلهن آية في الجمال، وهي بينهن تشبه اللؤلؤ المكنون مع حمرة كالمرجان، صافية اللون كالياقوت، يحار فيها البصر من رقة الجلد وصفائه، يرى زوجها وجهه في خدها أصفى من المرآة، واسعة العين مع شدة بياض العين وشدة سوادها، لو أطلت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض نورًا وريحًا، عليها التيجان والحلل، يكون حجم اللؤلؤة الواحدة في تاجها وقيمتها خيرًا وأعلى قيمة من الدنيا وما عليها، والحصى الذي تمشي عليه من اللؤلؤ والمرجان. وما عليها ينفذ بصر زوجها منه حتى يرى مخ ساقيها من وراء اللحم والعظم، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء، وفساتينها من رقائق بعضها فوق بعض من ألوان مختلفة، منها ما هو من ورق شجر الجنة، ومنها ما هو من نور يضيء ما بين المشرق والمغرب، تغني بصوت شديد العذوبة لم يسمع الناس مثله، لها زوج تحبه غاية الحب وهو يبادلها حبًّا بحب، وحولها وصيفاتها التابعات لها اللاتي يحملن لها كل الحب والمودة، يجمع بينهما زواجٌ لا كزواج الدنيا، بل هو زواج ملكة هي عالية القدر والمنزلة بزوج هو عالي القدر والمنزلة، في ملك واسع هو عالي القدر والمنزلة.
هذا في الحور العين اللاتي خلقن للجنة، وأعلى منهن قدرًا ومنزلة وفضلاً من دخلن الجنة من نساء الدنيا بنات آدم المؤمنات، فكيف سيكون نورهن وجمالهن وثيابهن وحليهن.
سعادة وحبور أهل الجنة:
قال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ . يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ . ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ . يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) (الزخرف: 67- 73). وقال -تعالى-: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يس: 55- 58). وقال -تعالى-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (الطور: 17- 20).
وقال -تعالى-: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ . وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور: 22- 28). وقال -تعالى- عن الأبرار: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا . مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا . وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا . وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا . قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا . وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا . عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا . وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا . وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا . عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 11- 22).
المؤمنات في الجنة مع أزواجهن وأولادهن:
قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (الطور: 21). فيرفع الأدنى درجة منهم فيلحق بمن فاقه في الدرجة، بفضل الله -تعالى- ورحمته عليهم لتكتمل فرحة وسعادة جميعهم في الجنة؛ قال -تعالى- عن دعاء الملائكة عند ربهم: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (غافر: 7- 8).
النساء أكثر أهل الجنة:
لكل مؤمن في الجنة ما شاء الله له من الزوجات من نساء الدنيا المؤمنات ومن الحور؛ لذا فالنساء في الجنة أكثر عددًا من الرجال، ففي صحيح مسلم مرفوعًا: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَأِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سَاقَيْهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) (رواه مسلم). قال ابن كثير -رحمه الله-: "فالمراد من هذا أنَّ هاتين من بنات آدم، ومعهما من الحور العين ما شاء الله -عز وجل-" (الفتن والملاحم)، وعند البخاري نحوه. وعند أحمد -رحمه الله- مرفوعًا: (لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ) (رواه أحمد).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذه الأحاديث لا تعارض ما ثبت في الصحيحين -يعني مرفوعًا-: (اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)؛ إذ قد يكن أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار، ثم يخرج منهن بالشفاعات فيصرن إلى الجنة حتى يكن أكثر أهلها. والله أعلم" (الفتن والملاحم).
روى البخاري في صحيحه مرفوعًا: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ)، فقلن: "وبم ذلك يا رسول الله؟" قال: (تَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) (رواه البخاري). ولعل أيضًا من أسباب كثرة النساء في النار ما نراه منهن في هذه الأيام كونهن يكثرن فيما بينهن من الغيبة والنميمة، وأيضًا التبرج وتساهلهن في الخروج ومخالطة غير المحارم. وفي الحديث النبوي إرشادهن إلى التصدق لأنه ينجي من النار، وهذا من غاية الشفقة عليهن والنصح لهن.
جماع أهل الجنة:
قال -تعالى-: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يس: 55- 58). قال ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- وغير واحد من المفسرين في قوله -تعالى-: (فِي شُغُلٍ): "أي: افتضاض الأبكار".
وروى أبو داود الطيالسي -رحمه الله- عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا: (يُعْطَى الرَّجُلُ فِي الْجَنَّةِ مِقْدَارَ كَذَا وَكَذَا مِنَ النِّسَاءِ)، قلت: "يا رسول الله ويطيق ذلك؟" قال: (يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةٍ). ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: "حسن صحيح" (الفتن والملاحم).
- وروى أحمد -رحمه الله- عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحافظ الضياء المقدسي -رحمه الله-: "وهذا عندي على شرط مسلم، والله أعلم" (الفتن والملاحم).
- وروى الحاكم -رحمه الله- عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قيل: "يا رسول الله أيولد لأهل الجنة؟ فإنَّ الولد من تمام السرور"، فقال: (نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا هُوَ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَيَكُونُ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَشَبَابُهُ).
قال ابن كثير -رحمه الله- في الفتن والملاحم: "وهذا السياق يدل على أنَّ هذا أمر يقع، خلافًا لما حكاه البخاري والترمذي عن إسحاق بن راهويه -رحمه الله- أنَّ ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك ولكن لا يريده. ونقل عن جماعة من التابعين كطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي -رحمهم الله- وغيرهم أنَّ الجنة لا يولد فيها، وهذا صحيح، وذلك أنَّ جماعهم لا يقتضي ولدًا كما هو الواقع في الدنيا؛ فإنَّ الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأمَّا الجنة فالمراد منها بقاء اللذة، ولهذا لا يكون في جماعهم مَنِي يقطع لذة الجماع، ولكن إذا أحب أحدهم الولد وقع ذلك كما يريد". قال الله -تعالى-: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ) (النحل: 31).
أهل الجنة لا يموتون ولا ينامون ولا يتعبون ولا يسأمون:
قال -تعالى-: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 32- 35). وقال -تعالى- في أهل الجنة: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الدخان: 51- 57).
وقال -تعالى- فيهم: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ . وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (الحجر: 45- 48). وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) (الكهف: 107- 108).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: لا يختارون غيرها، بل هم أرغب شيء فيها. وليس يعتريهم فيها منها ملل ولا ضجر كما قد يسأم أهل الدنيا بعض أحوالهم وإن كانت لذيذة".
وقد ثبت في الحديث أنَّ الموت يذبح بين الجنة والنار، وأنه ينادي منادٍ: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، أي: أنَّ كلاً خالد فيما هو فيه.
- وروى أحمد -رحمه الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا)، فذلك قول الله -تعالى-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43). وروى ابن مردويه -رحمه الله- عن جابر -رضي الله عنه- مرفوعًا: (النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ) (رواه الطبراني والبيهقي) (المصدر السابق).
نعيم أهل الجنة الأكبر: نوال رضا الله -تعالى- فلا يسخط عليهم أبدًا:
قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 72). وفي الحديث المرفوع: (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) (متفق عليه).
رؤية الله -عز وجل- في الجنة:
مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة رؤية أهل الإيمان في الجنة لربهم، فما أعطاهم الله -تعالى- شيئًا أحب إليهم ولا أقر لأعينهم من النظر إليه -عز وجل-، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم الذي بين أيديهم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم. وظاهر الأدلة في ذلك أنَّ تلك الرؤية عامة للرجال والنساء.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد حكى بعض العلماء خلافًا في النساء هل يرين الله -عز وجل- في الجنة كما يراه الرجال؟ فقيل: لا، لأنهن مقصورات في الخيام. وقيل: بلى؛ لأنه لا مانع من رؤيته -تعالى- في الخيام وغيرها. وقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) (المطففين: 22- 23). وقال -تعالى-: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) (يس: 56). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا) (متفق عليه). وهذا عام في الرجال والنساء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء قولًا ثالثًا هو: أنهن يرين الله في مثل أيام الأعياد، فإنه يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجليًّا عامًّا فيرينه في مثل هذه الحال دون غيرها. وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه، والله أعلم. وقد قال الله -تعالى-: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: 26)" (الفتن والملاحم).
وقد روى أحمد ومسلم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلا هذه الآية: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (يونس: 26)، وقال: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ لَهُمُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ) (ينظر: المصدر السابق).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.





الساعة الآن : 10:16 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 53.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 53.44 كيلو بايت... تم توفير 0.14 كيلو بايت...بمعدل (0.25%)]